تحليل إخباري | بن كيران يشرعن الدخول لحكومة تشبه “هيضورة الهداوي”
بين الإشادة بالداخلية وتفادي الصراع مع الأصالة والمعاصرة

عندما كان حزب العدالة والتنمية في أوج قوته.. كان يكتفي بعقد ندواته داخل فضاءات الحزب في الزقاق الضيق بحي الليمون في العاصمة الرباط، وكان القياديون والمنخرطون الذين يحضرون بدعوة أو دون الحاجة إليها، بالكاد يجدون مكانا بين الصحافيين، ورغم الإمكانيات المادية المفترضة لحزب مكون من قاعدة جماهيرية كبيرة، إلا أن اللجنة المنظمة المكونة من “المناضلين”، كانت في الغالب تكتفي بتقديم الشاي وحلويات بسيطة للحضور، بل إن مشهد “الكرواصون” الفرنسي المقطع إلى أربعة أجزاء فوق “البوفي”، لا زال حاضرا في ذاكرة من تابعوا قصة “صعود وهبوط حزب العدالة والتنمية”، من داخله أو من خارجه (..).
إعداد: سعيد الريحاني
بخلاف الأمس.. يقدم حزب العدالة والتنمية اليوم نفسه كمنافس قوي في الانتخابات بعد أن تدحرج إلى ذيل الترتيب خلال الانتخابات الماضية، والمفارقة أن عبد الإله بن كيران الذي كان يقود أقوى نسخة لحزب العدالة والتنمية، والتي اجتازت فصل الربيع العربي بنجاح سنة 2011، هو نفسه الذي يقود اليوم أضعف نسخة من الحزب الذي لا يتوفر سوى على مجموعة نيابية صغيرة داخل مجلس النواب، رغم حجمها الكبير من حيث الجدل الذي تطرحه، بسبب قوة بعض برلمانييها، على رأسهم رئيسها عبد الله بوانو..
عبد الإله بن كيران، الذي أعلن استعداده مبكرا لدخول حكومة 2011 قبل أن يصدق خصومه بأن الرجل سيترأس الحكومة فعلا، في مناسبتين (إحداهما انتهت بالبلوكاج المخدوم)، هو نفسه الذي ترأس اليوم ندوة صحفية يوم الإثنين المنصرم لتقديم البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية في فندق فخم بالرباط، وتم استدعاء وجوه معينة لإعطاء ندوة تقديم البرنامج صورة خاصة، وهو ما تؤكده عودة الناطق الرسمي السابق باسم الحكومة، مصطفى الخلفي، فضلا عن عودة آمنة ماء العينين إلى الواجهة.. وإذا كان إدريس الأزمي يحجز وضعا متقدما في كل اللقاءات بسبب قربه من “الزعيم”، فإن وجوها أخرى لها ثقلها لم تشارك في تقديم برنامج حزب العدالة والتنمية، منهم وزراء سابقون، وكذلك الشأن بالنسبة لرئيس المجموعة النيابية للحزب عبد الله بوانو، والقيادي عبد العالي حامي الدين والقيادي جامع المعتصم.. المهم أن صورة العدالة والتنمية تغيرت، بل إن التفاصيل الصغيرة بدورها تغيرت، وقد لاحظ الإعلاميون منح مساحة أكبر للتواصل مع الإعلام للشاب المجتهد نزار خيرون، بينما غابت وجوه أخرى كانت تتنقل بين الحركة الدعوية والحزب..
بخلاف زمن “التشنج” بين حزب العدالة والتنمية ووزارة الداخلية، أشاد عبد الإله بن كيران بكل أريحية بدور وزارة الداخلية، فكانت الإشادة الأولى بالوزير السابق محمد حصاد، بينما قوبلت إشادته بوزير الداخلية الحالي عبد الوافي لفتيت بتصفيقات الحاضرين في القاعة.. كما أن بن كيران ظهر أكثر استعدادا لتلبية نداء المشاركة في الحكومة؛ فهو عند دفاعه عن البرنامج، إما كان يقول بأن حزبه سيحتل الرتبة الأولى في الانتخابات، أو أنهم سيدافعون عن برنامجهم إذا ما “تمت دعوتهم إلى المشاركة” في الحكومة، وهو الأمر الذي يفهم منه استعداد الحزب للعودة إلى الحكومة رغم أن برنامج الحزب يضع في أولوياته “إنهاء التطبيع” ودعم القضية الفلسطينية..
البرنامج الذي دافع عنه بن كيران، دون الحاجة إلى ارتداء “الكوستيم”، حيث كان ينتعل “صندالة” فقط، ويحمل في يده عكازا من الخشب، يحيل على الزمن القديم (..)، ومع ذلك، فإن الطريق بدا سالكا إلى الحكومة أكثر من أي وقت مضى؛ فالحكومة المقبلة قد لا تخرج التصور المعروف لحكومة “هيضورة الهداوي” رغم ما يتم ترويجه من “بلوكاج” محتمل بعد التخلي عن حزب الأحرار..
البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية والذي يحمل شعار: “من أجل إعادة الكرامة للمواطن”، تضمن عدة التزامات وإن كان أصحابه يصفونه بالبرنامج الواقعي البعيد عن المزايدات، رغم أن أكبر “مزايدة” قد تبدو في نظر الخصوم هي إلغاء مسار العلاقة مع إسرائيل.. ويبقى أفضل تلخيص للبرنامج هو الذي قدمه الموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية نفسه بناءً على تصريحات الوزير السابق مصطفى الخلفي..
فقد قدم مصطفى الخلفي، رئيس لجنة إعداد البرنامج الانتخابي وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية (بن كيران نوه أيضا بإشراف إدريس الأزمي وعضوية مناضلين آخرين بعضهم لم يذكر اسمهم) خلال الندوة الصحفية التي نظمها الحزب يوم الإثنين 7 شتنبر بالرباط، أبرز الالتزامات التي يتضمنها البرنامج الانتخابي للحزب، والتي جرى تلخيصها في 15 أولوية والتزاما.
وتأتي هذه الالتزامات ضمن برنامج قال الحزب إنه يركز على قضايا الهوية والأسرة، والديمقراطية والحقوق والحريات، والخدمات العمومية، والحماية الاجتماعية، والتشغيل، والاقتصاد، والسيادة الوطنية.
وحسب العرض الذي قدمه الخلفي، فإن أبرز الالتزامات تتمثل في: ترسيخ الهوية الإسلامية والوطنية، والنهوض بالأسرة والقيم المغربية الأصيلة، وصيانة السيادة والوحدة الوطنية والترابية، ودعم قوي ولا مشروط للقضية الفلسطينية ومناهضة التطبيع.
ومن بين الالتزامات أيضا: إعادة الاعتبار للعمل السياسي وتكريس الاختيار الديمقراطي وفعلية الحقوق والحريات الدستورية، ومحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، وتكريس الحكامة الجيدة والمنافسة الشريفة، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية وحماية القدرة الشرائية.
كما تتمثل الالتزامات في: مدرسة عمومية موحدة وذات جودة، وجامعة وطنية منتجة للمعرفة وقائدة للتنمية، وضمان التغطية الصحية الفعلية وإعادة الاعتبار للمستشفى العمومي، وتصحيح مسار ورش تعميم الحماية الاجتماعية ومعالجة الإقصاء، وإحداث فرص الشغل والنهوض بالبحث العلمي وتعزيز السيادة الاقتصادية، وتكافؤ الفرص في ولوج المقاولات إلى الصفقات العمومية والفرص الاستثمارية والتمويل والعقار.
وأشار الخلفي أيضا إلى التزام إنعاش الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والحرف والصناعة التقليدية، وتعزيز السيادة الطاقية والمائية والغذائية، وتسريع ورش التحول الرقمي وتعميم الرقمنة، واستدامة المالية العمومية.
وتضمن البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية للاستحقاقات الانتخابية المقبلة أيضا مجموعة واسعة من الإجراءات والتدابير في مجال الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية، حيث خصص المحور الثالث منه لـ 200 إجراء موزعة على ثماني توجهات كبرى، إلى جانب إجراءات أخرى ضمن محوري الهوية والأسرة والإصلاح السياسي والحقوق والحريات.
وفي مجال التعليم، يقترح الحزب إلغاء التمييز بين مدارس الريادة وباقي المدارس، بهدف ضمان مدرسة عمومية موحدة وذات جودة للجميع.
كما يقترح اعتماد اللغة العربية لغة أساسية للتدريس كما تنص على ذلك المادة 31 من القانون-الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، واعتماد التناوب اللغوي في تدريس بعض المواد العلمية والتقنية أو بعض المضامين والمجزوءات في بعض المواد، في حدود نسبة لا تتعدى 30 في المائة من حصة تدريس بعض هذه المواد أو بعض هذه المضامين والمجزوءات.
كما يتضمن البرنامج تطوير وضع اللغة الأمازيغية في المدرسة كما تنص على ذلك المادة 31 من القانون-الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.
ومن بين الإجراءات المقترحة كذلك، إلغاء سقف سن المشاركة في مباريات توظيف الأطر التربوية والمحدد حاليا في 35 سنة، والعودة إلى ما هو معمول به في الوظيفة العمومية، فضلا عن حماية الاستقرار المهني والاجتماعي لنساء ورجال التعليم بما يضمن كرامتهم ويرفع من مردوديتهم البيداغوجية والتربوية داخل المؤسسات التعليمية.
وفي إطار محاربة الهدر المدرسي، يقترح الحزب استهدافا خاصا للفتيات في الوسط القروي والمناطق النائية ضمن البرامج المخصصة لهذا الغرض.
وعلى مستوى التعليم العالي والبحث العلمي، يتضمن البرنامج إرساء خريطة جامعية عادلة، بقطب جامعي مندمج على الأقل في كل جهة، ورفع تمويل البحث العلمي تدريجيا إلى 1.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
وفي المجال الصحي، يقترح الحزب تخصيص الاستفادة من التغطية والخدمات الصحية المجانية في إطار برنامج “أمو-تضامن” حصريا لدى المراكز الصحية العمومية للقرب والمستشفيات العمومية الإقليمية والجهوية والجامعية، مع تخصيص اعتمادات مالية سنوية من الميزانية العامة مقابل تحمل المراكز والمستشفيات العمومية بتوفير هذه الخدمات بالاستقبال المناسب والعناية والجودة المطلوبة.
كما يقترح إرجاع التغطية الصحية الخاصة بالطلبة بصورة مستقلة عن وضعية انخراط أوليائهم، وإقرار التغطية الصحية للوالدين ضمن حقوق المؤمنين.
وفيما يتعلق بالدعم الاجتماعي المباشر، يدعو البرنامج إلى تصحيح مؤشر وعتبة الاستفادة بمقاربة عادلة ومنصفة للاستحقاق، وتوحيد عتبات الاستفادة بين “أمو-تضامن” و”برنامج الدعم الاجتماعي المباشر”.
ويقترح الحزب أيضا استبعاد الاستهلاك الأساسي للماء والكهرباء والغاز والهاتف من المعايير التي تؤدي إلى إقصاء الأسر من الدعم المباشر ومن “أمو-تضامن”، واعتماد الدخل الفعلي والعبء العائلي والإعاقة والمرض المزمن في تحديد الاستحقاق، إضافة إلى العمل على إقرار دعم إضافي للأشخاص في وضعية إعاقة حسب درجة الإعاقة، بما يضمن التغطية عن الأجهزة التعويضية والتأهيل.
وفي ما يخص الأرامل، يقترح “البيجيدي” معالجة وضعية أزيد من 54 ألف أرملة تم إقصاؤهن من الدعم الاجتماعي المباشر، واللواتي كن يستفدن من برنامج دعم الأرامل قبل سنة 2022، كما يدعو إلى الحفاظ على الحقوق المكتسبة للأرامل في الاستفادة من معاش أزواجهن المتوفين، في حالة الزواج، عبر تعديل كل المقتضيات التشريعية والتنظيمية.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن تصور الحزب لإرساء فعلي للخدمات العمومية الأساسية وتصحيح مسار ورش الحماية الاجتماعية، إلى جانب إجراءات أخرى تهم الأسرة والحقوق والحريات ومحاربة الفساد والتحول الرقمي والإصلاح السياسي (المصدر: تفاصيل البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، مأخوذة بدون زيادة أو نقصان من موقع الحزب).




