انتخابات 2026 بالصحراء.. “فيلم هيتشكوكي” مفتوح على كل الاحتمالات

عبد الله جداد. العيون
كلما اقترب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، تتجه الأنظار أكثر نحو الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث لا تبدو المعركة الانتخابية مجرد تنافس عادي بين لوائح حزبية، بل مواجهة سياسية مفتوحة لإعادة ترتيب موازين القوى داخل جهات العيون الساقية الحمراء، والداخلة وادي الذهب، وكلميم واد نون.
وإذا كانت الانتخابات في نهاية المطاف تحسمها صناديق الاقتراع، فإن قراءة المشهد الحالي تسمح بتحديد بعض الأسماء التي تدخل السباق من موقع أقوى، بحكم الرصيد الانتخابي والتنظيمي والحضور المؤسساتي والامتداد الاجتماعي.
العيون.. “الميزان” في مواجهة “الجرار”
في دائرة العيون، التي تخصص لها ثلاثة مقاعد محلية، تبدو المنافسة أكثر إثارة للاهتمام؛ فحزب الاستقلال يدخل السباق بورقة حمدي ولد الرشيد، الذي جدد الحزب ثقته فيه وكيلا للائحته، والذي يخوض الاستحقاق من موقع يتمتع فيه برصيد انتخابي وتنظيمي قوي، إذ ظل حزب الاستقلال متصدرا للنتائج في الدائرة خلال المحطات السابقة، كما ارتفع رصيده من الأصوات بين 2016 و2021 بشكل لافت.
في الجهة المقابلة، يضع حزب الأصالة والمعاصرة ثقله وراء محمد سالم الجماني، وهو اسم ليس جديدا على المشهد البرلماني والسياسي بالعيون، ويمتلك بدوره شبكة من العلاقات والامتدادات التي تجعل منه أحد أبرز المنافسين على المقاعد الثلاثة، وقد أعلن “البام” رسميا تزكيته وكيلا للائحته بالعيون.
أما التجمع الوطني للأحرار، فيراهن على البرلماني الحالي محمد عياش، في محاولة للحفاظ على المقعد الذي انتزعه الحزب في انتخابات 2021، بينما يدخل التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية على خط المنافسة بأسماء أخرى.
وبلغة التوقع السياسي، تبدو معادلة ولد الرشيد/ الجماني الأكثر ثقلا في الدائرة، لكن الصراع على المقعد الثالث قد يكون مفتوحا على كل الاحتمالات، خصوصا إذا توزعت الأصوات بين عدد من اللوائح.
السمارة.. ثلاثة أسماء ومقعدان
في السمارة، تبدو الصورة أكثر تعقيدا؛ فالمنافسة على مقعدين محليين يمكن أن تتحول إلى واحدة من أكثر المعارك سخونة، خصوصا مع وجود أسماء لها امتداد محلي وحزبي.
حزب الأصالة والمعاصرة اختار محمد الجماني (المعروف بلقب ميد) لتمثيله، بينما أعلن حزب الأحرار عن محمد الجماني في بعض معطيات الترشيح الأولية، في حين زكى حزب الاستقلال الزبير حبدي.
وهنا بالذات يصعب الحديث عن فائز مسبق؛ فمقعدان فقط وثلاثة أو أكثر من الأسماء القوية، يعنيان أن تفاصيل الحملة، وحجم التعبئة، ونسبة المشاركة، وطبيعة التحالفات المحلية، قد تكون هي الفيصل.
الداخلة.. انتقالات سياسية تقلب الطاولة
إذا كانت العيون تعرف مواجهة تقليدية نسبيا بين أسماء وازنة، فإن الداخلة تقدم سيناريو مختلفا تماما.
فالتحاق الخطاط ينجا بحزب الأصالة والمعاصرة، بعد مغادرته حزب الاستقلال، شكل واحدا من أبرز التحولات السياسية في الجهة قبيل استحقاقات 2026.
وفي الاتجاه المقابل، جاء التحاق امبارك حمية بحزب الاستقلال ليمنح “الميزان” ورقة انتخابية ثقيلة في دائرة وادي الذهب، بعدما كان من أبرز الوجوه المرتبطة بحزب الأحرار.
وهكذا أصبح المشهد في الداخلة أشبه بإعادة توزيع شاملة للأوراق: ينجا مع “الجرار”، وحمية مع “الميزان”، فيما تظل عائلة الجماني وتيارات أخرى جزءً من المعادلة الانتخابية المحلية.
وتخصص دائرة وادي الذهب مقعدين، بينما تضم جهة الداخلة وادي الذهب دائرتي وادي الذهب وأوسرد، بمجموع أربعة مقاعد محلية.
ولذلك، فإن انتخابات الداخلة قد تكون بالفعل واحدة من أكثر الاستحقاقات إثارة في الصحراء، لأن السؤال لم يعد فقط: من سيفوز؟ بل أيضا: أي قوة سياسية ستخرج من الصناديق وهي صاحبة اليد العليا في رسم خريطة الجهة خلال المرحلة المقبلة ؟
كلميم.. معركة مختلفة وميزان قابل للتحرك
أما جهة كلميم واد نون، فتبدو أكثر تنوعا من حيث طبيعة المنافسة وتوزع القوى السياسية بين كلميم وطانطان وسيدي إفني وآسا الزاك.
ففي دائرة كلميم، دخل حزب الاستقلال السباق بورقة شرف الدين مصطفى، فيما اختار التجمع الوطني للأحرار نادية بوعيدة، بينما يدفع حزب الأصالة والمعاصرة بالمهدي البتايت.
وما يميز كلميم، أن الصراع لا تحكمه فقط الأسماء المعروفة، وإنما قدرة كل حزب على تحويل الحضور التنظيمي إلى أصوات يوم الاقتراع، كما أن طبيعة الخريطة الانتخابية بالجهة تجعل كل دائرة تحمل حساباتها الخاصة، ولا تسمح بالضرورة بإسقاط نتائج دائرة على أخرى.
منطق الانتخابات يتغير.. والصندوق هو الحكم
المؤكد أن انتخابات 2026 بالأقاليم الجنوبية لن تكون نسخة طبق الأصل من انتخابات 2021.
فقد شهدت الأشهر الأخيرة انتقالات حزبية واستقطابات سياسية وإعادة تموقع لمنتخبين وفاعلين محليين، ففي العيون، عزز الاستقلال حضوره باستقطاب عدد من المنتخبين، بينما شهدت الداخلة تحولات أكثر وضوحا بانتقال الخطاط إلى “البام” والتحاق حمية بالاستقلال، لكن الخطأ سيكون في اعتبار هذه التحولات وحدها كافية لحسم النتائج، فالانتخابات ليست جمعا حسابيا للمنتخبين والأنصار، وإنما اختبار يوم واحد، تتحول فيه كل الحسابات إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع.
ومن هنا يمكن القول إن حمدي ولد الرشيد يدخل دائرة العيون من موقع المرشح الأقوى تقليديا، بينما يشكل محمد سالم الجماني أبرز منافسيه، مع بقاء الصراع على المقعد الثالث مفتوحا.
وفي الداخلة، يبدو مبارك حمية ورقة انتخابية صاعدة للاستقلال، مقابل الخطاط ينجا الذي يعول عليه “البام” لإعادة بناء نفوذه في الجهة، أما السمارة، فالمعادلة أكثر انفتاحا، بينما تظل كلميم واد نون مجالا لتنافس حزبي قد تنتج عنه مفاجآت في أكثر من دائرة.
إنها، باختصار، انتخابات يمكن وصفها بـ”فيلم هتشكوكي”: انتقالات مفاجئة، أسماء ثقيلة، حسابات عائلية واجتماعية وحزبية وقبائلية، وتحالفات يعاد تركيبها حتى اللحظات الأخيرة، لكن النهاية لن يكتبها أي حزب ولا أي مرشح ولا أي محلل سياسي، وإنما سيكتبها الناخب داخل صندوق الاقتراع يوم 23 شتنبر.



