رياضة | المسكوت عنه في رياضة المصارعة المغربية

المسكوت عنه في رياضة المصارعة المغربية أكبر من مجرد مشاركة أولمبية لم تنتهِ بتتويج، لأن الإشكال يبدو أعمق ويمتد إلى صلب المنظومة التي يفترض أن تنتج الأبطال، فرغم الدعم الذي تحظى به الرياضة المغربية وتعدد البرامج والمشاركات، تظل المصارعة بعيدة عن تحقيق نتائج تتناسب مع حجم الإمكانات المتاحة، سواء على المستوى القاري أو الدولي، والأكثر إثارة للتساؤل أن هذه الرياضة لا تتوفر، إلى حدود اليوم، على سجل من الألقاب القارية الكبرى يجعلها في مصاف الرياضات المغربية القادرة على فرض نفسها إفريقيا، وهو ما يطرح سؤالا مشروعا حول أين تذهب كل هذه السنوات من العمل والدعم؟
الإشكال لا يتوقف عند غياب الميداليات، بل يمتد إلى البطولة الوطنية نفسها. فأي مشروع حقيقي لصناعة الأبطال يفترض وجود منافسة وطنية قوية ومنتظمة، تضم أندية نشيطة، وفئات عمرية متعددة، ومواهب تتنافس باستمرار، مع نظام واضح للرصد والتصنيف والتطوير. لكن المصارعة المغربية تبدو في حاجة إلى بطولة وطنية أكثر قوة وانتظاما وجاذبية، تكون فعلا مشتلا للأبطال وليس مجرد محطة إدارية ضمن أجندة الموسم، فكيف يمكن إنتاج مصارع قادر على منافسة أبطال العالم والقارة إذا لم يجد أمامه منذ سن مبكرة بطولة وطنية قوية تمنحه الاحتكاك والتنافس والتطور؟
ثم هناك ملف اكتشاف المواهب، وهو ربما أحد أكثر الملفات التي تحتاج إلى مساءلة. المغرب لا تنقصه الطاقات البشرية ولا الأحياء والمدارس والجامعات والأندية التي يمكن أن تكون خزانا للمواهب، لكن السؤال هو: أين توجد منظومة وطنية حقيقية للبحث عن المصارعين الواعدين واكتشافهم في مختلف الجهات؟ أين برامج التنقيب المدرسي والجامعي؟ وأين الأكاديميات والمراكز الجهوية التي تستقطب الأطفال والمراهقين وتمنحهم تكوينا تقنيا وبدنيا ونفسيا متدرجا؟ صناعة البطل لا تبدأ عندما يقترب موعد بطولة إفريقيا أو الألعاب الأولمبية، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة من العمل الهادئ والممنهج.
كما أن استمرار غياب الألقاب القارية والدولية يفرض مراجعة جدية لسياسة الإعداد والمشاركة. فالمشاركة في البطولات الخارجية لا ينبغي أن تكون هدفا في حد ذاته، والسفر إلى المنافسات الدولية لا يمكن أن يتحول إلى معيار لقياس نجاح أي جامعة، المعيار الحقيقي هو عدد الأبطال الذين يتم إنتاجهم، وعدد الميداليات والألقاب التي يتم تحقيقها، ومدى تطور المستوى التقني للمصارعين سنة بعد أخرى، وإذا ظلت النتائج محدودة رغم توالي المشاركات، فإن المطلوب ليس المزيد من التبرير، وإنما تقييم البرامج والأطر التقنية، وطريقة اختيار الرياضيين، وجودة التحضير، ومدى الاستفادة من التجارب الدولية المتقدمة.
في الرياضة، الاستمرار في المسؤولية ينبغي أن يرتبط بتجدد النتائج وتطور البطولات واكتشاف المواهب وصناعة الأبطال، لا بمجرد طول مدة البقاء في المنصب أو تعدد العلاقات والمواقع داخل الهيئات الرياضية الدولية، لذلك، فإن المصارعة المغربية تحتاج اليوم إلى تقييم شامل وشفاف، يبدأ من البطولة الوطنية ولا ينتهي عند المنتخب الأولمبي، ويمر عبر التكوين، واكتشاف المواهب، والأندية، والألقاب القارية، والبنيات التحتية، والتأطير التقني والحكامة، فالمطلوب ليس ميدالية عابرة لإنقاذ الصورة، وإنما مشروع وطني للمصارعة قادر على إنتاج الأبطال بشكل مستمر، وعلى تحويل الدعم إلى نتائج، والموارد إلى ألقاب، والسنوات إلى تراكم رياضي حقيقي.



