رياضة | هوكي الجليد في المغرب ينفق الملايين على لعبة بلا قاعدة ممارسة

عودة الحديث عن الهوكي على الجليد في المغرب، بمناسبة زيارة رئيس الاتحاد الدولي للعبة لوك تارديف، تفتح أكثر من سؤال حول جدوى استمرار الاستثمار في رياضة لا تزال تفتقد إلى قاعدة ممارسة واسعة وواضحة داخل المملكة، فالزيارات الرسمية واللقاءات مع الجامعة واللجنة الوطنية الأولمبية، والحديث عن التكوين والتجهيزات والمنافسات الدولية، كلها تبدو في ظاهرها خطوات نحو تطوير اللعبة، لكن السؤال الذي يسبق كل ذلك هو: أين يمارس المغاربة الهوكي على الجليد أصلا؟ وأين هي الأندية والحلبات والمدارس التي يفترض أن تشكل قاعدة هذه الرياضة؟
المشكلة أن تطوير أي رياضة يبدأ من توسيع قاعدة الممارسة، وليس من بناء منتخب ثم البحث عن مسابقات دولية يشارك فيها، والهوكي على الجليد في المغرب لا يزال رياضة هامشية للغاية مقارنة بالرياضات الجماعية الأخرى، ما يجعل الحديث عن تطوير المنتخبات الوطنية والمنافسة الدولية بحاجة إلى مراجعة واقعية للأولويات، فقبل الحديث عن الاحتكاك بمنتخبات العالم، ينبغي طرح أسئلة أكثر أساسية حول عدد الممارسين، وعدد الأندية النشيطة، وعدد الفئات العمرية، وانتظام البطولة الوطنية، ومدى توفر البنيات التحتية القادرة على احتضان ممارسة حقيقية ومستدامة.
الأكثر إثارة للتساؤل هو الجانب المالي، عندما تتحدث الجهات المشرفة عن التجهيزات والمعدات والدعم اللوجستي والاستعداد للمنافسات الدولية، يصبح من المشروع مطالبة المسؤولين بتقديم صورة واضحة عن حجم الأموال التي صرفت وتصرف على هذه الرياضة، وماذا تحقق مقابلها على أرض الواقع، فالمشكلة ليست في دعم رياضة جديدة أو منحها فرصة للتطور، وإنما في غياب مؤشرات واضحة لقياس المردودية، كم عدد الأطفال الذين تم استقطابهم؟ كم ناديا يمارس فعليا؟ كم بطولة وطنية منتظمة أقيمت؟ وما هي النتائج التي تحققت مقارنة بحجم الدعم العمومي والمؤسساتي؟
زيارة رئيس الاتحاد الدولي قد تكون فرصة حقيقية لإعادة بناء الهوكي على الجليد بالمغرب، لكنها لن تكون ذات قيمة إذا بقيت محصورة في الاجتماعات والصور والوعود بتوفير المعدات، المطلوب هو مشروع واضح يبدأ من المدارس ومراكز التكوين، ويعمل على إنشاء وتطوير فضاءات الممارسة، وتكوين المدربين والحكام، وإطلاق مسابقات وطنية منتظمة، ثم بناء منتخبات الفئات العمرية قبل الحديث عن المنتخب الأول، أما إرسال منتخب إلى بطولة العالم في ماليزيا، دون قاعدة محلية قوية، فيطرح سؤالا حول ما إذا كانت المشاركة هدفا في حد ذاتها أم جزءا من استراتيجية طويلة الأمد.
في النهاية، لا يتعلق الأمر برفض دعم الهوكي على الجليد أو التقليل من قيمة هذه الرياضة، بل بضرورة وضع المال العام والموارد الرياضية أمام معيار المردودية، إذا كانت هناك ملايين الدراهم تصرف على لعبة لا يملك المغرب فيها قاعدة ممارسة حقيقية، فإن الأولوية يجب أن تكون واضحة: بناء الممارسة أولا، ثم المنافسة، ثم الإنجاز، أما الاستمرار في تمويل المشاركات والتجهيزات والبعثات دون توسيع قاعدة الممارسين وتطوير بطولة وطنية حقيقية، فلن يؤدي إلا إلى تكريس رياضة تستهلك الموارد أكثر مما تنتج أبطالا أو ممارسة جماهيرية.



