المنبر الحر

المنبر الحر | حتمية الأخلاق في عهد الملك محمد السادس

محمد جلماد
بقلم: محمد جلماد

  إن تحليل حضور البُعد الأخلاقي في خطب الملك محمد السادس نصره الله، يكشف عن أن هذا الحضور ليس مجرد صيغة أسلوبية أو زينة بلاغية عابرة، بل إنه يشكل العمود الفقري العقدي وحجر الزاوية في إضفاء المشروعية على الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمملكة.

وفي العُرف السياسي المغربي، يكتسي الخطاب الملكي طابعا برنامجيا وتوجيهيا؛ إذ يحدد التوجهات الاستراتيجية للدولة، ويتم توظيف الأخلاق فيه من خلال مرجعية ثلاثية الأبعاد: دينية، دستورية، وكونية، وذلك لتبرير العمل العمومي وتأطيره.

تتمة المقال تحت الإعلان

وبذلك، يُحدث الخطاب الملكي تركيبا دائما بين ثلاثة منابع للقيم الأخلاقية، متفاديا السقوط في فخ حداثة منفصلة عن الجذور أو تقليدانية جامدة:

تتمة المقال تحت الإعلان

1) المرجعية الإسلامية الإصلاحية (مقاصد الشريعة): بصفته أميرا للمؤمنين، يستند جلالة الملك إلى الأخلاق المقاصدية للإسلام، فلا يقتصر الخطاب على التذكير العقدي الجامد، بل يستحضر المقاصد الشرعية (الكليات الكبرى للدين: حفظ النفس، الكرامة، والعدل) لإضفاء المشروعية على الإصلاحات التحديثية، ولا سيما مدونة الأسرة.

تتمة المقال تحت الإعلان

2) مرجعية حقوق الإنسان والقيم الكونية: حيث تحضر مفاهيم الكرامة، الإنصاف، والعدالة الاجتماعية بقوة وبشكل دائم، إذ يستوعب الخطاب الملكي المعجم الدولي لحقوق الإنسان ليدمجه بسلاسة في المنظومة المرجعية الوطنية.

3) أخلاقيات المسؤولية والواجب الوطني: كثيرا ما يتوجه جلالة الملك إلى الأمة بالتركيز على قيم المواطنة والنزاهة، رابطا المواطنة الحقة بالالتزام الأخلاقي تجاه الجماعة والوطن.

ومن جهة أخرى، يتيح تحليل الخطب الملكية استخلاص المحاور الموضوعاتية الكبرى للأخلاق الخطابية، وهي كالتالي:

1) أخلاقيات التضامن والإنصاف الاجتماعي:

يرفض الخطاب الملكي صراحة الرأسمالية المتوحشة أو النمو الاقتصادي المنفصل عن الرفاه الإنساني، وقد أصبحت صيغة “الدولة الاجتماعية” المبدأ الموجه واللازمة المتكررة في خطب عيد العرش وافتتاح البرلمان، حيث تُقدم محاربة الفوارق المجالية والطبقية باعتبارها واجبا أخلاقيا لإقامة العدل، وليس مجرد تعديل ميزانياتي عابر، ومن هذا المنطلق، يتم إدراج الأوراش الكبرى للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، أو التعميم الشامل للحماية الاجتماعية تحت طائلة الحق في الكرامة لكل مواطن مغربي.

2) أخلاقيات التسامح.. احترام الغير والسلام:

تحدد أخلاقيات التعايش الكامنة في الخطب الملكية بدقة التموقع الدولي والروحي للمغرب، وهي ترتكز على مبدأين أساسيين:

  • الاعتدال الديني: يروج له الخطاب الملكي من خلال الإدانة المستمرة للتعصب والتطرف، ومواجهة العنف الإيديولوجي بأخلاقيات “الوسطية” والانفتاح.
  • التعددية الهوياتية: كرسها الخطاب التأسيسي لدستور 2011، والذي أقر بالهوية المغربية المتعددة الروافد (العبرية، الأندلسية، الأمازيغية، الإفريقية)، واضعا أخلاقيات الاعتراف الثقافي كعصب للتماسك الوطني.

3) أخلاقيات المسؤولية الشاملة والكونية:

يمدد الخطاب الملكي هذه الأخلاقيات لتشمل الصعيد الدولي، لا سيما في السياسة الإفريقية للمملكة، وتتجلى خاصة من خلال:

  • التنمية البشرية المشتركة: شدد عليها جلالة الملك محمد السادس بمناسبة عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، حيث عكس الخطاب الملكي حول إفريقيا – التي “يجب أن تثق في إفريقيا” – أخلاقيات الأخوة والشراكة جنوب-جنوب، بعيدا عن المنطق النفعي الضيق أو مخلفات العهد الاستعماري.
  • العدالة المناخية: أمام منابر منظمة الأمم المتحدة، أو خلال قمم المناخ، يدافع الخطاب الملكي عن أخلاقيات بيئية عالمية، ملحا على المسؤولية المعنوية للدول الصناعية تجاه القارة الإفريقية، باعتبارها المتضرر الأكبر من الاحتباس الحراري.

وجدير بالذكر أن مركزية الأخلاق في الخطاب الملكي تعكس نجاعتها السياسية والسوسيولوجية، لكونها تؤدي ثلاثة وظائف رئيسية:

– أولا: وظيفة التحكيم والتوافق؛ فالمجتمع المغربي تتجاذبه تيارات محافظة وأخرى تقدمية، وهنا تأتي الأخلاق الملكية لتشكل القاسم المشترك الأسمى، فمن خلال إحاطة الإصلاحات الحديثة (مثل المساواة بين الجنسين أو الحريات) بأخلاقيات إسلامية مستنيرة، ينجح الخطاب في نزع فتيل الانقسامات الإيديولوجية.

– ثانيا: وظيفة النموذجية وربط المسؤولية بالمحاسبة؛ فقد أرست الخطب الملكية في السنوات الأخيرة أخلاقيات صارمة في الحكامة (من خلال انتقاد الإدارة، الدعوة إلى الكفاءة، وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة)، لتصبح الأخلاق أداة مركزية لتخليق الحياة العامة.

– ثالثا: وظيفة الصمود والصلابة الوطنية؛ ففي مواجهة الأزمات (كجائحة كوفيد-19 أو زلزال الحوز)، سارع الخطاب الملكي إلى تفعيل أخلاقيات التضامن التاريخي الأصيل للمغاربة، محولا القيمة الأخلاقية المعنوية إلى قوة تعبئة لوجستيكية وبشرية ميدانية هائلة.

خلاصة القول: لا تمثل الأخلاق في خطب جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، عنصرا هامشيا أو ثانويا، بل هي القوة المحركة والناقلة لحداثة أصيلة وناتجة عن بيئتها الذاتية، وهي تؤكد أن التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمغرب، لا يستقيم له معنى إلا إذا كان مؤشرا ومقيدا بقيم إنسانية ثابتة، تضمن ألا يتحقق التقدم المادي على حساب التماسك الروحي والاجتماعي والثقافي للبلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى