المنبر الحر

المنبر الحر | “الأخ الأكبر” الجديد بقناع الذكاء الاصطناعي

عبده حقي
بقلم: عبده حقي

 كثيرا ما فكرت في الذكاء الاصطناعي ليس باعتباره اختراعا تقنيا فحسب، بل باعتباره تحولا عميقا في طبيعة السلطة ذاتها؛ فالسلطة التي عرفها الإنسان قديما مرئية وملموسة، تحمل وجوها وصوتا ومؤسسة وحدودا واضحة، أما السلطة اليوم فهي تتخفى داخل الشاشات، وتتوزع في الخوادم، وتعمل في صمت الخوارزميات، وتراقبنا دون أن تظهر لنا في هيئة الرقيب التقليدي الذي لا ينام. إننا أمام انتقال من سلطة تأمر الجسد إلى سلطة تستبق الرغبة، ومن نظام يفرض الطاعة بالقوة إلى نظام يجعل الفرد يشارك طوعا في بناء زنزانته الرقمية.

حين أستعمل هاتفي الذكي، أو أتصفح موقعا إخباريا، أو أبحث عن كتاب، أو أتوقف أمام صورة، فإنني لا أترك خلفي مجرد أثر عابر، بل أقدم مادة خاما لنظام يتعلم من نشاطي وتحركاتي اليومية، فكل نقرة، وكل تردد، وكل لحظة صمت أمام الشاشة، تتحول إلى علامة قابلة للقياس، ومن مجموع هذه العلامات تتكون صورة رقمية عني، قد تكون أكثر اتساقا من الصورة التي أحملها عن نفسي، وهنا يبدأ القلق الفلسفي الحقيقي: ماذا يتبقى من سر الإنسان حين تصبح دوافعه قابلة للتنبؤ، ورغباته قابلة للتصنيف، وميوله قابلة للتوجيه ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

كان الإنسان يعتقد أن حريته تسكن داخله، في ذلك الحيز المعتم الذي لا تستطيع السلطة بلوغه، لكن الذكاء الاصطناعي اقترب اليوم من هذا الحيز نفسه. إنه لا يكتفي برصد ما أفعله، بل يحاول أن يعرف لماذا أفعله، وما الذي يمكن أن أفعله لاحقا، وما الرسالة التي قد تدفعني إلى تغيير موقفي. وهكذا لم تعد المراقبة مجرد نظر إلى الخارج، بل تصبح تنقيبا في الداخل، في العاطفة والقلق والرغبة والذوق والذاكرة.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن صورة “الأخ الأكبر” التي صاغها جورج أورويل في روايته الشهيرة بعنوان “1984”، كانت قائمة على الخوف، أما الأخ الأكبر الجديد فيقوم على الإغراء؛ فهو لا يصرخ في وجهي، بل يقترح علي ما أحب. لا يمنعني من الاختيار، بل يرتب الخيارات أمامي بطريقة تجعلني أميل إلى واحد منها. لا ينتزع مني اعترافي، بل يدعوني إلى الإفصاح عن ذاتي كل يوم عبر الصور والتعليقات والبحث والمشاركة. إن سلطته لا تنمو ضد رغبتي، بل من خلال رغبتي نفسها، وهذا ما يجعل المسألة أكثر تعقيدا؛ فالمراقبة السلطوية التقليدية تكشف عن شراسة القمع، أما المراقبة الرقمية الحديثة فتلبس ثوب الراحة والسرعة والتخصيص. إننا نمنحها بياناتنا لأنها توفر علينا الوقت، ونسمح لها بقراءة عاداتنا لأنها تقدم لنا خدمة أفضل، ثم نكتشف تدريجيا أننا لم نعد مجرد مستخدمين، بل أصبحنا مادة مستمرة للإنتاج الاقتصادي والسياسي والثقافي.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأتساءل هنا: هل الحرية هي أن أختار، أم أن أكون قادرا على تكوين اختياري خارج التأثير الخفي؟ ما قيمة قراراتي إذا كانت الخوارزمية قد رتبت لي الأخبار، وحددت لي الأولويات، وأحاطتني بأصوات تشبه صوتي، حتى ظننت أن العالم كله يفكر كما أفكر؟ إن الخطر لا يكمن في أن تفرض علي الآلة رأيا واحدا، بل في أن تصنع حولي بيئة لا أرى فيها إلا ما يؤكد قناعاتي.

بهذا المعنى، لا يصبح الذكاء الاصطناعي أخا أكبر جديدا لأنه يراقبني فقط، بل لأنه يشارك في تشكيل واقعي: يحدد ما يظهر وما يختفي، من يُسمع ومن يُهمش، أي خبر ينتشر، وأي صورة تتقدم، وأي خطاب يتحول إلى حقيقة يومية، وحين تصبح الرؤية نفسها خاضعة للترتيب الخوارزمي، فإن السلطة لا تعود في امتلاك الحقيقة، بل في امتلاك شروط ظهورها.

إنني أدرك أن المعركة المقبلة لن تكون بين الإنسان والآلة، بل بين رؤيتين للإنسان: رؤية تعتبره ذاتًا حرة لا يجوز اختزالها، ورؤية تتعامل معه بوصفه ملفا من الأنماط القابلة للاستثمار والتوجيه، ومن هنا فإن الدفاع عن الخصوصية ليس دفاعا عن سر شخصي صغير، بل دفاع عن فكرة الإنسان نفسها، عن حقه في أن يبقى جزء منه غير مرئي، وغير قابل للتحويل إلى سلعة أو توقع.

إن الأخ الأكبر الجديد لا يحتاج لكاميرا سرية معلقة على الجدار، لأنه يسكن في الأجهزة التي نحملها بإرادتنا، ولا يحتاج إلى التعذيب لإرغامنا على الكلام، لأننا نتكلم باستمرار، ولا يحتاج إلى اقتحام ذاكرتنا، لأننا نرفعها إلى الحوسبة السحابية بأنفسنا، وهذا ما يجعل المقاومة أكثر صعوبة؛ فهي لا تبدأ بإغلاق الأبواب، بل بإعادة بناء الوعي، فمسؤوليتنا اليوم تتمثل في إخضاع التقنية للسؤال الفلسفي والسياسي والأخلاقي. يجب أن نسأل من يملك الخوارزمية، ومن يراقبها، ومن يصحح تحيزها، ومن يتحمل مسؤولية قراراتها. فالشفافية لم تعد ترفًا قانونيًا، بل شرطًا من شروط الحرية. ولا يمكن لمجتمع أن يدعي الديمقراطية إذا كانت أكثر الأنظمة تأثيرا في حياة أفراده تعمل في الظل.

إن الذكاء الاصطناعي قد يكون أعظم أدوات المعرفة في تاريخ الإنسان، لكنه قد يصبح أيضا أكثر أدوات السلطة نعومة، والسلطة الناعمة أخطر أحيانا من السلطة القمعية، لأنها لا تجعلنا نشعر بأننا خاضعون لها، ولذلك أتمسك بحقي في الشك، وبحقي في ألا أعرف، وبحقي في ألا أكون معروفا بالكامل، فالإنسان الذي تكشفه الخوارزمية كله يفقد شيئا من غموضه، والإنسان بلا غموض يفقد شيئا من حريته، ومن هنا أرى أن الدفاع عن المستقبل لا يعني رفض الذكاء الاصطناعي، بل منع تحوله إلى عين كونية تراقب كل شيء ولا يراقبها أحد. لذلك، فالسؤال الذي سيحدد مصيرنا ليس ما إذا كانت الآلة ستصبح أكثر ذكاء، بل ما إذا كنا سنصبح أكثر وعيا بالقوة التي منحناها لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى