الحقيقة الضائعة | شروط عسو باسلام ضد امتداد نفوذ الكلاوي
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 168"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان

بإجماع المؤرخين، كانت معركة بوغافر، التي دامت ما بين فبراير ومارس 1933، من أقسى المعارك التي عرفتها القوات الاستعمارية الفرنسية، لا في المغرب وحده ولكن في تاريخها كله؛ لقد ظلت القبائل الأخرى تجاهد منفردة فيأخذها الفرنسيون على حدة الواحدة تلو الأخرى، لكن بوغافر كانت تتويجا للعمل الجماعي بين كل الذين تضامنوا من أجل تسجيل صفحة ناصعة في تاريخ المغرب الحديث، يقول الصحفي حسن العلوي كما سبق ذكره في العدد السابق.
ويضيف حسن العلوي: ((ففي يوم 21 فبراير 1933، تعرض أدرار (بوغافر) لهجوم متزامن من فيالق قادمة من نقطتين متعارضتين، إحداهما من الغرب تحت قيادة الجنرال كاترو، والأخرى من الشرق بقيادة الجنرال جيرو، وقد كان هذا الهجوم الأول بمثابة إنذار لعسو باسلام تسعى القيادة الفرنسية من ورائه إلى اللقاء به وإعطائه – حسب اعتقادها – الحظ الأخير قبل أن تُبيده هو وأنصاره، لكن عسو باسلام رفض هذا الحظ الأخير، وقد استخدمت فرنسا من أجل الاتصال بعسو باسلام القبطان هنري دوليسبيناس بورنازيل، المعروف باسم “الرجل الأحمر” أو “الضابط ذو البرنس” نظرا لتدثره في المعارك ببرنس أحمر يميزه، ويتميز في المنطقة بشهرة شبه أسطورية نظرا لأعماله العسكرية التي جعلته يُخضع منطقة تافيلالت، وقد كان عسو باسلام يعرف عنه كل هذا ولكنه رفض اللقاء به.. ومع الصِّلف الذي كان يسم تصرفات بورنازيل، فإنه لم يستطع الخروج من معركة بوغافر سليما، حيث لقي مصرعه يوم 28 فبراير من نفس السنة، تحت وابل الحجارة التي كانت تلقي بها النساء المجاهدات.
ويذكر القائد علي، ابن البطل عسو، أن عدد جنود الفيالق الفرنسية يبلغ 83 ألف جندي زيادة على سرب من الطائرات يبلغ 44 طائرة كانت تقلع من ورزازات، أما بالنسبة لعدد القوات التي كان يقودها عسو باسلام، فكانت تبلغ 1200 محارب مسلحين تسليحا جيدا، يساعدهم النساء والأطفال، أي أن المجموع لم يكن يتعدى 7000 نسمة، وباستثناء أيت علوان، فإن مجموع فصائل أيت عطا كانت ممثلة في المعركة، حتى أيت إيفرسي التي كانت معروفة بفقرها وقلة عددها. لقد كان في الميدان أبطال أفذاذ من إيليمشان وأيت عيسى وابراهيم، وأيت حمزة، وأيت حسو، وأيت يعزى، وأيت خليفة، وأيت خباش، وأيت يومناسف.
إن أول اختبار للمعركة كان يوم 21 فبراير 1933، حينما هاجمت قوات فرنسية الصخور الجرداء التي كان يحتمي بها العطاويون، إلا أن الهجومات التي كان ينتظر منها أن تكون كاسحة أيام 24 و25 و28 فبراير، وفي هذه المعركة، سقط القبطان بورنازيل قتيلا بالحجارة التي كانت ترمي بها نساء القبيلة المجاهدات، وتقول الرواية الفرنسية تغطية لذلك، بأنه لم يمت تحت وابل الحجارة إلا بعد أن أصيب بجراح نتيجة إصابته برصاصة فضية.. وقد كانت معركة جد صعبة، تخلف فيها، لكن بورنازيل تقدم ليعطي المثال عن شجاعة آخر ساعة، فإذا به ومن معه يواجهون بمقاومة عنيفة.
ويقول من شهد المعركة، حتى من الفرنسيين، أن الموقف كان مزيجا من البطولة والتأثر، وأن النساء العطاويات اللائي كن يملأن بنادق أزواجهن وآبائهن وأولادهن بالرصاص، دخلن المعركة وصرن يستعملن الأسلحة النارية، بينما تطاير الرجال كالصخور بالخناجر وحتى بالأيادي المجردة على الجحافل الغازية، فكانت موقعة أقرب ما تكون إلى ملحمة خيالية.
إنها معركة 28 فبراير 1933، إحدى مفاخر تاريخ المغرب الحديث ونضاله الشاق ضد الغزو الأجنبي.
وفي يوم فاتح مارس، استنجدت القوات الأجنبية بفيالق أخرى ليكون الهجوم الأخير على بوغافر، وهكذا استهدفت مواقع المقاومين بقصف مستمر بالمدفعية الثقيلة ليلا ونهارا وبدون انقطاع، مصحوب بغارات بواسطة الطائرات، وتولى الجنرال هوري مهام التنسيق بين قوات الجنرال كاترو وقوات الجنرال جيرو، ولم يستطع سبيلمان – في مذكراته – إخفاء إعجابه الكبير ببطولة المقاومين، وأعلن غير ما مرة عن تمزق ضميره بعد وحشية العمليات الموجهة بعنف ضد مئات من المجاهدين من طرف عشرات الآلاف من الجنود والضباط المجهزين أحسن تجهيز. لقد أرادها الاستعماريون مذبحة حقيقية لكن البطولة النادرة للبطل عسو باسلام ورجاله، أرجعوها معركة شريفة امتحنت فيها شجاعة الطرفين وصبر أفرادها وقوتهم على التحمل، ويقول مؤرخو الاستعمار، تبريرا لتوالي العمليات، بأنهم لم يجدوا أدنى وسيلة تمكنهم من إيقاف النار نظرا لأن المجاهدين لم يبدوا أي رغبة في الحوار، وهذا أكبر دليل على شراسة مقاومة أيت عطا البطولية، وهناك شهادة تؤكد أن الاستعماريين ركنوا إلى جانب الاستغفال والحيلة، فبعثوا بأحد المرابطين الذين استمالوه ليقوم بدور الوسيط حاسبين أن المجاهدين ستنطلي عليهم الحيلة نظرا لما كان في ذلك من احترام قد يبلغ نوعا من التقديس في تلك المناطق للمرابطين والشرفاء والفقهاء، فقتلوه شر قتلة جزاء على خيانته، أما بالليل، فقد كان المجاهدون وأطفالهم ونساؤهم يتقدمون بين الصخور وتحت جنح الظلام، إلى أن يقتربوا من المخيمات الأمامية للعدو، فيمطرونهم بوابل من السب والشتم مما يتسبب لهم في توثر أعصابهم والحيلولة دونهم ودون الراحة والنوم، ويقول أحد الاستراتيجيين العسكريين الفرنسيين بأن مجاهدي أيت عطا كانوا السباقين لهذا النوع من حرب الأعصاب في حرب التحرير، وقد استنبط ذلك بتلقائية وبابتكار، وبعد ذلك بسنوات، استعملت قوات التحرير الفيتنامية نفس الأسلوب ضد القوات الفرنسية أولا، ثم ضد القوات الأمريكية.
وانشغلت القيادة الفرنسية بالبحث عن أنجع الأساليب لتحقيق استسلام المجاهدين، وهناك من أشار عليها باللعب على الزمن واستدراج المجاهدين إلى استنفاذ ذخيرتهم في معارك متوالية، خاصة وأن كل طرق الإمدادات قد قطعت عليهم وأصبحوا محاصرين من كل الجوانب وفي عزلة تامة.
ونشطت مصالح الاستعلامات والجاسوسية، فاستقدمت أهالي للمحاصرين من المناطق القريبة وصارت تساومهم بهم، ويحكي سبيلمان رواية يقول فيها بأنه استقدم من زاكورة أقارب للمحاصرين من قبيلة أيت عيسى وابراهيم، كانوا يقيمون في زاكورة، وما إن اقترب من مكامن المجاهدين صائحا فيهم بأنهم أقرباؤهم ينتظرونهم فاخرجوا إليهم عليكم الأمان، حتى جُوبِه بموجة من الشتم والسب، بل وجهت صيحات تحريض لأولئك الأقرباء بالثورة على العدو.
لقد كانت أياما عصيبة نظر فيها عسو باسلام إلى الأمر بروية كقائد وهو يرى ما بقي من الرجال بعد أن سجل الجميع بطولات صار معها العدو يطلب الحوار.
وهكذا قرر هو والرجال الذين يمثلون روح المقاومة (إيليمشاعن)، الدخول في مفاوضات مع القيادة الفرنسية مباشرة، وكان ذلك يوم 25 مارس في الساعة الحادية عشر صباحا، حيث نزل هو والمسؤولين الأساسيين من رجاله، من موقعه في المرتفعات، واجتمع بالجنرالات هوري وكاترو وجيرو، لتحديد حيثيات إنهاء المعارك، وكان ذلك إعلانا عن نهاية معركة بوغافر.
لقد كان آخر ما بقي من المعركة 490 عائلة، أي ما يقارب 2900 نسمة مسلحين بـ 396 بندقية من مختلف الأنواع، في حين ترك الفرنسيون في هذه المعركة عددا كبيرا من الجنود، بل ومن كبار الضباط الممتازين، وقد اختلفت الروايات في العدد بالضبط، ويظهر جليا أن القيادة الفرنسية تعمدت إخفاء الرقم الحقيقي نظرا لارتفاعه، وهذا ما تدل عليه شهادات سبيلمان وهوري، وقد تم دفن القتلى بشكل جماعي، وبعد سنوات بعد المعركة، تم اكتشاف عدد من بقايا الجثث في فترات متفاوتة.
أمام الجنرال هوري وضع البطل عسو باسلام مطلبين ملحين بدون الاستجابة إليهما أبدى استعداده لاستئناف حمل السلاح:
– المطلب الأول: الضمانة الكاملة بأن لا تمتد سلطة الكلاوي إلى أيت عطا كيفما كان الحال، وخاصة منطقة ساغرو؛
– المطلب الثاني: الالتزام بالعمل وفق مقتضيات القانون العرفي لأيت عطا بشكل كامل واحترام ذلك.
وقد اضطر الفرنسيون إلى الاستجابة لذلك، مع تقديرهم لما سيكون عليه من انعكاسات على معنويات عميلهم التهامي الكلاوي.
وهناك شرط ثالث أثار استغرابا لدى الفرنسيين، لجهلهم بالبيئة، فقد طالب عسو باسلام بأن يلتزم الفرنسيون باحترام نساء أيت عطا وساغرو، وذلك بعد ظهورهن في المناسبات العامة التي تعبأ فيها نساء القبائل الأخرى للرقص والغناء.
إن هذا آخر نوع من التمجيد والتنويه بالدور الذي قامت به المرأة العطاوية، وهكذا ضمن البطل عسو باسلام أيت عطا حينما حافظ على كرامة المرأة العطاوية.
سلام عليك يا عسو وسلام على أرواح الشهداء الشجعان من رجالك)).



