الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | مولاي رشيد ومعارك تافيلالت.. من 1908 إلى 1935

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 171"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
مصطفى العلوي
بقلم: مصطفى العلوي

يتذكر القراء كفاح الشريف مولاي رشيد، الذي حمل مشعل الجهاد ضد الاحتلال الفرنسي لمناطق المغرب الشرقية، منذ الساعات الأولى التي أغمض فيها الملك العظيم الحسن الأول عينيه وانتقل إلى جوار ربه إلى حين دخلت المدافع الفرنسية لتدك الوجود المغربي في توات، والساورة، وتدكلت، وتلتحق تلك المناطق بالخريطة الفرنسية..

تتمة المقال تحت الإعلان

وكان المجاهد مولاي رشيد قد تعب، ولكن عزيمته في الكفاح لم تهن، إلى أن استطاع تجميع آلاف اللاجئين من قبائل توات وتدكلت والساورة، في جنبات سجلماسة بتافيلالت، وبدأ يعدهم للعودة إلى أراضيهم من أجل تحريرها.

إلا أن القوات الفرنسية كانت قد قررت تعقب أولئك المجاهدين واللاجئين الهاربين من أراضيهم، بل قررت احتلال منطقة تافيلالت بأجمعها حتى قبل إمضاء عقد الحماية سنة 1912، ذلك أن هذه المنطقة الشاسعة الممتدة على طول حدود التواجد الفرنسي في الجزائر شرقا، وعلى طول جبال الأطلس المتوسط والكبير غربا، هي المنطقة التي كانت مهدا للحضارات الغربية، وبوابة تدفق منها الفتح الإسلامي في عز صولة الإسلام، وهي في نفس الوقت، حلقة الوصل بين إفريقيا الشمالية وإفريقيا السوداء التي كانت فرنسا قد أطلقت فيها العنان لجبروتها.

ولقد رأينا في أعداد سابقة الإصرار الكبير للقوات الفرنسية وهي تحارب في سهول المغرب وجباله، لتفتح الطريق من الأطلس الكبير نحو تافيلالت، لأن هذه المنطقة كانت ذات أهمية خاصة بالنسبة للتواجد الفرنسي في المنطقة، خصوصا وأن قبائلها وأشرافها مجبولون على الوفاء للإسلام منذ أن حملوا رسالته في فجر الإسلام، واحتفظوا لها على طهارتها ونبلها مجللتين بميزات نبيلة، اتصف بها رسول الهداية محمد عليه الصلاة والسلام، كبراها البساطة، وأعتاها الصبر على المكاره، وأكبرها تقديم الشهادة في سبيل الله على ما تغري به الدنيا، وأعظمها العيش على حبات تمر وسنابل “فصة” وقطرات الماء، وحليب الماعز بالنسبة للأغنياء منهم.

وهي ميزات حبا الله بها هذه المنطقة، ولا زالت عليها رغم بعض مظاهر الحضارة التي لم تغير من واقع أغلبية سكان هذه المنطقة الجافة الصعبة، الشيء الكثير، ولا زال التاريخ يسائل الفرنسيين بأي حق هبت جحافل الجيش الفرنسي قبل إمضاء عقد الحماية، لاحتلال هذه المنطقة الموحشة المقفرة ذات السكان الآمنين، الذين لا ذنب لهم إلا لكون منطقتهم كانت مهدا للفتح الإسلامي، ومنطلقا للرسالة المحمدية في اتجاه الشمال والجنوب الإفريقي.

إن الهجوم الفرنسي على منطقة تافيلالت لم يكن في الواقع إلا امتدادا للغزو الفرنسي للمناطق المغربية الشرقية في وادي الساورة وتدكلت وتوات، تلك المناطق التي قاومت فيها القبائل المغربية جحافل الاستعمار الفرنسي القادمة من الكولية، جنوب الجزائر، كما كانت عندما احتلها الفرنسيون سنة 1830.

وتوجد الكثير من المصادر التاريخية عن انطلاق حركة الجهاد في إقليم تافيلالت بعد احتلال الجزائر.

يقول الأستاذ محمد بكراوي (جريدة “الاتحاد الاشتراكي” عدد 17 غشت 1987): ((تقع منطقة تافيلالت في مجال متاخم للجزائر، أقرب إلى ميادين التوسع الفرنسي، وكان من المتوقع أن تكون أول المناطق تعرضا للاحتلال، على أن الملفت للانتباه هو تأخر احتلالها، فما هي أسباب هذا التأخر؟ هل لأنها منطقة ضعيفة الإمكانيات الاقتصادية، أم يعود السبب إلى الظروف الدولية المتمثلة في منافسة ألمانيا لها، أم للمقاومة الشعبية البطولية التي خاضها السكان ضد المحتل ؟)).

بدون شك أن السبب الأخير هو العامل الأساسي لهذا التأخر، خاصة وأن المستعمر بدأ يدرك الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة التي تتحكم في تجارة القوافل، إلا أن افتقاره للمعلومات الضرورية الكافية حولها، وعنف وضراوة المقاومة.. دفعت به إلى اللجوء لطرق وأساليب أخرى تسهل عليه المأمورية، منها، على سبيل المثال تجنيد الضابط أوستري، الذي أصبح حاكما لتافيلالت فيما بعد، كجاسوس، حيث تعلم اللغة العربية والقرآن في مدرسة أسرغين، أحد قصور تافيلالت، وتولى بعد ذلك الإمامة في بعض المساجد، وبذلك كسب ثقة السكان الذين ((أصبح يعرف عنهم كل شيء، وأصبحت لا تخفى عنه خافية)) كما يقول المختار السوسي في الجزء 16 من كتابه: “المعسول”.

ولم يكتف المستعمر بهذا فقط، بل عمد إلى استغلال القواد الكبار، أمثال الكلاوي، وتجنيد بعض شيوخ الزوايا المتواجدة بالمنطقة وإثارة الصراعات وبث التفرقة بين القبائل، وضرب الحصار الاقتصادي عليها قصد إضعاف المقاومة، وبذلك شرع المستعمر في غزو المنطقة.

والواقع، أن جذور المقاومة بتافيلالت ترجع إلى تاريخ بعيد، ويتجلى ذلك من خلال:

1) الحركة الجهادية التي قادها أومحلي خلال القرن 17 بسجلماسة، ضد الغزو البرتغالي للسواحل الأطلسية المغربية؛

2) وفي سنة 1863، دعا مولاي العربي المدغري، أحد شيوخ الزاوية الدرقاوية، إلى الجهاد ضد الغزو الإسباني لمدينة تطوان.

وكان من الطبيعي أن تستمر روح هذه المقاومة ضد المحتل الفرنسي؛ فبمجرد احتلال المستعمر للواحات المغربية (توات)، نظم السكان حركاتهم ضد المواقع والمراكز العسكرية الفرنسية بزعامة أحد شيوخ المنطقة.

ولقد غلب سكان المناطق الصحراوية الشرقية المغاربة على أمرهم، نتيجة بعض الخيانات التي كانت تغمض عيون المسؤولين في العاصمة المغربية عما كان يجري من اغتصاب لسيادة المغرب في أراضيه الشرقية.

واستمر الجهاد الأكبر من سنة 1894 إلى سنة 1907، حيث لجأ ما بقي من سكان تلك المناطق إلى تافيلالت، وكانت رمز الجهاد والاستماتة على مدى أجيال من تاريخ المغرب.

لقد دخلت القوات الفرنسية إلى المغرب من التراب الجزائري على محورين: محور الشمال الشرقي وجدة، تنفيذا لمخطط كتبه في عين الصفراء بالجزائر، حاكمها الجنرال ليوطي – كما ورد في أعداد سابقة من “الحقيقة الضائعة”، وكما سيأتي بيانه في الحلقات المخصصة لمناطق وجدة – ومحور الجنوب الشرقي، لمتابعة قبائل توات، تدكلت، والساورة، ولتوسيع رقعة خريطة التواجد الفرنسي في الجزائر، ذلك أن الهجوم على تافيلالت تم التخطيط له في الجزائر، عندما بدأت قوات المجاهدين المغاربة المطرودين من أراضيهم الشرقية، تتجمع في واحات الكير، واعتبر الفرنسيون تلك التجمعات تهديدا لأمنهم في الأراضي التي أصبحوا يعتبرونها ترابا جزائريا، فلم يروا بدّا من التوسع شمال غرب القنادسة بحوالي مائتي كيلومتر، لاحتلال بوذنيب.

من مكتب ليوطي انطلق الهجوم الأول

كانت عين الصفراء قد دخلت في نفوذ الحكم الفرنسي للجزائر، سنوات طويلة جدا بعد احتلال فرنسا جزءً من القنادسة المغربية، وبها مكتب الجنرال ليوطي، الذي أصدر يوم ثالث مارس 1908 أمرا إلى الجنرال فيجي، للتحرك في خط مستقيم غربا نحو عين الشعير، منتصف الطريق نحو بوذنيب.

كما صدرت في نفس الوقت أوامر لفرقة غادرت مركز القنادسة على بعد عشر كيلومترات من بشار، بقيادة الكولونيل بييرون، لتأخذ نفس الاتجاه.. ولكن قوات الضابطين الفرنسيين ما إن التقت قريبا من بوقيس حتى هاجمها المجاهدون المغاربة يوم 16 أبريل 1908، بعد صلاة الفجر، واحتمى المجاهدون بمرتفعات جبلية في المنطقة، مكنتهم من منع القوات الفرنسية من التحرك، ومن تشتيت جيوشهم في منطقة المنابهة.

وكانت معركة المنابهة ضارية بين المجاهدين الفيلاليين والغزاة الفرنسيين، حيث خسرت قوات الجنرال فيجي في يوم واحد (16 أبريل 1908) أول قتلاها في أول محاولة اختراق للمنطقة المستعصية، وسقط تسعة عشر قتيلا فرنسيا، وقتل الليوتنان كُوسط، بينما كان عدد الجرحى مائة، بينهم تسعة ضباط، واستنشق المجاهدون الفيلاليون رائحة البارود فأحيت فيهم همة الشجاعة وشهوة الاستشهاد، ولم تكن إلا البداية..

وضرب الفرنسيون أخماسا في أسداس، واستنتجوا أن دخول المغرب من هذه المنطقة لن يكون بالأمر السهل.

فاستنجد الجنرال فيجي بقوات كثيرة من الجزائر، وأقام قيادته في المنڭوب، وفرق الجيوش القادمة في كل اتجاه، وكانت قيادة عين الصفراء قريبة، والإمدادات تصل بسرعة، فاتجهت فرق نحو عين الشعير، وفرق نحو بوعنان، وفرقة نحو دويرة السبع، واشتبكت هذه الفرق كلها مع قوات المجاهدين الذين كانوا يركزون دفاعهم في مركز إقليمهم بوذنيب، وهي المدينة التي كانت هدف القوات الفرنسية.

وكان يقود قوات المجاهدين بطل أسطوري هو ابن البطل مولاي السبع، واسمه مولاي أحمد والحسن السبع، الذي ورث الكراهية للفرنسيين عن أبيه وجده، وورث روح الجهاد عن أصله وحسبه.

((إنه الشريف والعالم مولاي أحمد بن لحسن السبعي، شيخ لزاوية الدرّ، الموجودة بدويرة السبع، قرب تالسينت، أصله من أيت سغروشن، وله مؤلفات عديدة في التصوف والدعوة إلى الجهاد والألفية. يذكر أحمد بن قاسم المنصور، الذي كان مستشارا لموحى وحمو الزياني، أن مولاي أحمد السبعي قد استطاع توحيد جل قبائل تافيلالت ضد الغزو الفرنسي، كأيت سغروشن وأيت يزدرك وأيت مرغاد، وأيت خباش، وأيت عطا، وأيت يوسي، بالإضافة إلى قبائل الصحراء، كأولاد جرير، وأولاد الناصر، وذوي منيع..

ولقد ساعده على ذلك الحركة الحفيظية، التي اعتبرها الأستاذ عبد الله العروي بمثابة ردود فعل المجتمع المغربي المختلفة في مواجهة التدخل الأجنبي، والتي أذكت حماسا وشعورا قويا عمّ مختلف جهات البلاد، إذ بمجرد اعتلائه للعرش، عمل الخليفة السلطاني بتافيلالت مولاي رشيد، على نشرها وقراءتها في المساجد، ووجه رسائل تحث سكان وقبائل الحدود على الجهاد ضد الغزو الفرنسي.

ولقد شهدت سنة 1908 معارك ضارية بين المقاومين المسلحين بأسلحة عتيقة، كـ”بوشفر” و”بوحفرة”، والغزاة الذين كان هدفهم الرئيسي هو احتلال بوذنيب)) عن محمد بكراوي (ملحق الاتحاد الاشتراكي/ 17 غشت 1987).

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى