الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | اجتماع السلطان محمد الخامس وعسو باسلام في الصحافة الوطنية

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 167"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
مصطفى العلوي
بقلم: مصطفى العلوي

أصبح الاهتمام بتاريخ عسو باسلام، البطل الذي عاش محاربا ومات يوم 16 غشت 1960، بعد أن اجتمع بالملك المرحوم محمد الخامس في تازارين عند زيارته للمنطقة سنة 1958، أصبح الاحتفال بذكراه سنويا لتذكير الرأي العام المغربي والعالمي بنموذج من نماذج الرفض المغربي، وأصبح الباحثون يتعاطون للتعمق في جزئيات تلك المعركة التي اختصرها الفرنسيون ما أمكنهم الاختصار..

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد نشر الصحفي المغربي حسن العلوي بحثا مليئا بالمعلومات والجزئيات عن البطل عسو باسلام، نشره في جريدة “العلم” المغربية وعنها ننقل موضوع الصحفي حسن العلوي.

 بوغافر.. إحدى مفاخر الجهاد المغربي ضد الغزو الاستعماري

((لا يمكن أبدا فصل اسم عسو باسلام عن المآثر العظيمة لأيت عطا، ذلك أنه لا يمكن فهم سلوكه ومراحل حياته خارج المنظومة الاجتماعية-السياسية والإطار البيئي لسكان تلك المنطقة، التي عرف حق المعرفة كيف يعانق مصالحهم؛ فإذا كنا نحكم على هذا الشخص بالروعة في ذلك الإنتاج لأيت عطا التي حافظت على نظام حياتها واحترمت بتعلق منقطع النظير أعرافها وتقاليدها، ولقد مكنني من التعرف على هذه المنطقة وتركيباتها وأصولها قيامي بأبحاث متوالية في عين المكان ما بين عام 1690 و1965، وزيارة أخرى للمنطقة وإن كانت سريعة في نهاية سنة 1975، وحسب تقديراتي الخاصة للإحصائيات المغربية، فإن سكان منطقة أيت عطا بلغ عددهم حوالي 130 ألف نسمة سنة 1960، ومساحتها تبلغ حوالي 70 ألف كيلومترمربع، تشمل جنوب الأطلس المتوسط إلى مرتفعات الأطلس الكبير لتنحدر نحو نخيل الواحات المتاخمة للصحراء بدرعة وتافيلالت، أي أن واويزغت وأيت أحنصال إلى منطقة الطاوس، وقد كانت المقر الأساسي للعطاويين في المنطقة الجبلية الوعرة الواقعة بين جبل ساغرو، الذي يبلغ ارتفاعه 2712 مترا، إلى أمالو تمنصور، ويشاء التاريخ أن تكون هذه الرقعة بالذات هي مسرح المقاومة البطولية لأيت عطا ضد جيوش الاحتلال الفرنسي، وعليها سطر العطاويون آيات نادرة من البطولة التي شهد بها الخصوم بإعجاب كبير.

ولد البطل عسو باسلام وسط جو مشحون بالبطولات في جماعة تاغيا نيلمشان، التي أصبحت سنة 1960 مكونة من 72 عائلة، مجموع أفرادها حوالي 379، والتي تقع إلى جنوب تنغير بحوالي 20 كيلومترا على التخوم الشمالية الشرقية لساغرو.. إنه عيسى وتصغيره عسو واعلي نايت باسلام، وقد كان والده محط ثقة قومه أمغار نتاريغت، وأقام علائق أسرية عن طريق المصاهرة مع شرائح أخرى من أيت عطا، الشيء الذي وسع أبناؤه وأحفاده ولغاية الآن من دائرته.

ومنذ سنة 1919، ترسخت قيادة عسو باسلام، بفضل خصاله وجديته؛ لقد كان شابا حيويا مع وقار كبير ووجاهة في الرأي واستعداد للقتال، مع احترام أقربائه وشيوخ قبيلته، وقد وجه عنايته منذ توليه القيادة الفعلية لمواجهة الغزو الأجنبي، لجلب الأسلحة، ولعب أخوه باسو دورا كبيرا في تمرير الأسلحة من مراكش بعمليات مدهشة لم يجد معه الفرنسيون ولا عميلهم الرئيسي، الحاج التهامي الكلاوي، أي حيلة أو وسيلة لتدفق الأسلحة بشكل نسبي، وحسب إمكانيات ذلك الوقت، وقد استغل بطلنا عسو وأخوه باسو معرفتهما بأساليب التجارة وطرقها المحلية وسط الجبال، ليحولوا ذلك لصالح التوصل بالأسلحة.

ولقد لعب الكلاوي دور رأس الرمح بالنسبة للغزو الفرنسي، إذ قام بمحاولات هجومية، معززا بالقوات الفرنسية، ما بين سنة 1916 و1918، على شمال أيت عطا، وأمره الفرنسيون في السنة الأخيرة بالقيام بحملة ضد سكان وادي تودغا، الذين لم يعلنوا استسلامهم للفرنسيين بغاية تحييد الجزء الأكبر من أيت عطا، وقد تمت الحملة على محورين: انطلاقا من الشمال بالأطلس المتوسط، وانطلاقا من الشمال الغربي عن طريق مراكش، وقد كان الكلاوي مقتنعا بأن أيت عطا هم العرقلة الأساسية لبسط نفوذ الفرنسيين ونفوذه الخاص على جنوب الأطلس الأوسط، وقد كان يشاطره ليوطي هذا الرأي؛ ففي هذا الإطار، قرر ليوطي – في رسالة رسمية بعث بها إلى الكولونيل الفرنسي حاكم منطقة مراكش – قرارا حاسما، وذلك بتاريخ 30 مارس 1920 (الذكرى الثامنة لفرض عقد الحماية البغيض) بتمكين الحاج التهامي الكلاوي من 2000 فرنك (ذهبية) لتمويل الحركة التي أصبحت ضرورية في وادي دادس وتودغا، وكان هذا يعني أنه يجب إخضاع أيت عطا بسرعة وبأي ثمن، ولماذا فضل ليوطي استعمال الكلاوي ومجنديه المحليين أساسا؟ لأنه كان يدرك شراسة مقاومة العطاويين، لذلك آثر أن يبعد القوات الفرنسية من الخسائر المتوقعة في الأرواح، وقد عمل الكلاوي بكل الوسائل، وخاصة منها الإغراءات المالية والغدر، على استمالة وإرهاب بعض الفرق من أيت عطا الكبرى، وخاصة ما بين سنتي 1930 و1932، وفي أقصى جنوبها أساسا على وادي درعة، فسمي حليفه موحداش رئيسا لسائر المناطق التي تم إخضاعها من أيت عطا.

إن المؤرخين الفرنسيين على الخصوص، يحاولون في هذا الباب التأكيد على الخلافات التي حدثت بين الفرق التي تشكل قبائل أيت عطا وقادات هذه الفرق، ويغفلون الدور الرئيسي للاستعمار وأعوانه في هذه الاختلافات ويركزون على أنها خلافات تلقائية، بينما العكس هو الصحيح.

وبالرغم من ذلك، لا ينكر الفرنسيون، ومنهم الجنرال سبيلمان، ضراوة المقاومة، التي بلغت أحيانا حد تخلي بعض أعوانهم عن التعاون معهم والرجوع إلى صفوف المقاومة؛ ولقد اضطرت السلطات الفرنسية أن تركن في أحيان كثيرة إلى جانب “الكرة” وتطلق الأموال الطائلة في محاولة لشراء الأعوان وتجميع الحلفاء.

لقد تمرس البطل عسو باسلام على أساليب الفرنسيين وطرقهم العسكرية ما بين سنة 1920 و1930، وهي مدة طويلة وصعبة؛ فقد استطاع بحنكته وبفضل المعلومات التي يستقيها من خلصائه، أن يدرك بأن المخطط الأخير للفرنسيين بوضع جيوشهم على محورين أساسيين وبأعداد كبيرة ووسائل حربية متطورة بالنسبة لذلك العصر، تستهدف إخضاع منطقة جبل ساغرو المنيعة، وقد بدأت الجيوش الفرنسية بالتقدم شيئا فشيئا من مراكش ومن قصر السوق، وعززت القوات المتقدمة من قصر السوق بقوات استنجدت بها القيادة العسكرية المقيمة بالمغرب من القيادة العسكرية بالجزائر..

لقد كان جبل ساغرو هو الملجأ الأخير لكل العطاويين الذين استماتوا في المقاومة وأصبحوا أمثولة في الجهاد، وإن تشكيلهم ليدل على أنهم ينتمون لكل الفرق التي تشكل أيت عطا، وهذا دليل تاريخي لا يجادل فيه أحد، ويعني أن رؤساء الجماعات المختلفة إذ يستسلمون فإن أفراد الجماعات يبحثون دائما عن تعبير آخر للمقاومة، وبهذا صار عسو باسلام الرمز الذي يعبر عن مجموع سكان المنطقة لأنهم جميعا ممثلون بمجاهديهم، وهكذا كسر عسو باسلام، وفي الميدان وبفضل الكفاح المشترك، أسس النظريات الاستعمارية المرتكزة على العصابات والتناحر بين الجماعات.

لقد انصهر الكل في أتون النضال.. وهكذا أعلن في سنة 1932 عن تعيين عسو باسلام القائد الأعلى من طرف مجموع المجاهدين (أمغار نوفللا).

إنها إذن، المسؤولية الجسيمة التي سيقوم بها بطلنا الخالد بأمانة وإخلاص وصمود نادر وذكاء فكري فذ.

وأمام ضراوة المقاومة، اضطر الفرنسيون لأخذ زمام التخطيط والقتال، إذ ظهر واضحا أن الكلاوي وأعوانه المحليين ليس باستطاعتهم أبدا إخضاع المجاهدين، بل أدرك الفرنسيون أن عليهم – والحالة هذه – أن يدخلوا حربا حقيقية، وأنهم يواجهون مقاومة تنظيمها في تلقائيتها، وقوتها في بسالة أفرادها. إنهم أمام نوع جديد من المجاهدين، لا يحاربون وهم يعادلون بين حسابات الربح والخسائر، ولا يتقدمون أو يتراجعون وهم يعتمدون على أي مساندة خارج حدود منطقتهم.. إنهم نوع نادر من الرجال والنساء والأطفال لا يعرفون السياسة ولا الدبلوماسية ولا التحالفات الخارجية.. ولكنهم ينجزون كل ذلك في ميدانهم الخاص، إذ أن معاركهم وبطولاتهم كان لها صداها المميز في كل المغرب، وفي فرنسا نفسها.

وبإجماع المؤرخين، كانت معركة بوغافر، التي دامت ما بين فبراير ومارس 1933، من أقسى المعارك التي عرفتها القوات الاستعمارية الفرنسية، لا في المغرب وحده ولكن في تاريخها كله؛ لقد ظلت القبائل الأخرى تجاهد منفردة فيأخذها الفرنسيون على حدة الواحدة تلو الأخرى، لكن بوغافر كانت تتويجا للعمل الجماعي بين كل الذين تضامنوا من أجل تسجيل صفحة ناصعة في تاريخ المغرب الحديث؛ ففي الوسط الشرقي من ساغرو، تمتد مرتفعات صخرية عظيمة ومهيبة، وذات جيوب ومغارات لا يمكن عبورها، وفي عمقها لا يوجد إلا منبع شحيح للمياه، ولا أثر في كل المرتفعات لأي نبتة كيفما كانت، لكن هذه المرتفعات كانت صالحة للدفاع، لذلك جعلها عسو باسلام هدفا له، وهذا ما كان يفكر فيه الفرنسيون بدورهم، وبما أن هؤلاء كانوا يتوفرون على مخبرين استمالوهم إلى جانبهم، فإن مصلحة الاستعلامات لشؤون الأهالي، التي كان يترأسها على المستوى المحلي سبيلمان الذي كان آنذاك برتبة قبطان، عملت على تقدير عدد المقاومين تقديرا قريبا من الواقع، إلا أن ذلك لم يحد شيئا من معرفة الواقع الحقيقي، وقد ركنت القيادة الفرنسية في بداية الأمر إلى سياسة المفاجأة والإبهار، حيث ألقت بعدد كبير من قواتها ما كان العطاويون أبدا يتخيلون وجوده بهذه الكثرة وبهذا النظام.. وهكذا بدأت المعركة الكبرى)).

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى