الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | معركة ما بعد استسلام الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 166"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
مصطفى العلوي
بقلم: مصطفى العلوي

بعد خسائر الفرنسيين في معركة 28 فبراير 1933، جاءت قوات من الرباط بقيادة الجنرال رامون، قائد سلاح المدفعية، مخفورا بالكولونيل أوديي وجحافل كبرى من الجيوش الفرنسية، واستأنف الجنرال هوري حربه في 8 مايو 1933 بأن عادت الطائرات للقصف، واسْتُؤنفت المعارك بحدة وضراوة هذه المرة، لم يضطر معها الجنرال هوري لإيقاف الحرب، وإنما لإيقاف إعطاء البيانات عن الحرب، بل إنه أبرق بأنه احتل جبل ساغرو في ثامن مايو 1933.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولكن الليوتنان بونان قتل في يوم تاسع مايو مع رجاله، وتقول الوثائق الفرنسية: ((إن الحرب استمرت عدة سنوات في معارك كانت تخوضها ضدنا قبائل أيت مرغاد، وأيت خباش، وقتل عدد من الأوروبيين برصاصهم في معارك استمرت إلى 30 دجنبر 1935، في ليلة هذا اليوم، هجمت أيت مرغاد على تنغير وقتلوا خمسة جنود فرنسيين داخل مقهى، دون أن يستطيع أحد متابعتهم)).

فهل انتهى كل شيء في ثامن مايو 1933؟ إن الوثائق الفرنسية تتحدث أيضا عن موت ثلاثة جنود فرنسيين في معركة تادفالت يوم 5 مارس 1936.

وهكذا نرى التاريخ يعيد نفسه، ونرى الجيش الفرنسي يضطر لإيقاف إطلاق النار سنة 1933 أمام قوات الزعيم عسو باسلام، مثلما اضطر للاعتراف بالهزيمة أمام قوات الزعيم موحى وحمو الزياني سنة 1914.

ودخل عسو باسلام تاريخ الجهاد الإسلامي ضد الغزو الأجنبي في بوغافر بجبل ساغرو.. مثلما دخله قبله الصحابة والمجاهدون، ومثلما دخل قبله موحى وحمو في منطقة الهري.

بقي عسو باسلام نموذج الجهاد، وقدوة المقاومين المغاربة، وكان له حظ الحياة حتى رأى القوات الفرنسية تجلو بعد الاستقلال عن عرينه في بوغافر، وأصبح مسؤولا إداريا عن منطقة حولها إلى مقبرة للجيوش الغازية، وكان، ولا شك، وهو يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم سنة 1957، يشكر الله العلي القدير على أن أمتعه بالحياة حتى رأى وطنه متحررا.. أليس هو المؤمن المصلي المجاهد الذي رفض بعد الاستقلال أن تعقد الاجتماعات الرسمية يوم الجمعة، وهبّ غاضبا وهو يطلق الرصاص من بندقيته قائلا: “إن يوم الجمعة هو يوم الصلاة” ؟

ولقد قدمت فيما سبق صورة فوتوغرافية عما كتبه الفرنسيون عن معركة بوغافر في جبل ساغرو، وما سجلوه في مذكراتهم ووثائقهم، وأسماء الضباط القتلى والجنرالات المسيرين. إذن، قدمت صورة منقولة من الجانب الفرنسي، فما هي الصورة كما رآها من الجانب المغربي رجال كانوا في الجهة الأخرى معتصمين مع البطل عسو باسلام ؟

لقد انتقل واحد من علماء المغرب، وهو أستاذ لجيل الاستقلال، وعالم من علماء المغرب الأفذاذ، الشريف مولاي هاشم العلوي، وهو من الشرفاء العلويين الذين يتكلمون اللغة البربرية، وسافر إلى منطقة ساغرو بعد الاستقلال، واجتمع بأقطاب معركة بوغافر، كما اجتمع بالأحياء منهم في الرباط، ونقل عنهم هذه التفاصيل التي لا بد من وضعها لمقارنتها بما ورد في الوثائق الفرنسية، لتنجلي من تلك المقارنة الصورة الحقيقية لمعركة تشرف تاريخ المغرب، وتشكل درسا لا بد أن القوات الفرنسية استوعبته، فسارعت سنة 1956 إلى الاستجابة لطموحات الشعب المغربي إلى الاستقلال وإرجاع رمز سيادته، الملك المرحوم محمد الخامس، تفاديا لتكرار مجازر أخرى كالتي عرفوها في الهري بخنيفرة وفي بوغافر بجبل ساغرو.

فقد كان الزعيم عسو بسلام يستعد في سنة 1953 لاستئناف المعارك التي بدأها سنة 1933، فكيف كانت حقيقة معركة بوغافر في فبراير 1933 كما رواها ولد عسو باسلام شخصيا للمؤرخ مولاي هاشم العلوي ؟

لنبدأ القراءة ولنبدأ المقارنة:

حوادث جبل ساغرو سنة 1933

((القائد عسو باسلام من قبيلة أيت عطا الكبرى خمس أيت واحليم، فرقة أيت زمرو فخذة المثان، ولد سنة 1887 بقصره المسمى “إغرم أمازدار” بالبربرية، أي القصر السفلي، وبه توفي سنة 1960.

وهو رجل طويل القامة، ضخم الكرادس، يوصف بالشهامة والبطولة النادرة والكرم، متدين من ألفة المسجد.

وجبل بوغافر يقع في المنطقة الجنوبية لمركز أكنيون، مجمع أخماس أيت عطا، يبعد عنه بنحو 25 كلم، ولهذا الجبل قمتان منيعتان.

لما وضعت الحرب أوزارها بالشمال باستسلام المجاهد الأكبر بطل الريف الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي، جمعت فرنسا القوى العسكرية للقضاء على المعاقل التي تجمع بها المجاهدون بالأطلسين المتوسط والكبير، فتوجهت إلى الجنوب، إلى قبيلة أيت عطا وأيت مرغاد، وكانت القيادات العسكرية حسب الآتي:

• جيش مكناس: تحت قيادة الكولونيل بويميرو والجنرال كودو؛

• جيش ميدلت: تحت قيادة الكولونيل دوري؛

• جيش تادلة: تحت قيادة الكولونيل دولسطال؛

• جيش مراكش: تحت قيادة الكولونيل كاترو؛

• جيش بوذنيب: تحت قيادة الكولونيل جيرو أوبرلانج.

وقد توجهت القوات للقضاء على المعاقل المذكورة، فاستولت على عدة مراكز واستسلمت من أجلها عدة قبائل، ولم يبق إلا مجمعات: أسول، وسيدي بويعقوب، بقيادة القائد زايد، أو ما استعصم بجبال بادو وحمدون وساغرو، فقررت السلطة البدء من الخلف، فوجهت الجيش الخاص تحت قيادة القبطان بورنازيل، الشهير بالبطولة.

معركة بوغافر

لما شعر المجاهدون والمشاركون في معارك الأطلس المتوسط بـ: البقريت، وإيدزو، وتونفيت، وبومية، وأغبالو نسردان، تجمعت تلك العناصر وانضم البعض منها لقبيلة أيت عطا تحت قيادة البطل القائد عسو باسلام بأكنيون، استعدادا لمعركة جبل بوغافر.

وفي صبيحة يوم 27 فبراير سنة 1933، طوقت الجيوش الفرنسية جبل بوغافر وكان اليوم شاتيا شديد القرّ، فقسم “الرجل الأحمر” القبطان بورنازيل، الجيش إلى ثلاث واجهات، يمينية وشمالية وأمامية، فولّى على الكتيبة اليمينية الملازم فرانكلي، وعلى اليسارية القبطان موري، وعلى الأمامية القبطان فوسو، واحتفظ لنفسه بمراقبة الجميع، وأمر الكتائب بالهجوم والوصول إلى الهدف، وهو قمة الجبل، قبل زوال يوم 28 فبراير.

أما القائد عسو باسلام، فقد جمع المجاهدين وعددهم قرابة ألف رجل، وخطب فيهم قائلا: من أراد منكم أن يموت في سبيل الله؟ من أراد منكم أن يموت في سبيل الشرف؟ من أراد منكم أن يموت في سبيل الدفاع عن معقل آبائه وأجداده؟ فأجابوه بصوت واحد: نحن فداء لبلادنا ولا حياة بعد اليوم.

ثم قسم القائد عسو المجاهدين إلى ثلاثة فرق، وعين عليها رؤساء من أعيان القبيلة، وترأس بنفسه الفرقة الأمامية، ونادوا بالتكبير والتهليل والصلاة على النبي، وابتدأت المعركة.. فوقع الهجوم العام من الجيش الفرنسي، وقصفت المدافع وتعززها الدبابات، وقامت الطائرات بقذف القنابل على المجاهدين.

فوقعت المعركة التاريخية الطاحنة، واستشهد فيها مئات الرجال من مختلف القبائل، أغلبهم من قبيلة أيت عطا، أيت بوداود، وأيت عيسى وابراهيم، وغيرهم.

ولشدة هول المعركة، استبدل القبطان بورنازيل بدلته الحمراء المشهورة ببدلة زرقاء لئلا يُعرف، ورغم ذلك، لم يفلته القدر المحتوم، وهذا الضابط الفذ المشهور ببطولة نادرة في حروب التهدئة بالمغرب عموما، وحروب الريف خصوصا، واشتهر باسم “الرجل الأحمر” لكونه يلبس بدلة حمراء في المعارك، ولدرايته بأساليب الحروب، وللعناية بشخصيته، خلدت فرنسا اسمه بحي بورنازيل في الدار البيضاء.

وقد ترجم له عدد من الكتاب الفرنسيين، من بينهم جان سم.

فقد كان القبطان بورنازيل يتقدم الجيوش ويشجعها، ويحثها على الصعود إلى رأس الجبل، ولما توسط الجبل أصيب برصاصة خرقت بطنه، ومع ذلك تجلد وصبر خوفا من وقوع الهزيمة لجيشه، وأخيرا انبطح وامتد على الأرض وهو ينادي ويصيح: إلى الأمام، إلى الأمام.. حتى خارت قواه. والذي صوب بندقيته هو القائد عسو باسلام، حسبما صرح لي به من بعد.

ولما علم الجنود بسقوط قائدهم، نادوا بالعويل والبكاء ودخلهم الرعب، ولم يستطيعوا نقله مخافة رصاص المجاهدين، بل جروه على الأرض حتى سلموه للطبيب العسكري بسفح الجبل، وحينما أراد الطبيب حشره في سيارة الإسعاف، التفت إليه قائلا: ألم أقل لك أنني سأموت في هذا اليوم؟ فأجابه الطبيب بقوله: دعنا من هذا فإن الوقت وقت جد وعمل، دعني أفحصك وأضمّد جروحك، فرد عليه بورنازيل: “مهلا أيها الدكتور، فإنني سأموت في هاته الساعة، ثم التفت للجبل محلقا بعينيه، وصار يخاطب نفسه: قف أيها البطل الشجاع؛ قف أيها الشاب المقدام؛ قف يا ابن فرنسا الحر أمام جبل بوغافر لترى الجبل الذي قهر فيه عسو باسلام عظمة فرنسا وسلطانها؛ قف لترى أشلاء أبناء فرنسا ودماءهم القانية الزكية تنهار من أعلى الجبل إلى أسفله”، ثم زاد قائلا: “إن حرب بوغافر هي التي ستفتح بابا لاستقلال المغرب فيما يستقبل من الزمان”، ثم لفظ نفسه الأخير. (هذا الوصف عن موت القبطان الأحمر بورنازيل، ورد الكثير منه في كتاب: “المغرب” للطبيب العسكري القبطان فيال، الذي وصف سقوط بورنازيل وفرار حارسه الخاص وملازمه، المغربي العسكري أحمد الصديق).

المفاوضة..

بعد موت بورنازيل، بعث الجنرال جيرو إلى القائد عسو باسلام يخاطبه بالمهادنة أولا، وثانيا، وثالثا، فلم يستجب إلا بدخول وسطاء من قبيلته القاطنين بقصر السوق، فقبل على شروط، وهي:

1) أن لا يحكم الحاج التهامي وقياده على قبيلة أيت عطا بتاتا؛

2) أن تسدد فرنسا خسائر الحرب التي تكبدتها قبيلة أيت عطا؛

3) أن لا تأخذ فرنسا الجنود من قبيلة أيت عطا؛

4) أن لا تشارك نساء أيت عطا في رقصات الفلكلور (أحواش) في الحفلات التي تقام بالمناسبات.

فقبل الجنرال جيرو هذه الشروط، وحضر هو والجنرال كاطرو، لـ”عقد الصلح”.

هذا ملخص ما استخلصناه من قصة حرب بوغافر أخذا عن القائد عسو باسلام نفسه حينما حضر إلى الرباط سنة 1958 وقدم البيعة للسلطان محمد الخامس، وعن الحاج شعو من تنغير (البالغ من العمر 86 سنة)، والذي حضر المعارك، وعن الحاج قاسم الذي كان شاوشا وحضر هاته الحروب.

ومن هاته القضية تستخلص عناية بعض الشعوب بأبطالها تخليدا لأسمائهم في الشوارع الهامة أو الأحياء، كفرنسا التي خلدت اسم بورنازيل وسمت حيا بأكمله باسمه.

ولماذا لم يخلد المغرب اسم المجاهد القائد عسو باسلام بأحد الشوارع بأكبر المدن أو بحي موازي لحي بورنازيل ؟)).

هاشم العلوي

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى