الحقيقة الضائعة | عسو باسلام.. سيد “ساغرو” ضد الفرنسيين
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 165"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان

كانت ضربات أيت عطا رهيبة ومخيفة للفرنسيين، خصوصا بعد أن طردوا الفرنسيين في 27 يناير 1931 من قلعة مكونة، ومن جبل ساغرو، الذي يبعد بثلاثين كيلومترا جنوب غرب قلعة مكونة.
وأصبح الفرنسيون عاجزين عن ربط الاتصال بين ورزازات وتافيلالت، فأخذوا يستقرون في بعض النقط الاستراتيجية تاركين للمجاهدين المغاربة السيطرة على المناطق التي يتواجدون بها.
وهكذا استقر الفرنسيون ونصبوا قيادات للجنرال هوري في منطقة إيميطير، في مايو 1931، وتمت ترقية الكولونيل كاترو إلى رتبة جنرال، ليأتي إلى المنطقة على رأس قوات كبرى من مراكش، ووصل إلى المنطقة في 14 نونبر 1931، ودخلت جحافل جيوشه إلى تنغير يوم 18 نونبر.
لقد جاء الفرنسيون بثقلهم الكبير، لأن نوع المقاومة المغربية لم يكن بالشيء المعهود لديهم، كانوا يعرفون أن مستقبلهم رهين بالمفاجئات التي كانوا يستعدون لمواجهتها.
وكان الجنرال كاترو لا يتوقف عن الحركة وهو راكب سيارته العسكرية، متنقل هنا وهناك ما بين تنغير ورأس سطاف، وما بين تنغير وبوتارات، وكأنه يبحث عن تلك المفاجئات.. وبقي مستمرا في بحثه إلى مارس 1932، وكان في نفس الوقت ينتظر وصول نجدات أخرى بقيادة الجنرال جيرو، الذي شكل معه ومع الجنرال هوري ثالوثا جهنميا، يريد اختراق الطريق من الأطلس الكبير إلى الشرق في قصر السوق.
هوري، الذي كان مخططه جاهزا في دماغه: استعمال جميع الوسائل مهما بلغت حدتها وسفالتها ضد أيت عطا، اعترف بهذا في كتابه: “تهدئة المغرب”، عن هذه المرحلة بالذات، فكتب: ((هل يجب القيام بمحاولة التجويع والعطش للوصول إلى القضاء على خصومنا بواسطة ضرب الحصار على نقط الماء وصد السكان عن الاقتراب منها؟ إن خطرا من هذا النوع يعني محاربة النساء والأطفال، الشيء الذي يتنافى وتقاليد الجيش الفرنسي، لكن لا داعي للتردد في استعمال هذه الأساليب للوصول إلى إخضاع مقاتلي بوغافر واستسلامهم)).
في تلك الأثناء، كانت قبائل أيت عطا، أيت مرغاد، وأيت حديدو، تزاول مع القوات المحتلة سياسة المراوغة، وتمارس ضدهم ما كانت تسميه القوات الفرنسية بالضربات المعزولة.
فكانت هناك معارك غير مفتوحة، مثلا يوم 13 مارس 1932 في قصر أيت زدك، قتل فيها بعض الجنود الفرنسيين، ومعركة في 8 شتنبر من نفس السنة قتل فيها عدد آخر في تنغير، ومعارك في جبل حمدون الذي حاول الفرنسيون انتزاعه من أيدي المجاهدين قرب تازارين.
وهي معارك كلها كان كل طرف فيها يجرب قوة الطرف الآخر، ويستطلع طريقته في القتال، واستمرت إلى فبراير 1933، حيث بدأت القبائل المجاهدة في تجميع القوى وتجنيد رجال القبائل، والدعوة إلى الجهاد، فاضطر الفرنسيون إلى مواجهة الموقف بمنع تحركات المواد الغذائية وقنبلة الأسواق بالقصف المدفعي، وفي نفس الوقت، تكثيف القوات الفرنسية حول جبل ساغرو.
..مرة أخرى.. وعند سفح جبل ساغرو، قرر الفرنسيون تقديم المجندين المغاربة كحطب لنيران المجاهدين؛ فالفرنسيون يعرفون خطورة المنطقة، ويسمعون أن القبيلة التي تسكنها مكونة من حوالي ثمانمائة خيمة، ويتزعمها إخوان عنيدان، عسو باسلام وباسو باسلام.
وجمع الجنرال كاترو فرقا غزيرة من المجندين المغاربة، وركز قيادته في المنطقة الغربية للجبل، وشكل ثلاثة فرق، الأولى بقيادة القبطان لاكروا، والثانية بقيادة القبطان باريو، والثالثة بقيادة القبطان سبيلمان، وكلفهم بالتمركز شمال الجبل وشرقه، وشكل فرقة بقيادة القبطان دوماري، استقرت جنوب الجبل، ووضع هذه الفرق كلها تحت قيادة الكولونيل شاردون، الذي كان متخصصا في نصب المدافع.
وكلف الجنرال كاترو جيشا آخر، بقيادة الجنرال جيرو، لمواجهته في الجهة الأخرى للجبل، فاستقر بها فخورا بفرق يرأسها الكولونيل طاريط، الذي كانت كل جيوشه مشكلة من السينغاليين والميحارسيت الجزائريين، والكولونيل ديسباس، المتخصص في الرشاشات البعيدة المدى، والكومندان فانسان، والقبطان لاكروا والقبطان بورنازيل، صاحب السلهام الأحمر والذي سمي بـ”الرجل الأحمر”.
وكانت هذه الترتيبات كلها – وتظهر ضخامتها من ضخامة أطرها – تحت إمرة الجنرال هوري، الذي استقر في تنغير لمراقبة العمليات.
وصدر الأمر بالتحرك إلى الفرق كلها يوم 12 فبراير 1933، فكانت البداية هزيمة الكولونيل ديسباس، الذي رجع إلى منطلقه راجلا هو وجنوده، بعد أن جرده أول المجاهدين الذين قابلهم، من أسلحته وخيوله، وقتلوا له ستة جنود من رجال الفريق الأجنبي.
في نفس الوقت، صدرت الأوامر للطائرات ببداية القصف، ولكن المجاهدين بدأوا أيضا بإسقاط طائرة لم يظهر أي أثر لربانها الليوتنان دولاشوميير.
وفي 15 فبراير، هُزم القبطان لاكروا في تيزي نوليلي، حيث تشتت المجندون الذين كانوا معه وقتل منهم عدد كبير لم يستحقوا أن يذكر عددهم.
وأمام هذه النتائج الأولية، تحرك الجنرال هوري من مقر قيادته في تنغير وجاء للمشاركة في العمليات شخصيا، وتوجيهها، بعد أن وصلته الأخبار المفجعة بأن طائرة استطلاع أخرى كان يقودها الليوتنان سوليو، أُسقطت، كما قتل قبله السارجان هاريت من فرقة الطيران.
((لقد أصبح الوضع خطيرا.. والمصاعب لا تحصى)) تقول التقارير العسكرية.
فقد أمر الجنرال هوري بجمع أشلاء القتلى الفرنسيين وعددهم أحد عشر، وأمر الجنرال كاترو بالتوجه إلى شرق الجبل، والجنرال جيرو بالتوجه إلى الجهة الغربية، جبهة حربية بها ثلاث جنرالات وأكثر من مائة ضابط.. إنها الحرب في قلب الأطلس.. جبهة قدرت مختلف الوثائق الفرنسية، أن القيادة الفرنسية ألقت فيها بعدد من الجنود يقدر بـ 83 ألف عسكري و44 طائرة كانت تقلع من مدينة ورزازات.
وأصبحت أفواج الطائرات تتناوب على قنبلة الجبل بدون انقطاع ما بين 18 و28 فبراير 1933، وتحت قصف الطائرات – والوثائق الفرنسية هي التي ذكرت فترات القصف عشرة أيام – كانت المعارك تجري بين المجاهدين والجيش الفرنسي ومرتزقته؛ ففي يوم 20 فبراير، تحت قصف الطيران إذن، جرت معركة أصيب فيها الكولونيل شاردون بلغم في عينه أخرجه من الميدان.
واستمرت المعارك يوم 22 فبراير – إذن تحت قصف الطائرات – وأيام 24 و25 فبراير، وشكل الفرنسيون فرق كومندو للتحرك عبر طرق ملتوية يوم 28 فبراير، فتشتتوا تحت وابل من رصاص المجاهدين، وبعد خسائر فادحة كما تقول الوثائق الفرنسية: ((وفي الساعة الثانية عشر من يوم 28 فبراير 1933، أمر الجنرال هوري قواته بإيقاف إطلاق النار)).. هكذا ورد في ملف الكولونيل فوانو مؤرخ المعارك العسكرية.
وعندما يأمر الجنرال هوري بإيقاف إطلاق النار، فإنما لهذا الأمر مدلول واحد في منطق الحرب.
لقد قتل له في معارك 18 إلى 28 فبراير، أحد عشر ضابطا، الليوتنان أليساندري، الليوتنان لاريدون، الليوتنان بورو، الليوتنان ليمبانيون، الليوتنان سيوراك، القبطان بورنازيل، القبطان فوشو، الليوتنان لوشوفاليي، الليوتنان بوادوفان، الليوتنان بيني، الليوتنان برانكلي.
هذه لائحة الضباط الذين قتلوا في معارك فبراير 1933، فكم مات أمامهم وخلفهم من جنود ؟
لقد حضر كل هذه المعارك ضابط طبيب، القبطان فيال، ووصف الظروف التي أرغمت الجنرال هوري على رفع أيدي الاستسلام، في كتابه: “المغرب البطل”، فكتب هذا الوصف الذي يغني عن كل تعليق متحدثا عما جرى صباح يوم 28 فبراير قبل الساعة الثانية عشر، التي أمر فيها الجنرال هوري بإيقاف إطلاق النار، وكان وصفه كما يلي: ((في السابعة صباحا، وبعد استعداد جيد للمدفعية وقصف الطيران، بدأ الهجوم الكاسح من طرف أيت عطا، الذين كانوا يدافعون عن أنفسهم بقوة كبيرة وهم محتمون وراء الصخور وفي مغاراتهم، التي لا تظهر منها إلا عيونهم وراء الحيطان وفوهات بنادقهم وهي تطلق حمم الرصاص والنسوة تشجعهن بإطلاق الزغاريد ويوزعن الذخيرة على الرجال، ويأخذن مكان الموتى منهم، ويدحرجن الحجارة علينا فترمي بجنودنا في عمق الوادي)).
في هذه المعركة، كانت ما بين النساء بنت عسو باسلام، قائد المجاهدين، وكان عمرها ثلاثة عشر سنة، قتلت بينما كانت تحمل الماء لأخيها، أحد أولاد عسو باسلام، الذي قتل في هذه المعركة هو أيضا. هذه البيانات عن موت ابن عسو باسلام وبنته جاءت بقلم الباحث دافيد هارت.
فكم مات من الفرنسيين إذن في معركة 28 فبراير ؟
تجيب الوثائق الفرنسية عن هذا التساؤل بقولها: ((لقد مات من المجندين عدد كبير، أما من الفرنسيين، فقد قتل واحد وخمسون جنديا، وضاع جنديان وجرح 83 بينهم تسعة ضباط)). هذه إحصائيات الفرنسيين وكلها كاذبة، كذبها واحد منهم كما سيأتي، لأن عدد القتلى كان أكثر من هذا العدد بكثير.
ألم يكن الجنرال هوري محقا في إصدار الأمر بإيقاف الحرب؟ إنه لو لم يفعل.. لأصبحت ساغرو “هري جديد”.
ولكن الجنرال هوري تراجع إلى نقط الانطلاق منتظرا وصول قوات جديدة فرنسية هذه المرة؛ لقد شهد أن المجندين المغاربة يموتون بسهولة.. وربما هناك عامل لم يفصح عنه، ربما كان التحاق المجندين المغاربة بصفوف المجاهدين، يفهم هذا من قرار الجنرال هوري بتسريح عدد من المجندين.



