الحقيقة الضائعة | ساغرو.. وجبل بوغافر.. والمعجزات التي أنهت الاستعمار الفرنسي
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 164"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان

إن كل سطر من السطور المكتوبة في الحلقات السابقة، يشهد بالرفض المطلق الذي برهنت عنه قبائل المغرب ضد التواجد العسكري الفرنسي..
وكان بديهيا أن يقتنع الفرنسيون بوجهة نظر الإجماع الوطني ويرحلوا عن هذا الوطن الذي رفضهم، ويقتنعوا بأن مسرحية عقد الحماية لم تبق مبررا لاحتلال المغرب، ولكن الواقع الملموس هو أن المناورات الفرنسية السياسية قبل سنة 1912 والعسكرية منذ سنة 1904 إلى سنة 1936، كانت تستهدف إدماج المغرب في الجزائر والإبقاء على هاتين المنطقتين إقليما واحدا تابعا لفرنسا، وإلا فأي مبرر بقي لهم للزج بخيرة أبنائهم في حرب مميتة؟ أمن أجل احترام تعهداتهم بحماية المغرب حسب عقد الحماية.. ؟
إلا أنه، وبعد أن بلغ السيل الزبى، وافتضحت نوايا الاستعمار الفرنسي، وبعد أن أصبحت الطائرات الفرنسية تقصف المدن والمداشر والخيام، والمدافع تهدم كل هيكل مرتفع، وبعد أن وصلت النخوة الفرنسية إلى حافة الانتصار بعد اندماج عشرات آلاف المجندين المغاربة إلى عشرات آلاف المجندين الجزائريين والسينغاليين وتكليفهم بمهام تقتيل إخوانهم المسلمين المغاربة، كان لا بد للمعجزة أن تتحقق.
كانت المعجزة الكبرى أولا هي استقلال المغرب، فإن الفرنسيين بعد دفعهم لهذا الثمن الغالي، لم يتمتعوا بحكم المغرب إلا سنوات قليلة، ولم يستفيدوا من الثمن الغالي الذي دفعوه لاحتلال هذا الوطن إلا سنوات قليلة لم يكادوا يأخذون فيها ثمن ما استثمروه من خسائر فادحة، حتى هبّوا للرحيل؛ فاحتلال المغرب إذن، عملية خاسرة.
وكانت هناك معجزة أخرى قبل الاستقلال، وفي فجر الاحتلال، وهي ظهور زعامات ضربت على أنامل الجيش الفرنسي، كزعامة موحى وحمو وغيره ممن سبق ذكرهم.
وكانت المعجزة الأخرى بعد استتباب الحكم العسكري في المغرب، وتطويق القبائل الرافضة ومحاصرتها، هي الدفع الفرنسي للثمن الغالي في الثلاثينات وفي منطقة الأطلس الكبير بالخصوص. هذه المنطقة التي كان بإمكان فرنسا أن تدفن قتلاها في مئات المعارك وتقزم حجم الأحداث، وتظهر أمام الرأي العام العالمي بمظهر الناجح في مهمة فرض النظام داخل المغرب السائب.. لكن، هل كان بإمكانها أن تقزم معارك على مستوى جبل كجبل ساغرو جنوب مراكش ؟
لقد حفرت فرنسا حفرة كبيرة لإقبار الثورة المغربية ضدها، ولكنها لم تدفن إلا نفسها، لأن أي حفرة مهما كانت ضخامة عمقها، لا يمكنها أن تدفن حتى صخرة من صخور جبل ساغرو فأحرى ما أحاط بمعركته من أحداث.. وهذه قصة منطقة ساغرو بين مراكش وورزازات.
لقد كان الإخوة الكلاوي، الحاج المدني، والحاج التهامي، الذي وضع نفسه أيضا في ركاب الجنرال بويميرو، مكلفين بفتح الطريق شرقا نحو واد زيز انطلاقا من يناير 1919، فجرهم إلى حيث ندموا، وإلى حيث لم يكن ينفع الندم. لقد اعترف الفرنسيون في وثائقهم اعترافا صريحا واضحا واختصروا المراحل بهذا التعبير الصريح: ((لقد بدأت عملية عبور الأطلس نحو واد زيز بمساعدة الحاج التهامي الكلاوي سنة 1919، ولكننا لم نتمكن من أي شيء إلا بعد تسع سنوات)).
فماذا جرى في هذه السنوات التسع يا ترى ؟
إن الجواب ينطلق من هذه الجملة نفسها. إن الفرنسيين لم يستطيعوا لا هم ولا الحاج التهامي الكلاوي، التحرك خطوة واحدة إلا في سنة 1928.
والواقع أن قبيلة مزكيطة بقيت محاصرة للقوات الفرنسية إلى يناير 1929، وقد وصل الجنرال هوري بعدما سبقته إحدى عشر طائرة مقاتلة لفتح الطريق نحو وادي درعة، حيث اعترضته قبيلة أيت عطا وحاربته إلى نهاية سنة 1930، حيث دخلت القوات الفرنسية إلى تازناخت ودخلت إلى أكدز سنة 1931.
لقد كان الفرنسيون خلال هذه العمليات كلها، لا يستعملون إلا الطائرات، أسرابا أسرابا، حتى الجنرال كاترو، الذي كان يحارب في أطراف زاكورة سنة 1930، لم يكن يقاتل أو يتنقل إلا بواسطة الطائرات.
وفرح الفرنسيون بالنتائج التي حصلوا عليها دون أن يضعوا في حسابهم أن قبيلة أيت خباش كانت في طريقها من تافيلالت لنصرة قبيلة أيت عطا، وكان زعيم أيت خباش، بلقاسم النكادي، من أولئك الذين كانوا على ارتباط وثيق بتاريخ المغرب، وبآلاف المهاجرين التواتيين والساوريين الذين طردوا من ديارهم في نهاية سنة 1800 واستقروا في تافيلالت تحت حماية مولاي الرشيد.
واشتبكت قبيلة أيت خباش بقيادة النكادي، بمجرد وصولها، مع الفرنسيين يوم 27 فبراير 1932 في فم تاكات، فقتل في المعركة ثلاثة فرنسيين وثلاثة جرحى.
وضربت أيت خباش الفرنسيين في محاميد الغزلان، حيث جرت معركة 13 نونبر 1932 قتل فيها ضابط فرنسي من قوات الجنرال كاترو، لم يذكر اسمه، وسبعة جنود فرنسيين.
كما أخذت قوات المجاهدين تضرب الفرنسيين أينما وجدوا، فتراهم في 6 دجنبر 1932 يستولون على قافلة سيارات عسكرية ويحرقون شاحنة ويقتلون ركابها، وهجموا يوم 8 دجنبر على قافلة أخرى قرب تازارين، وقتل في المعركة عشرة جنود فرنسيين.
في هذه الأثناء، كان الفرنسيون يعتبرون جبل ساغرو هدفهم الأكبر، وفي الطريق إليه كانوا يحاولون التحرك من تازارين وكل تحرك كان يكلفهم غاليا؛ فقد أرادوا التحرك في 20 يناير 1933 وعند نقطة تسمى تيسمدومين، قتل لهم خمسة عشر جنديا، وقالت الوثائق الفرنسية معلقة على هذه المرحلة في هذه المنطقة: ((.. وإلى غاية 1936، بقينا نتعرض لهجمات الثوار من أيت خباش الذين بقوا دائما في رفض مطلق)).
الاستعداد لمعارك ساغرو
ونعود قليلا إلى الوراء، لنمسك خيوط ارتباط الجهاد المغربي ضد الاحتلال الفرنسي في واحد من أصعب الأقاليم المغربية جغرافيا، ومن أغناها طبيعة، المنطقة التي ينطبق عليها الشموخ قولا وفعلا، وتبقى، ولأجيال طويلة، نموذج الجهاد الإسلامي ضد الغزو المسيحي.
لقد عجز الفرنسيون عن وضع أقدامهم على مرتفعات الأطلس الكبير، وهم يعرفون من خلال الخرائط والصور المأخوذة بالطائرات، وعورة المنطقة، ويكتشفون من خلالها ظاهرة جدية، وهي أن القبر لا يمكن بالضرورة أن يكون حفرة؛ فقد كانوا موقنين بأن مرتفعات توبقال، دادس، وتنغير، ومنعرجات تودغا وقمم تيزي نتيشكا، ليست في الواقع إلا قبرا ستدفن فيه القوة الفرنسية إن هي تجرأت على المخاطرة بإلقائها على قمم تلك الجبال.
ولكن الفرنسيين كانوا أيضا يتوفرون على كنز سياسي نفيس، عبارة عن التقارير التي كتبها قبل ثلاثين سنة، العراف الفرنسي، القس شارل دوفوكو، الذي كان أول فرنسي دخل المنطقة مستخفيا في زي يهودي، ومعه اليهودي سرور، الذي قاده عبر جبال المنطقة ووديانها ليستقر بهما المقام في قرية قرب ورزازات، استقر بها الجاسوسان عدة سنوات لتحرير التقرير الذي كان يستخدمه الضباط الفرنسيون في تحركاتهم بالمنطقة كخريطة جغرافية.
ولم ير الفرنسيون بدا من استعمال المجندين المغاربة في احتلال تلك المناطق، وكانوا قد حولوا القائد التهامي الكلاوي وقبيلته الكبرى إلى سلاح فتاك في أيديهم، ووعدوه بتسليمه مقاليد المنطقة كلها إذا استطاع فتحها أمامهم، وذلك ما بدأ في تنفيذه ابتداء من يناير 1919، وكان الفرنسيون مرغمين على إمضاء هذه الصفقة، لتغطية عجزهم.
لقد حاول الجنرال بويميرو أن لا يترك هذا “الشرف” للكلاوي، وحاول دخول المنطقة، فتعرض الجنرال الكبير لهجومات عدة أصيب شخصيا بجراح بليغة في إحداها، ونقل إلى فرنسا، حيث خلفه الكولونيل ماياد، الذي ضرب له الكلاوي موعدا في دادس، وفعلا التقت هناك جيوشهما في نهاية يناير 1919.
وخاضت قوات الكلاوي التهامي والكولونيل ماياد، معارك طاحنة في المنطقة مع قبائل أيت عطا، لم تدم يوما ولا شهرا ولا سنة.. وإنما ثماني سنوات لم يقدم فيها الفرنسيون أسماء القتلى ولا أرقامهم، لأن الذين كانوا يموتون هم جنود الحاج التهامي الكلاوي، وهم مغاربة.. ولا داعي للاهتمام بكمّ القتلى المغاربة، ولا بكيفية قتلهم.
وإنما تفضلت الوثائق الفرنسية على مرتزقة الحاج التهامي الكلاوي بفقرة من سطر واحد، ذكرت فيها بالحرف ((إلا أن قوات الكلاوي غلبت على أمرها وغرقت رويدا رويدا، خصوصا مع بداية سنة 1927)).
وجاء المقيم العام، الجنرال سان، لتفقد أوضاع المنطقة التي هزمت الكلاوي، واضطر الفرنسيون للتدخل فيها بعد أن استأنسوا بها وفتحوا الطريق التي تسهل تحركهم، ووصل الجنرال سان إلى ورزازات يوم 7 جوان 1929 وفتح قيادة للجيش في قلعة مكونة، وكان مجاهدو أيت عطا متمركزين في بومالن دادس، فجاءت الطائرات لقنبلة المنطقة في 29 جوان 1929، وكانت إحدى تعليمات المقيم الجنرال سان بعدم الاعتماد على كلاوة، الذين أمر بتشتيتهم وتفريقهم كمجرد تابعين لقوات الكولونيل شاردون.
لقد هُزم الكلاوي سياسيا عندما هبت قبائل أيت عطا لاغتيال أعوانه الخونة، مثل عدي وخيي، رئيس فرقة من أيت عطا، واغتيل من طرف رجاله سنة 1927 لأنه تحالف مع الكلاوي.
ولكن ضربات أيت عطا كانت رهيبة ومخيفة للفرنسيين، خصوصا بعد أن طردوا الفرنسيين في 27 يناير 1931 من قلعة مكونة، ومن جبل ساغرو، الذي يبعد بثلاثين كيلومترا جنوب غرب قلعة مكونة.



