المنبر الحر

المنبر الحر | السردية المناخية.. تحولات الخطاب الإعلامي ما بعد COP30

بقلم: محمد التفراوتي
كاتب وناشط بيئي مغربي

  منذ اعتماد اتفاق باريس للمناخ سنة 2015، لم يعد التغير المناخي مجرد ملف تفاوضي يدار داخل أروقة الدبلوماسية متعددة الأطراف، بل تحول تدريجيا إلى قضية سردية كبرى، تتقاطع فيها السياسة بالعلم، والأخلاق بالإعلام، والمستقبل بالحاضر. لقد أصبح الإعلام، على امتداد هذا العقد، أحد الفاعلين الرئيسيين في إنتاج المعنى المناخي، لا بوصفه ناقلا للأحداث فحسب، بل باعتباره شريكا في إعادة تعريف طبيعة الأزمة وحدود المسؤولية الجماعية تجاهها.

شكل اتفاق باريس لحظة تأسيسية في الوعي المناخي العالمي؛ فقد روج له إعلاميا باعتباره انتصارا للتعددية الدولية، ودليلا على قدرة الإنسانية على التوافق أمام خطر كوني مشترك، غير أن الخطاب السائد آنذاك كان محكوما بمنطق التفاؤل السياسي، حيث طغت لغة الالتزامات والنيات الحسنة على لغة التحليل العلمي العميق، وبدا المناخ، في تلك المرحلة، قضية تدار من فوق، داخل قاعات التفاوض، بينما ظل المواطن، في كثير من السياقات، متلقيا سلبيا لسردية دبلوماسية لا تمس حياته اليومية بشكل مباشر.

تتمة المقال تحت الإعلان

غير أن هذا التوازن الخطابي لم يدم طويلا؛ فمع اتساع الفجوة بين الوعود المعلنة والتنفيذ الفعلي، بدأ الإعلام يعيد تموقعه، منتقلا من التركيز على المؤسسات إلى الإنصات لصوت الشارع، فبين عامي 2016 و2018، برزت الحركات الشبابية بوصفها فاعلا جديدا في المشهد المناخي، فارضة لغة احتجاجية وأخلاقية على التغطية الإعلامية، ولم يعد المناخ مسألة أرقام ونسب مئوية، بل قضية عدالة بين الأجيال، وحق في المستقبل. في هذه المرحلة، لعب الإعلام دور المضخم للغضب الأخلاقي، مستبدلا الحياد التقليدي بنبرة أكثر التزاما، وأكثر مساءلة للسلطة السياسية والاقتصادية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومع نهاية العقد الثاني من الألفية، دخل الخطاب المناخي مرحلة أكثر حدة: الكوارث الطبيعية المتلاحقة، من حرائق غير مسبوقة إلى موجات حر قاتلة وذوبان متسارع للجليد، فرضت مفهوم “الطوارئ المناخية” كإطار مرجعي جديد؛ تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لم تترك مجالا للالتباس؛ العالم يقترب من نقاط تحول لا رجعة فيها. هنا، لم يعد الإعلام يكتفي بالتحذير، بل بدأ يغير علاقته بالزمن، مقدما الأزمة المناخية بوصفها تهديدا حاضرا لا مؤجلا، ومسؤولية آنية لا مستقبلية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ثم جاءت جائحة “كوفيد 19” لتحدث قطيعة مؤقتة في الاهتمام الإعلامي بالمناخ، لكنها بمفارقة لافتة، كشفت هشاشة الأنظمة العالمية، وأظهرت مدى الترابط بين الأزمات الصحية والبيئية والاقتصادية، ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة العالمية سنة 2022، أعيد تسييس المناخ بشكل غير مسبوق، والتحول الطاقي لم يعد يطرح فقط كضرورة بيئية، بل كرهان جيوسياسي وأمني.

في هذا السياق، أعاد الإعلام صياغة خطابه، متأرجحا بين متطلبات الواقعية السياسية ومقتضيات العدالة المناخية، كاشفا التوتر العميق بين المصالح الآنية والالتزامات طويلة الأمد.

خلال السنوات التي سبقت مؤتمر بيليم (البرازيل)، تصاعد الحديث عن “تطبيع الكارثة”، حيث باتت أخبار الفيضانات والحرائق والجفاف تمر أحيانا دون الأثر الصادم الذي كانت تحدثه سابقا، غير أن هذا الإرهاق الخطابي تزامن مع صعود الإعلام الرقمي كفضاء بديل، أتاح للشباب والعلماء والشعوب الأصلية التعبير المباشر عن تجاربهم ورؤاهم. في المقابل، واجه هذا الفضاء تحديات جسيمة، من انتشار المعلومات المضللة إلى إعادة إنتاج خطاب “الغسل الأخضر” بصيغ جديدة.

في هذا السياق، اكتسب انعقاد قمة المناخ COP30 في بيليم، في قلب الأمازون، دلالة رمزية عميقة؛ فاختيار المكان لم يكن محايدا، بل رسالة سياسية وإعلامية مفادها أن الأزمة المناخية لم تعد تدار من مراكز القرار التقليدية فقط، بل من هوامش كانت مهمشة طويلا.

 للمرة الأولى، أصبحت الغابة، والتنوع البيولوجي، وحقوق الشعوب الأصلية، عناصر مركزية في السردية الإعلامية، ولم يعد السؤال المطروح هو كيف نخفض الانبعاثات فحسب، بل أي نموذج حضاري نريد، ومن سيدفع كلفة التحول، ومن سيترك خلفه ؟

خلال هذا العقد، تغيّر الخطاب الإعلامي المناخي على مستويات متعددة: انتقل التركيز من الدبلوماسية الدولية إلى التعبئة الشعبية، ثم إلى الجيو-سياسة، وصولا إلى العدالة المناخية بوصفها إطارا جامعا، وتحولت لغة الأمل التي وسمت باريس إلى لغة طوارئ في بيليم، وتطورت التغطية من نقل البيانات الرسمية إلى مساءلة “الغسل الأخضر” وكشف الفجوة بين الوعود والتمويل. والأهم، أن السردية المناخية لم تعد حكرا على الشمال العالمي، بل أصبحت أكثر تعددية، حاملة أصوات إفريقيا، والأمازون، وجزر المحيط الهادئ، وجنوب آسيا، باعتبارها فضاءات تعيش الأزمة لا بوصفها احتمالا، بل كواقع يومي.

مع اختتام قمة المناخ COP30، يتأكد أن الإعلام بات فاعلا أخلاقيا في معركة المناخ؛ فنجاح المسارات المناخية المقبلة، وعلى رأسها قمة المناخ المقبلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى