الحقيقة الضائعة | السلطان بين بيعة الأمة وبهتان الحماية
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 145"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان

أية غرابة في أن يقف السلطان عبد الحفيظ موقف الرفض والإنكار لباطل “الحماية” ونظامها البغيض، وهو الذي بايعته الأمة على لسان نخبتها الواعية وصفوتها المختارة، بيعة حرمة شريفة يمليها الإيمان القوي، والشعور القومي، والواجب الوطني، وهي التي ورد فيها كما ذكرنا سالفا: ((.. ويسعى جهده في رفع ما أضر بهم من الشروط الحادثة في الخزيرات (إشارة إلى المعاهدة الدولية كما تمت في مدينة الجزيرة الإسبانية سنة 1906)، حيث لم توافق الأمة عليها، ولا سلمتها، ولا رضيت بأمانة من كان يباشرها، ولا علم لها بتسليم شيء منها، وأن يعمل ما في وسعه لاسترجاع الجهات المأخوذة من الحدود المغربية، وأن يباشر إخراج الجيش المحتل من المدينتين اللتين احتل بهما وجدة والدار البيضاء، ويزين صحيفته الظاهرة بحسنة استخلاصهما، وأن يستخير الله في تطهير رعيته من دنس “الحماية الفردية”، والتنزيه من اتباع إشارة الأجانب في أمور الأمة لمحاشاة أمته الشريفة عن كل ما يخل بالحرمة، وإذا عرض ما يوجب المفاوضة مع الأجانب في أمور سلمية أو تجارية، فلا يبرم أمرا منها إلا بعد الصدح به للأمة.. حتى يقع الرضى منها بما لا يقدح في دينها، ولا في عوائدها، ولا في استقلال سلطانها، وأن يوجه وجهته الشريفة لاتخاذ وسائل الاستعداد للمدافعة عن البلاد، لأنها أهم ما تصرف فيه الذخائر والجبايات وأوجب ما يقوم به في البدايات والنهايات…)) انتهى كلام الوزاني.
ولما فرضت الحماية على المغرب قهرا، لم يكن قد مضى على هذه البيعة سوى أربع سنوات.
وقد جاءت معارضة البيعة لمعاهدة الجزيرة بالرغم من الأساس الذي ارتكزت عليه، وهو المبدأ الثلاثي: “سيادة السلطان واستقلاله”، و”وحدة التراب المغربي”، و”الحرية الاقتصادية بدون تمييز بين سائر الدول”، فاعتبرت البيعة هذا متناقضا مع النصوص الأخرى لتلك المعاهدة، وتغطية للتدخل الأجنبي.
وكانت المفاوضات بين الوزير المفوض الفرنسي رينيو وبين عبد الحفيظ، متأزمة إلى درجة غير منتظرة، وذلك لتصلب موقف السلطان وعرقلته لسيرها في الاتجاه المعروض عليه، وتروي “الوثائق السرية الرسمية الفرنسية”، أن مما صارح به السلطان مفاوضه في غضب واستنكار قوله: ((إنني سلطان الاستقلال، ولا يمكن أن أكون سلطان الحماية))، وقوله أيضا: ((إني أفضل التخلي عن الملك على التسليم لكم، الأمر الذي يجعلني في حكم التاريخ مسؤولا عن إدخال فرنسا إلى بلادي)).
يقول المؤلف الفرنسي وغستان برنارد في كتابه: “المغرب”: ((إن مولاي حفيظ كان عدوا لدودا لمعاهدة الحماية، ظل يحاربها حربا منظمة ويضع أمامها كل ما يستطيع من العقبات)).
وذلك ((لأن الأمة المغربية لم تر في هذه المعاهدة إلا وسيلة لإلغاء السلطة القومية الإسلامية والقضاء على نفوذ الإسلام)) كما يقول المؤلف لويس بارطوس في كتابه: “ليوطي والمغرب”.
ونقل القنصل العام الفرنسي بفاس، كايار، أنه بعد أن حاول عبد الحفيظ التنازل عن عناده وتصلبه، وتصميمه على التخلي عن العرش، تلقى منه هذا الجواب: ((لست ولا أريد أن أكون سلطان الحماية، إذ في هذا مخالفة لماضيّ كله، ولحاجتي إلى الحرية والاستقلال، ولا أستطيع أن أنسى، وكل شعبي يتذكر هذا، أنني إذا كنت اليوم سلطانا فلهذا السبب الواضح، وهو أني فرضت نفسي في مدينة مراكش كمدافع عن بلادي ضد كل تدخل أجنبي، فلست بقادر، من غير خيانة ضميري، على قبول والتماس نيّر قمت ضده في موقف استحققت من أجله العرش، فلا أريد أن أخون الثقة التي وضعها شعبي في نفسي، ومن جهة أخرى، لا أستطيع الاقتناع بقبول رقابة تحد من إرادتي، وتخضع أعمالي لمصادقتها وإقرارها. كلا، ليس هذا بممكن حقا، فلست بالرجل الذي يلزم بلعب دور سلطان الحماية، ومن العبث الإلحاح على هذا، فقراري غير قابل للتراجع)).
وفي 7 يوليوز، صرح السفير دوسان أولير، بأن الأزمة انفجرت بين عبد الحفيظ والإقامة العامة، وأنه أصر على رفض تنفيذ فصول معاهدة “الحماية”.
وهكذا رفض عبد الحفيظ كل تسليم واستسلام، وكل تعاون مع نظام الحماية، حتى أن ليوطي أعلن لحكومته في 11 يوليوز، أنه من المستحيل أن يضمن تعاونا من لدن سلطان ومخزن لا ينفذان التزاماتهما.
السياسي الوطني الكبير محمد بن الحسن الوزاني، البحاثة المتعمق الذي أمسك الخيوط من بداياتها عندما أصبح في فجر الحركة الوطنية كاتبا خاصا للرائد الفكري العربي شكيب أرسلان، كتب ما يثبت التشككات في صلاحية عقد الحماية، والريبة التي تلف غموضه، سقناه في فقرات سابقة، فترك في مذكراته استنتاجات حكمه على موضوع الحماية، وموقف المولى عبد الحفيظ منها، وأصدر حكمه المتطابق مع منطق هذا الفصل الذي لا يعتبر عقد الحماية إلا “حبرا على ورق”، وهذه هي استنتاجات المرحوم الوزاني: ((الجدير بالذكر، أن المصادر الرسمية الفرنسية تصرح بأن عبد الحفيظ اشترط أن يكون نص المعاهدة بالعربية وحدها، باعتبار أنه النص الرسمي الصحيح دون ترجمته الفرنسية التي نشرت المعاهدة بالعربية وحدها على يد الفرنسيين لا غير.
ولكن النص العربي نفسه ظل سرا مكتوما إلى وقتنا هذا، دون أن ينشر أو تنشر صورته، فتعذر الوقوف على الأصل العربي الموقع من السلطان دون سواه، ويحق لنا أن نتساءل: لماذا لم تنشر الحكومة الفرنسية النص العربي لرفع كل غموض والتباس، وتبديد كل شك وارتياب؟ فلا جدال أن في الأمر ما فيه، وليس السبب نسيانا أو إهمالا، فلو لم يكن فيه ما لا يرضي الحكومة الفرنسية، لأسرعت إلى نشره فور توقيعه إن كان قد وقع من عبد الحفيظ فعلا لا زعما وادعاء.
ولعل السبب، ولو وقع العقد حقا من لدن السلطان، يرجع إلى ما روجته بعض أمهات الصحف الألمانية في بحر سنة 1937، وكان له صدى في الصحافة الأوروبية عامة، والفرنسية خاصة، كما كان له وقع ودوي في المحافل السياسية والدبلوماسية في مختلف الدول، وهو أن السلطان السابق عبد الحفيظ المقيم يومئذ بمدينة إنكان ليبا، القريبة من باريس، إقامة إجبارية، كان يعتزم المطالبة بالعودة إلى عرشه في 30 مارس 1937، وهو الذي كانت ستنتهي فيه مدة المعاهدة، وهي خمسة وعشرون سنة، وأعجب ما في الأمر أنه لم تمض إلا فترة وجيزة، لا تتعدى بضعة أشهر، حتى فوجئنا كما فوجئ العالم، بوفاة السلطان مولاي عبد الحفيظ قبل حلول ذلك الأجل، فكانت الدهشة كبيرة، وذهبت في التعليق على النبأ المفجع مذاهب شتى)) (مذكرات “حياة وجهاد”، محمد بن الحسن الوزاني).
فهل من مزيد.. ؟
إن “الحماية الفرنسية” لم تكن إلا تغطية إعلامية لواقع استعماري غرر بالشعب المغربي في ظروف الفوضى والفتنة التي خلقها الفرنسيون لإغراق “عقد الجزيرة”، الذي ينص على الوصاية الدولية للمغرب، وإلغائه بعقد “الحماية” الذي لا مصداقية له على الإطلاق لدرجة أن السياسي المرحوم محمد بن الحسن الوزاني كتب في سنة 1955، رسالة إلى الملك المرحوم محمد الخامس، يطالبه فيها بمساءلة الفرنسيين عن وثيقة الحماية التي يطالب بإلغائها، جاء فيها: ((إنني حرصت على لفت نظر الحكومة المغربية الأولى في عهد الاستقلال، وذلك أثناء قيام وفدها بمهمة المفاوضات برئاسة محمد الخامس، إلا أنه كان من الضروري مطالبة الحكومة الفرنسية بإحضار النص العربي لتلك المعاهدة، التي هي على وشك الإلغاء، ليس من المعقول التفاوض في أمر مجهول الأصل والحقيقة، وكان هذا خلاصة الرسالة التي وجهتها إلى رئيس الحكومة مبارك البكاي ونحن في باريس، وقد اهتمت بها جميع الصحف الفرنسية فعلقت عليها بعناوين بارزة في صفحاتها الأولى، ومن المؤسف أن هذه المحاولة الوطنية والسياسية قد باءت بالفشل، لسبب غير معلوم، فضاعت معها حتى اليوم حقيقة تاريخية مغربية، كما ضاعت مع عبد الحفيظ يوم 13 أبريل 1937 وقتما غيب جثمانه في التراب بمقبرة مولاي عبد لله بفاس، وهكذا بقي الأصل العربي الرسمي لمعاهدة الحماية لغزا مغلقا، وحقيقة مختفية إلى أجل غير معلوم، ولصالح فرنسا التي خلصها “الموت الفجائي” لعبد الحفيظ من مطالبتها بحق عودته إلى العرش لو بقي على قيد الحياة)).
سياسي آخر عايش نفس الظروف عن كثب، وسجل نفس الغموض حول ما يسمى بـ”وثيقة الحماية”، الأستاذ الشيخ المكي الناصري، سجل في كتابه: “موقف الأمة المغربية من الحماية الفرنسية” (إصدار: دار الوحدة المغربية، تطوان سنة 1946)، وكتب ما يلي: ((ماذا وقّع جلالة السلطان عبد الحفيظ؟ هل وقع نفس النص الذي وضعته وزارة الخارجية الفرنسية ووافق عليه مجلس الوزراء وحمله رينيو من باريس إلى فاس دون زيادة ولا نقص، أم هل وقع نصا جديدا حاويا جميع الضمانات التي طالب بها ومحيطها بكل الملاحظات التي لاحظها على النص الأول؟ وهل وقع نص المعاهدة باللغة الفرنسية، أم وقع فقط ترجمتها العربية؟ وإذا كان قد وقع الترجمة العربية وحدها، فهل كانت ترجمة حرفية ملائمة للنص الفرنسي الأصلي لفظا ومعنى، أم كانت ترجمة مائعة الألفاظ مبهمة المعاني ؟)).



