المنبر الحر

المنبر الحر | سؤال النقد المؤسسي في المغرب.. لماذا الاهتمام المفرط بالرواية ؟

بنعيسى Benisa
بقلم: بنعيسى يوسفي

لا زال السؤال الكبير يطرح نفسه في الحقل الأدبي المغربي لحدود اليوم، وهو هل هناك نقد مؤسسي في المغرب؟ ولا زالت الإجابات عنه تتراوح بين من يقرُّ بذلك، وبين من يقول أننا لا زلنا بعيدين عن هذا المبتغى، وأن الأمر في حاجة إلى عمل كبير، هل هذه المدة الزمنية التي مرت منذ ظهور أولى بوادر النقد الأدبي في المغرب مع مطلع القرن العشرين وما تم تحقيقه والتراكمات التي حصلت في هذا الصدد، كافية بأن نقول أن هناك نقدا أدبيا حقيقيا ذا نكهة أو هوية مغربية – إن صح التعبير – آخذ في التطور والتبلور إلى حدود اليوم، أم أن ما نراه اليوم من نقد أدبي وإن كان بأقلام مغربية خالصة، فإنه تشتم منه رائحة التأثّر الكبير بالمشرق تارة وبالغرب تارة أخرى، على اعتبار أن المشرق، بشكل خاص مصر ولبنان، كان دائما هو السباق في استلهام والتعاطي مع التجارب والمناهج الغربية في هذا المجال الأدبي وحتى في باقي المجالات الفكرية الأخرى ويراكم في ذلك مادة أدبية كبيرة، وبعد ذلك يتسنى للمغرب الانخراط في هذه التجارب المشرقية والسير على نهجها؟ فلا زال هناك من يتحدث رغم تراجع مستويات النقد في المشرق نفسه، وعن تبعية المغرب له في انتظار أن يحقق استقلاليته في المستقبل، وإن كان من النقاد المغاربة من يرفض هذه الأحكام التي يعتبرونها مجرد انطباعات وأحكام قيمة تجاوزها الزمن، وتسير في تكريس عقدة الآخر أو تفوق الأجنبي، فلا مناص إذن من التخلص منها، لأنها تعتبر عنصر تشويش لا يسمح للتجربة النقدية المغربية بأن تستقيم وأن تنعم بالقوة اللازمة لتثبيت دعائم مدرسة نقدية مغربية مؤسّسة، وإن بعد مرور قرابة قرن من الزمن على أولى إرهاصات النقد الأدبي المغربي إلى اليوم، رغم بعض البياضات التي عرفها هذا المسار، والتي لا يشكك فيها أحد، هل يصح لنا أن نتحدث عن عدم وجود مدرسة نقدية مغربية حقيقية ؟

الواقع، إن كان من حق المهتم والمتتبع للسيرورة الأدبية والنقدية المغربية وما يعتمل فيها، أن يطرح من الأسئلة ما يراه مناسبا، وهل من حقه أن يتماهى مع الرأي والقناعة السائدة، أو له رأي مخالف، خاصة وأن الكثير من النقاد المغاربة تلمس في نبرة خطاباتهم أنهم لم يصلوا إلى الذروة وإلى القمة بعد، وأن المعمار والصرح لا زالت تنقصه بعض اللبنات حتى تكتمل صورته ويأخذ شكله النهائي، وأن ثمة أمور في هذا الحقل المتشعب لا زالت لم تتحقق بعد، ولكن رغم ذلك، تجد السواد الأعظم منهم في جواب عن السؤال الذي نثرناه في البداية، يجازف بالقول أنه يجوز لنا الحديث دون غضاضة عن وجود نقد أدبي مؤسسي في المغرب مكتمل الأركان، وتمظهراته لا تخطئها العين، وتتجلى في مجموعات البحث التي تشتغل بالجامعات ضمن حقول معرفية، حددته كل مجموعة على حدة، وإن كانت تشتبك فيما بينها على مستوى الخلفية والأفق، نذكر هنا: اشتغال مجموعة بحثية نقدية على الصورة الأدبية في شفشاون، رغم أن هذه المدينة لا تتوفر على كلية؛ في فاس ومكناس بما هما قطبان متكاملان على عدة أصعدة، حيث الاشتغال على قيمة “موضوعة الجسد وتجلياتها في النصوص الأدبية مغربيا”؛ في الرباط والدار البيضاء حيث هيمنة أطروحة الخطاب السردي، وذلك بتوفرهما على مختبر للسرديات يُعنى بذلك؛ في أكادير، هناك الأدب الشخصي، فضلا عن مجموعة البحث في القصة القصيرة، ومجموعة البحث في الأدب الحديث، وقس على ذلك جميع الكتابات النقدية الفردية  التي يكون من ورائها نقاد كبار، صار النقد عندهم “حرفة وصنعة” دون غيرها، قانتين في محرابه، كالعوفي ويقطين وعقار وغيرهم كثير.. وإذا كانت الأمور تبدو بهذا الشكل، ويمكن الاطمئنان إليها، فما سمات ومواصفات هذه الممارسة النقدية، أو التجارب البحثية في مجال قراءة النصوص الأدبية، رواية وقصة بالتحديد؟ ما سر إقبال النقد المغربي على الرواية والمدونة السردية عامة، هل لأن الزمن زمن الرواية بدون منازع، وديوان العرب لم يعد الشعر، بل القص والحكي والرواية، أم هناك شيء آخر؟

تتمة المقال تحت الإعلان

إنه رغم هذا الاهتمام الكبير وغير المسبوق للنقاد المغاربة بالمتن السردي والتركيز عليه، وإهمال باقي الأجناس الأدبية الأخرى، بمبرر أو بدونه، تبقى هناك العديد من الأسئلة عالقة تحتاج إلى أجوبة، وهي تتعلق بالدرجة الأولى بمدى نجاح هذا الاهتمام المبالغ فيه بالسرد وهل أعطى ما كان منتظرا منه، ثم ما مدى نجاح أيضا كل المقاربات النقدية (النقد الجديد، الظاهرتي، الموضوعاتي، التفكيكي، السيميائي، الشكلاني..) التي يعتمد عليها هؤلاء النقاد في كتاباتهم النقدية عامة، وفي قراءة النص الروائي أو النص الشعري على قلتها في المقام الثاني؟ ما مدى إقناعها للمتلقي وحمله على اقتناء الكتاب؟ وما منسوب جرأة نقادنا وهم يتناولون بالقراءة وبالدرس والغوص في ثنايا هذا المتن السردي، أو هذا النص الشعري أو غيرهما، في قول الحق والصدح بالرأي، أي في إحقاق معنى النقد والمقاربة الواصفة، مما يعني فرز الغث من السمين، وتقويم عمل أدبي بعد تقييمه والجهر بالحقيقة، بما يفيد التنويه بهذا وإبراز مكامن ضعف وتهافت ذاك، بشكل موضوعي ومحايد ومنصف ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

قد يكون هذا الاهتمام النقدي بالرواية في المغرب عملا محمودا، وهو لا يختلف كثيرا عما يقع في العالم، وقد يتحقق بفضله تراكم كمي ونوعي، وهذا أمر مرغوب فيه، لكن نخشى أن يشكل ذلك من منظور الآخر الذي يترصدنا تقليلا من شأن النقد المغربي مقارنة مع النقد في باقي البلدان العربية على الأقل، وأن النقد الذي يهتم بمجال أدبي دون غيره، قد لا يمكن تصنيفه نقدا حقيقيا ومؤسسا، وهنا نجد أنفسنا أمام إشكال أو ورطة، كيف السبيل للتخلص منها؟ والواقع يجب الالتفات إلى هذه الإشكالية، ومحاولة إيجاد التوازن بين الأجناس الأدبية كلها، لأن عدم الاهتمام النقدي بهذا المجال الأدبي أو ذاك، هو أولا فتح باب الفوضى وترك المجال مواربا لمن هب ودب للدخول إلى عالم الأدب والخوض فيه وهو غير مسلح بالحد الأدنى من أدوات الكتابة الأدبية، ثم ثانيا هو إعلان تدريجي عن موت هذا الجنس الأدبي المهمل نقديا، وحكم عليه بالإعدام. وهذا له تأثير مباشر على المنظومة الأدبية برمتها التي لا يمكن أن تحيا مبتورة الأطراف، فالنقد الأدبي في النهاية ما هو إلا آلة لتنقية الساحة الأدبية من الشوائب ومن الطفيليات، ومن أشباه الأدباء، الذين لا ترصدهم أعين النقاد فيعيثون في هذا الحقل فسادا.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى