المنبر الحر | الأوراش الكبرى للدولة وحكامة المقاولات العمومية..


تشكل حكامة المقاولات العمومية اليوم إحدى أهم القضايا القانونية والإدارية التي تستأثر باهتمام المشرع وصانع القرار، بالنظر إلى الدور الاستراتيجي الذي تضطلع به هذه المؤسسات في تنفيذ السياسات العمومية، وتدبير الاستثمارات الكبرى، وضمان استمرارية المرافق العمومية ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي، وقد أبانت التحولات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية عن محدودية المقاربات التقليدية في تدبير هذا القطاع، الأمر الذي فرض مراجعة شاملة للإطار القانوني والمؤسساتي بما ينسجم مع متطلبات النجاعة والشفافية والتنافسية.
ولذلك، جاء النموذج التنموي الجديد سنة 2021 ليجعل إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية أحد الأوراش الهيكلية الكبرى للدولة، انطلاقا من تشخيص دقيق كشف عن تعدد المتدخلين، وتداخل الاختصاصات، وضعف الالتقائية، وغياب ثقافة التقييم وربط الاعتمادات بالنتائج، وخلص التقرير إلى أن تحديث هذا القطاع يمر عبر إرساء حكامة جديدة قائمة على النجاعة، والتعاقد، والتقييم المستمر، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يجعل المقاولة العمومية أداة لإنتاج القيمة المضافة لا مجرد جهاز لتدبير الاعتمادات المالية.
وفي السياق ذاته، عزز القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، هذا التوجه، من خلال إرساء قواعد جديدة لإعادة هيكلة القطاع، وترشيد محفظة الدولة، وتعزيز الأداء الاستراتيجي للمؤسسات العمومية، بينما جاء القانون رقم 82.20 بإحداث الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، بهدف الانتقال من منطق التدبير الإداري المباشر إلى منطق القيادة الاستراتيجية المبنية على مؤشرات الأداء والحكامة.
ويكتمل هذا البناء التشريعي بمرسوم الصفقات العمومية الصادر في 8 مارس 2023، الذي يمثل نقلة نوعية في تنظيم الطلب العمومي، بعدما كرس مبادئ الشفافية، وحرية الولوج إلى الطلبيات العمومية، والمساواة بين المتنافسين، والمنافسة المشروعة، مع تبسيط المساطر، وتعميم الرقمنة، وتطوير آليات التدبير الإلكتروني للصفقات، كما منح لبعض المؤسسات والمقاولات العمومية إمكانية اعتماد أنظمة خاصة تراعي طبيعة أنشطتها الاقتصادية، وهو توجه يروم تحقيق السرعة والمرونة والفعالية في الإنجاز، دون الإخلال بالمبادئ المؤطرة لتدبير المال العام.
غير أن منح الاستقلالية في تدبير الأنظمة الخاصة لا يمكن أن يفهم باعتباره استثناءً من قواعد الحكامة، لأن الاستقلال الإداري والتعاقدي يظل استقلالا وظيفيا، يمارس في إطار الشرعية القانونية، وتحت رقابة المؤسسات الدستورية والمالية، فالغاية من الأنظمة الخاصة تتمثل في تجاوز البطء الإداري وتحسين الأداء، وليس خلق فضاءات معزولة عن الرقابة أو الحد من ضمانات المنافسة والشفافية.
كما أن دستور 2011 أرسى منظومة متكاملة للحكامة الجيدة، تقوم على مبادئ الشفافية، والمساءلة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحسن تدبير المال العام، وهي مبادئ أصبحت معيارا لقياس مشروعية وفعالية كل إصلاح تشريعي أو مؤسساتي، ومن ثم، فإن نجاح استقلال المقاولات العمومية يقاس بمدى احترامها لهذه المبادئ، وليس بحجم السلطة التقديرية التي تتمتع بها.
ومن جهة أخرى، أصبح التحول الرقمي أحد أهم مرتكزات الحكامة الحديثة، بعدما انتقلت الإدارة العمومية من منطق الوثيقة الورقية إلى منطق المنصة الرقمية، ومن الرقابة اللاحقة إلى التتبع الإلكتروني الفوري، وقد ساهمت الرقمنة في تعزيز شفافية الصفقات العمومية، وتقليص آجال الإنجاز، وتوحيد المساطر، وتحسين الولوج إلى المعلومة، بما ينسجم مع فلسفة مرسوم 8 مارس 2023.
ولم يعد الذكاء الاصطناعي بدوره مجرد أداة تقنية، بل تحول إلى عنصر أساسي في تدبير المرفق العمومي الاقتصادي، من خلال تحليل قواعد البيانات، واستشراف المخاطر، وتقييم العروض، وقياس مؤشرات الأداء، وتتبع تنفيذ المشاريع، وترشيد النفقات العمومية. غير أن اعتماد هذه التقنيات يقتضي في المقابل تطوير الإطار القانوني المنظم لها، بما يضمن حماية المعطيات، وشفافية الخوارزميات، واحترام مبادئ المساواة وعدم التمييز.
وفي الوقت نفسه، أصبحت التنمية المستدامة جزءً من مفهوم الحكامة العمومية، حيث أضحى لزاما على المقاولات العمومية إدماج البعد البيئي والاجتماعي في سياساتها الاستثمارية وصفقاتها العمومية، انسجاما مع الالتزامات الدستورية والدولية للمغرب؛ فالمردودية الاقتصادية لم تعد معيارا وحيدا لقياس الأداء، وإنما أضيفت إليها مؤشرات الاستدامة، والنجاعة البيئية، وترشيد الموارد، والاقتصاد الأخضر.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتمثل في توسيع استقلال المقاولات العمومية أو تضييقه، وإنما في بناء توازن مؤسساتي يجعل الاستقلال وسيلة لتحقيق النجاعة الاقتصادية والتنافسية، ويجعل الحكامة الإطار الضامن لحماية المال العام وتحقيق المصلحة العامة، فكل إصلاح لا يوفق بين المرونة والرقابة، وبين الأداء والشفافية، وبين الرقمنة والمساءلة، يظل إصلاحا ناقص الأثر، مهما بلغت جودة نصوصه القانونية.
ومن ثم، فإن مستقبل المقاولات العمومية بالمغرب يرتبط بقدرتها على استيعاب التحولات الرقمية، وتفعيل مبادئ الحكامة، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتبني الصفقات العمومية المستدامة، وتنزيل مقتضيات القانون الإطار رقم 50.21، والقانون رقم 82.20، ومرسوم الصفقات العمومية لسنة 2023، بما يجعلها مؤسسات عمومية حديثة، قادرة على تحقيق النجاعة الاقتصادية، وتعزيز التنافسية، وترسيخ الثقة في التدبير العمومي، والمساهمة الفعلية في تنزيل أهداف النموذج التنموي الجديد.



