الحقيقة الضائعة | المؤامرات ضد السلطان بين قبائل زعير وفاس
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 129"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان

لقد ارتسمت المعالم الأولى للمؤامرة في أذهان المتناورين الفرنسيين عندما تعدت الفتن الإطار المرسوم لها، وبدل أن توجه قبائل زعير بنادقها إلى صدور الجيش السلطاني، وجهتها إلى صدور الجيش الفرنسي.
وبدأ هذا التحول مع بداية سنة 1911، في شهر يناير، واضطر الفرنسيون لضرب قبائل زعير باسم حق المتابعة والبحث عن قطاع الطرق، وكانت هذه المهمة من حظ القبطان نانسي، الذي صدرت إليه الأوامر بضرب قبائل زعير.
وفي مغشوش، حصلت مجزرة رهيبة في جنود القبطان نانسي، حيث قتل العشرات منهم، وقتل له نائباه، وهما ضابطان، بينما اضطر هو إلى الهرب عند قبيلة كانت بدورها ثائرة على السلطان، وبحكم صلتها بالجيش الفرنسي اضطرت لحماية القبطان نانسي، وهي قبيلة أولاد دحو، حيث تولى قائدها نقل الضباط والجنود الفرنسيين الهاربين حتى إلى إقليم سطات.
وهكذا افتضح جانب من المخطط الفرنسي، مما دعا الزعيم البوعزاوي إلى الخروج من حيرته وتوزيع المناشير في تادلة، والشاوية، وبني مسكين، والرحامنة، يدعو القبائل إلى الجهاد ضد العدو الحقيقي، وهو الاحتلال الأجنبي.
لكن أين هو التكافؤ بين قوة الزعيم البوعزاوي وبين فرنسا التي حصلت على دعم ومساندة أعظم دولتين دعوا لها بالتوفيق في احتلال المغرب والتهام خيراته.. هاتان الدولتان هما روسيا وبريطانيا ؟
ونظرا لما لهذا الدعم من طرف روسيا القيصرية ضد السيادة المغربية، فلنراجع معا نشرة الوثائق الدبلوماسية الفرنسية، السلسلة الثانية – الجزء 13 عدد 279، وقد سجلت بالحرف: ((في 30 أبريل، عرض السفير الفرنسي في سانت بيترسبورغ (عاصمة روسيا التي أصبحت اليوم تسمى لينينغراد)، على وزارة الخارجية الروسية الموقف في المغرب وقرارات الحكومة الفرنسية بهذا الصدد، وقد أجاب وكيل وزارة الخارجية الروسية بأن هذا الأمر بديهي، فعلى الدولتين (فرنسا وبريطانيا) أن تتبادلا المعونة في كل المسائل، وخاصة فيما يتعلق بألمانيا، وفي 4 مايو، أبلغ مستشار السفارة الروسية في برلين، أن عملية احتلال فاس لن تطول، وأن روسيا تعتبر سلوك فرنسا طبيعيا)).
هذا ما سجلته الوثائق الدبلوماسية الفرنسية عن مساندة روسيا لها في تضييق الخناق على المولى عبد الحفيظ، بينما أخرج السلطان عبد الحفيظ ورقة جديدة احتفظ بها طويلا، وهي تشكيل جيش جديد بقيادة أخيه المولى يوسف، هذا الأمير الذي كان في شبابه فارسا مغوارا لا ينزل من على ظهر جواده إلا نادرا، كما يؤكد ذلك كتاب “أربعة قرون من تاريخ المغرب” للمؤلف مارتان، وكان دور هذه الفرقة أقرب ما يكون إلى الشرطة التي تفرض النظام.
وكان للانتصار الذي حققه المولى يوسف في مهمته الأمنية، أثر بالغ على القبائل التي سارعت للامتثال للأوامر وأداء الضرائب.. وهكذا عم النظام قبائل الشراردة، وبني حسن، والحياينة، وبذلك أصبح المولى يوسف سيد الموقف في المنطقة الشرقية، وكذا في الغرب، والحوز، وأصبحت قوة وشعبية المولى يوسف بارزة، مما جعل المولى عبد الحفيظ يصدر قرارا بتعيينه خليفة له في فاس، عازما على التفرغ إلى فرض النظام في الجنوب، والاتجاه إلى مراكش التي عرفته مجاهدا وعرفها معقل الجهاد.
هنا أخذت المؤامرة الحتمية في عقول المتناورين شكلها الإيجابي..
فمولاي يوسف في الشمال ومولاي حفيظ في الجنوب.. مخطط جديد سيجعل كل برامج المحتلين تعود إلى نقطتها الأولى.
والفرنسيون الذين كانوا ينتظرون بين الفينة والأخرى أن يسقط السلطان في حبائل الضعف والعجز والاستسلام، لن يسمحوا له بالتوجه إلى مراكش لربط الاتصال بالقبائل، وتناسى كل عوامل الضعف الذي أصبح يخامره.
وتم الشروع في تنفيذ المؤامرة.. لقد دخل مجهولون على السلطان بعد أن نصب أخاه مولاي يوسف، وأخبروه بأن علماء فاس يدبرون مؤامرة لضرب القصر السلطاني بالمدافع، وصدق السلطان الخبر، وسارع إلى تحصين أسوار قصره، وسارع إلى إعلان تأخير سفره إلى مراكش نظرا لرداءة أحوال الطقس، وكان الشهر شهر يناير من سنة 1911.
وفي نفس الأثناء، دخل عليه المخبرون العاديون وأكدوا له أن المؤامرة ستتم بمساعدة بعض جنوده، فاعتقل بعض الجنود وأعدمهم، مما أثار احتجاج العلماء، وغضب الناس، فبدلا من أن يضرب جنود الأعداء.. ها هو يعدم جنوده، وفي 15 مارس 1911، حاصرت قبائل بني مطير مدينة فاس، فاحتار المولى عبد الحفيظ، هل المؤامرة من طرف بني مطير، أم من طرف علماء فاس؟ إلا أن قبائل بني مطير أكدت أنها لم تكن تنوي مهاجمة السلطان، حيث بعثت وفدا إلى القصر استقبله المتوكي، وزير الشكايات، وقدموا له شكاياتهم.
وفهم السلطان أن الأمر مجرد مناورة، وأن الذين بلغوه بهجوم بني مطير كانوا يكذبون عليه، وكانت هي الحقيقة، وإنما كان المخطط هو الكذب على السلطان لاستعجال انهياره.. إلا أن السلطان عندما فطن لهذه الحقيقة ودعا بني مطير إلى استقباله رسميا يوم 21 مارس، فوجئ بالقنابل تنزل على قصره والمظاهرات تملأ شوارع مدينة فاس.
وعندما نزلت القنابل الأولى على جدران القصر، لم يجد المولى عبد الحفيظ بدا من استدعاء الكومندان مونجان، قائد الحامية الفرنسية في فاس، طالبا نجدته، وتم تعيين القبطان بريمون قائدا للحرس السلطاني، وبذلك حقق الفرنسيون الانتصار في المعركة السياسية الأولى.
ويعلم الله وحده أسرار حادثة من الأهمية بمكان حصلت في تلك الأثناء.. فعندما استلم الضباط الفرنسيون مهامهم في البلاط السلطاني، حصل واحد من حادثين، إما أنهم اعتبروا مهمتهم قد نجحت، فأوقفوا مخطط المؤامرة، وإما أن الظروف هيأت لهم مزيدا من ثقة السلطان.
المهم، أن مدينة فاس اهتزت في إحدى الليالي التي أعقبت قنبلة القصر بانفجارات مروعة هزت المدينة وكأنها الزلزال.. لقد تطايرت في الأجواء شظايا وجنبات بيت أحد أعيان فاس، وهو بنيس، واستمرت الانفجارات مدة طويلة كانت تتزايد مع مرور الدقائق.
وسارع الفرنسيون والمغاربة إلى البيت المتفجر، بيت بنيس، فلم يجدوا له أثرا، لقد كان مشحونا بالقنابل والأسلحة والرصاص والمتفجرات التي لم يكن أحد يظن أنها متواجدة في تلك الدار العريقة، الدار التي خرجت منها حركة معارضة السلطان الحسن الأول.. فمن فجرها؟ ولمن كانت تلك الترسانة من الأسلحة محضرة، هل لقصف القصر السلطاني، أم أن الفرنسيين هم الذين فجروها للتخلص منها بعد أن كانوا على علم بتواجدها ؟
المهم، أن انفجار دار بنيس وما أسفر عنه البحث.. كان كافيا لأن يزيد المولى عبد الحفيظ استسلاما للفرنسيين.
والأهم أن المؤامرة كانت حقا متواجدة..
وإن البحث الذي جرى، أكد أن القنابل المتفجرة كانت من صنف القنابل التي ضربت جدران قصر السلطان يوم 21 مارس، وأنه تم إفشالها إما بأيد خفية من طرف الفرنسيين، وإما بأيدي القدر.
وبعد أربع سنوات من الكفاح المرير ضد الاحتلال الفرنسي، وجد المولى عبد الحفيظ نفسه محاصرا في قصره تحت حماية الفرنسيين، الذين كان يسعى إلى طردهم.. فيا للمرارة.



