حين تسقط الجدران.. تسقط وعود التهيئة في الصويرة

حفيظ صادق. الصويرة
في قلب المدينة العتيقة بالصويرة، حيث تتداخل الأزقة الضيقة مع عبق التاريخ، وفي زنقة الموحدين المعروفة بين الأهالي بـ”درب عبو الكزار”، دوّى مؤخرا صوت سقوط مفاجئ هز جدران الصمت التي لفت لسنوات مشاريع التأهيل والترميم.. أجزاء من جدار أحد المنازل القديمة انهارت دون سابق إنذار، مخلفة وراءها موجة من الخوف في صفوف السكان، وموجة أخرى من الأسئلة حول حقيقة ما يحدث وراء لافتات “إعادة التأهيل” التي تزين مداخل الأحياء القديمة.
فالمنطقة التي وقع فيها الحادث هي من بين النقاط التي شملتها مشاريع تأهيل النسيج العتيق، وهي برامج حكومية وبلدية ضخمة رُصدت لها ميزانيات بالمليارات، وشُرعت فيها بهدف الحفاظ على التراث المعماري وضمان سلامة القاطنين، غير أن هذا الانهيار المفاجئ يعيد إلى الواجهة إشكالية تنفيذ تلك الأشغال، ومدى التزام المقاولين بالمعايير التقنية والهندسية المطلوبة، ويقول أحد سكان الزنقة: “كنا نعتقد أن التهيئة التي تمت قبل خمس سنوات ستعطي حينا نفسا جديدا، لكنها لم تكن سوى طبقة طلاء على جدران مهترئة.. لم يتم تدعيم الأساسات، ولم تُعالج الرطوبة ولا التشققات العميقة. كانوا يشتغلون بسرعة وكأن الهدف كان فقط إنهاء المشروع في وقته، وليس إنجازه بجودة”.
وما يفاقم شعور الغبن لدى الساكنة، هو تضارب المعطيات حول كلفة المشاريع المنجزة وجودتها، فبينما تشير بلاغات رسمية إلى صرف مبالغ ضخمة في إطار برامج ترميم المدينة العتيقة، لا تزال العديد من البنايات تُظهر علامات الوهن، بل إن بعضها يبدو وكأنه لم يُمس إطلاقا.
في هذا السياق، يطالب فاعلون جمعويون ومهندسون معماريون، بفتح تحقيق نزيه وشامل، يتتبع مسار هذه المشاريع من مرحلة الإعداد إلى التنفيذ، مع تحديد المسؤوليات بوضوح، لأن المدينة العتيقة للصويرة ليست فقط مساكن متهالكة، بل ذاكرة جماعية حية تختزن قرونا من التاريخ والعمران والعيش المشترك، وأي تدخل غير مسؤول فيها لا يُهدد فقط المباني، بل يُقوّض هوية بكاملها، ومع ذلك، ما زالت بعض التدخلات تُنفذ بمنطق “الترقيع” لا “الترميم”، ما يجعل كل جدار وكل سقف عرضة للانهيار في أي لحظة، فحين تسقط الجدران، لا تسقط فقط الأحجار، بل يسقط معها الإحساس بالأمان، والثقة في المؤسسات، وكرامة سكان كانوا يحلمون بمستقبل أفضل في بيوت ترمم ماضيهم دون أن تهدد حاضرهم.



