الحقيقة الضائعة | “فرقة الخوف”.. معركة 21 جوان 1910 بالشاوية
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 77"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان

أصدر الجنرال موانيي أوامره إلى مساعديه، ووضع التوقيت للخطة، وحضر لها كل أساليب النجاح، واختار فرقة من ألفي رجل مؤطرة ومجهزة خرجت من ابن أحمد يوم 18 جوان 1910 في اتجاه بني موسى، وحيث أنها كانت مرغمة على المرور في طريقها عبر قصبة تادلة، فقد أصدر الجنرال أمره باحتلال القصبة والسير لتنفيذ مهمتها.
واختار فرقة ثانية مكونة من ألف جندي، خرجت من سطات في اتجاه البروج للإحاطة بقوافل ماء العينين من الجهة الأخرى، وتكوين كماشة مع الفرقة الأولى للقضاء نهائيا على الجيوش الصحراوية والشنقيطية.
لكن الرياح لم تسر بما تشتهيه سفن الجنرال موانيي.. فقد وصلت الفرقة الفرنسية الأولى التي خرجت من ابن أحمد إلى ورديغة، ثم تادلة، حيث احتلت قصبة تادلة كما كان مقررا يوم 20 جوان 1910، واعترض طريقها في قصبة الزيدانية، جيش عرمرم من قبائل بني عمير وكان عددهم يقدر بخمسة آلاف مجاهد، اشتبكوا مع الجيش الفرنسي يوم 21 جوان 1910، إذ كانت قوافل الشيخ ماء العينين قد وصلت قبل وصول الجيش الفرنسي وشاركت مع بني عمير في المعركة التي قتل فيها من الجنود الفرنسيين عدد كبير.
أما الفرقة الثانية، التي خرجت من سطات وكانت تنتظر عند المحل المحدد، فقد شهدت المعركة من بعيد وأرعبتها ضخامة الجيش المشترك الصحراوي والعميري، فلم تطلق رصاصة واحدة.
وهكذا أطلق على الفرقة الثانية في سجلات القيادة العسكرية الفرنسية اسم “فرقة الخوف”، وهي تسمية بقيت مرتبطة بهذه المعركة في تاريخ الجيش الفرنسي.
وكانت باريس تتبع الأحداث باهتمام بالغ، ووصلتها الأخبار عن هزيمة الجيش الفرنسي الثانية في معركة بني موسى وعن هروب الفرقة الثانية وتسميتها بـ”فرقة الخوف”، وعدم اغتيال الشيخ ماء العينين، وعدم القضاء على الجيش الصحراوي.. فصدر الأمر بتوقيف المسؤول الأول، الجنرال موانيي.
بينما استفادت فرنسا فائدة واحدة، هي احتلال قصبة تادلة، فسارعت بإرسال ضباط جدد وعلماء وخبراء، أمثال جاك لويس جانتي، والعالم فيزبيرغر، الذين كان يهمهم بالدرجة الأولى دراسة معنوية هذه المناطق وسر بطولاتها، والبحث عن الصلات الإنسانية بين سكان الصحراء والحوز وسوس، ودراسة غور هذا الشعب الثائر والعلاقات بين عناصره.
ولا يدري أحد هل هي نشوة الانتصار، أم هزة عنف المعركة هي التي أثرت على المجاهد الكبير الشيخ ماء العينين، الذي لم يسقط في الفخ الفرنسي، وإنما سقط في كف القدر؟
فقد شعر بانهيار في صحته في الأيام الأخيرة من شهر جوان 1910، نقل بعدها باستعجال إلى تزنيت التي ما إن استقر بها بضعة أيام حتى أسلم روحه الطاهرة لباريها، ولم يمت كما كان يتمنى بعد أن يعود بجيوش وعتاد السلطان لينتقم من غزو الكولونيل ݣورو لمناطق الصحراء وشنقيط، لكن إذا مات الشيخ ماء العينين فإن رسالته بقيت مقدسة من طرف أتباعه وأبنائه.. ومات الرجل وبقيت القضية.
لقد كانت الحكومة الفرنسية تستهدف من عملية القضاء على قافلة الشيخ ماء العينين، بتر الصلة بين شمال المغرب وجنوبه، وضمان حرية التصرف في شنقيط، إذ لو لم يكن للشيخ نفوذ كبير في شنقيط لتركته فرنسا وجها لوجه مع إسبانيا في الساقية الحمراء.
بينما كانت حركة الشيخ ماء العينين أكبر من شنقيط والصحراء، بل كانت حركة وطنية تعيش كالسمكة في الماء، وكان موت الشيخ ماء العينين في جوان 1910 صدمة كبرى لسكان المغرب كله، سواء سكان الصحراء الشرقية أو الغربية أو الأطلس أو الريف.
لكنه كان كالشمعة تحترق لتنير طريق الآخرين..
وعند موته، كانت معالم الطريق واضحة، وعندما استلم أبناؤه مقاليد خلافته، كان الطريق واضحا والاختيار جليا.
إن الاستعمار الفرنسي والإسباني يريد محو أثار الصلات بين أطراف المملكة وخلق مناطق نفوذ مختلفة التسميات، وهذا ما كان يحاربه الشيخ ماء العينين، فيجب إذن قلب الأوضاع وفرض الوحدة الترابية المغربية في ميدان المعركة، بينما سقط الفرنسيون والإسبان في فخ الجهل بهذه الحقائق، وظنوا أن مشكلة الصحراء قد انتهت.
الصحراويون والشنقيطيون يتحدون الحماية
كانت فرنسا في شهر مارس 1912 قد فرضت سيطرتها العسكرية على المغرب، وأنجزت المخطط الاستعماري بتقسيم المغرب كما رسمته أيدي الخبراء العسكريين:
– الصحراء الشرقية لفرنسا؛ – الصحراء الغربية لإسبانيا؛ – شنقيط لفرنسا؛ – شمال المغرب لإسبانيا؛
– ما بين الصحراء وحدود الشمال لفرنسا؛ – طنجة للحكم الدولي.
وأطلق الجنرال ليوطي من أعماق صدره آهة الارتياح.
إن السلطان الآن مرغم على إمضاء العقد، عقد الحماية، وإن لم يمض فسيمضيه أي سلطان آخر.
وكان الضباط الفرنسيون يؤكدون في كل تقاريرهم، أن آخر معاقل المقاومة تسلم آخر أنفاسها.
وفي 30 مارس 1912، لم يعكر الصفو الفرنسي انتشار وباء الطاعون في دكالة، وقد كان ما حدث بها من مجازر ومعارك وما يطبق آفاقها من جثث متعفنة وضحايا وأشلاء، كافيا لأن ينشر وباء آخر أخطر من الطاعون.
ولو لم يكن للفرنسيين تواجد بدكالة، لتركوا الداء يفتك بمن بقي من السكان، ولكن الرعايا الفرنسيين وجنود الاحتلال مهددون هم أيضا بالوباء، لذلك جاء أطباء فرنسيون محروسون بفيالق من الجنود لمزاولة عمليات الإنقاذ والمعالجة.
ودون هذا، لم يكن هناك شيء يذكر، لكن شيوع خبر إمضاء عقد الحماية كان مثل عود الثقاب المشتعل يرمى فوق كوم من التبن في شهر غشت.
وسمع الفرنسيون عن اندلاع الثورة في سوس مثلما اندلعت في فاس، وأخرجوا من رفوف مكاتبهم نفس المخطط لمواجهة نفس الثورات.
الفيضان قادم من الصحراء
إلا أن حادثا جديدا لم يكن لهم بالحسبان، جعل الحكومة الفرنسية تكتشف هول غلطتها.
إن ماء العينين قد بعث من جديد، واسمه هذه المرة أحمد الهيبة ابن ماء العينين، أما مناطق تحركاته، فهي كل المغرب الجنوبي والشرقي.
وعادت المتاعب من جديد بالنسبة للجيش الفرنسي والحكومة الفرنسية.. متاعب كان العصب الذي يهتز لها هو الجنرال ليوطي، الذي كتب لصديقه بول ديشانيل رسالته المؤرخة بـ 12 غشت 1912، أبلغ مما لو كتبت بالدموع.
يقول الجنرال ليوطي، الرجل القوي صاحب الماضي العسكري الرهيب ورجل المعارك الكبرى في الجزائر والفتنام: ((لقد قضيت أقسى شهر في حياتي، فبعد وصول الهيبة ابن ماء العينين إلى مراكش، انفجر المغرب عموما في مجهود من الشمال إلى الجنوب، حتى أصبحت أخاف الانهيار، لقد شعرت بأن حصوننا أصبحت على بعد أصبعين من السقوط، ومن جميع الجهات تصلني الصرخات من أحسن ضباطي، ﯕورو، دالبييز، بلوندال، كلهم ينادون: أغيثونا إننا في النفس الأخير، ولا أستطيع إجابتهم، بل إني كنت مضطرا لأستغيث بهم وأسحب منهم رجالهم لإقامة حصن ضد هذا التيار القادم من الجنوب)).
والتيار كان قادما من الصحراء، والرسالة ليست سرية ولا تنقص من قيمة ليوطي، وإنما تزيد من عظمة المجاهدين المغاربة، لكن الفرنسيين احتفظوا بهذه الرسالة ولم ينشروها إلا سنة 1980، في إطار كتاب بعنوان “ليوطي المجهول”، لكن المجهول عندما كتب ليوطي رسالته كان هو مصير المغرب.



