تحليل إخباري | إمارة المؤمنين.. “الوثيقة السياسية للدولة”
رجال الدولة يدافعون عن الملكية ويكتبون:

لكل وثيقة سياسية مبادئ تقوم عليها، لذلك كان أحد أكبر عيوب الوثيقة السياسية التي طرحت مؤخرا هو سكوتها عن الأساس الأول لأي وثيقة في المملكة المغربية، وهو “إمارة المؤمنين”، ولا مجال للاستنتاج أو الفهم في هذا الباب إلا بالقول الصريح، وما دون ذلك تبقى كل “الوثائق” والبيانات مجرد حشو لا قيمة له من الناحية السياسية، بل إن السكوت عن “البيعة” باعتبارها الموضوع الأصلي(..) من طرف “جماعة دينية”، يجعل الأمر أقرب إلى التحايل على المواطنين لتحقيق أهداف خفية، لذلك تظل هذه الجماعة مجموعة “غير موثوق بها”، حتى إشعار آخر(..).
إعداد: سعيد الريحاني
((إن المسلم لا يمكنه من تلقاء نفسه، أن يبيع المشروعية السياسية إلا مقابل ضمانات تتعلق بالمحافظة على الدين كمصدر لمعنى الحياة والأمن والعدل والكرامة.. إن المتتبع الغربي قد لا تراوده كثير من الشكوك عندما نوضح له بأن المغرب قد اندمج حقا في مسلسل دستوري عصري وتعددي، وأنه لم يتوان في إقامة المؤسسات الضرورية للحكامة الجيدة..
ومن جهة أخرى، كان بالإمكان طرح السؤال التالي: ما نسقية التلازم بين البيعة والدستور؟ إنها قائمة، وليست دون جدوى، إذ أن الدين يمنح معنى وهوية، والدستور هو مجرد تأويل للغة التفاوض التي يعمد إليها المنضوون تحت المبادئ الأساسية نفسها للدين.. إنهم يسيرون على منهج الشعار الذي صكه الفقهاء منذ زمن بعيد حيثما مصلحة الناس، فثمة دين الله)).
الفقرة أعلاه، هي جزء صغير من تعليق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، على “أكبر وثيقة” صدرت مؤخرا حول إمارة المؤمنين، وقد كان لصدورها في هذا التوقيت دلالة كبرى في السياق السياسي المغربي، وقد صدرت هذه الوثيقة التي قدمها وزير الأوقاف تحت عنوان “إمارة المؤمنين/ المرجعية الروحية لوسطية الإسلام”، وقام بإعدادها الدكتور المؤرخ والباحث عبد الله بوصوف، وهو واحد من رجال الدولة الذين يكتبون أكثر مما يتكلمون، ويجمع بين المسؤولية الإدارية والبحث في العلوم السياسية والدينية والاستراتيجية..
يقول بوصوف: ((إن ملك المغرب ليس مستوى عاديا من مستويات جهاز تنفيذي قائم، شأنه في ذلك شأن المستويات الأخرى، حقوقا وواجبات وصلاحيات، وصحيح أنه بالإمكان اعتباره مستوى من هذه المستويات، بحكم الوظيفة المنوطة به كرئيس فعلي للدولة، لكنه في الآن ذاته أمير المؤمنين، وبهذه الصفة الحصرية، فإنه يمتلك كامل الشرعية التي تمكنه من تحريك وتفعيل سلطة التفسير والتأويل التي تعود له دون سواه، كي يحدد انطلاقا من المصادر الثابتة والمجمع حولها (القرآن والسنة) ماهية وطبيعة الإسلام الوسطي الذي ينشد.. أي هذا الإسلام الذي يرفض اللاتسامح، ويلفظ العنف الذي يلجأ له دعاة ما يسمى بالإسلام الصارم النقي والأصلي)) (المصدر: “إمارة المؤمنين/ المرجعية الروحية لوسطية الإسلام”).

يحيط بوصوف بموضوع إمارة المؤمنين من جوانب عديدة، بل إن مستوى كتابه الأخير يرقى إلى المستوى الأكاديمي الضخم، غير أن ذلك لم يمنعه من الانتقال بين ما هو نظري وبين إعطاء أمثلة من الواقع حول حالة “الإسلاميين المغاربة”.. ففي حديثه عن الحقل الديني كفضاء مفتوح، يكتب بوصوف: ((الحقل الديني – حسب بيير بورديو – ليس حقلا مغلقا.. الحدود التي تطبعه أو تميزه قد تبدو في ظاهرها صارمة ومسيجة، لكنها ليست كذلك بالمرة على مستوى واقع الحال.
في الإسلام، كل شيء يحتكم إلى البعد الديني، أما عبارة “ما لله لله، وما لقيصر لقيصر” فإنها غير واردة بالمرة، فما بالك أن تكون مبررة ومقبولة.. هذه الازدواجية التي تنتظم في إطارها العلمانية في صورتها الفرنسية على الأقل، تنحو منحى إقصاء الدين من الفضاء السياسي، تماما ونهائيا، بيد أنها ازدواجية لا تجد لها رافدا أو متكئا بالمغرب، لا في فلسفتها ولا في المعطى الإجرائي العام الذي تنشده، بيد أن الذين يدافعون عنها إما يتخذون هذا الموقف جهلا بمرجعيتها، أو يتحركون للدفع بها تحت يافطة الدفاع عن المعايير الدولية لحقوق الإنسان.. ليس من شك أن الإسلاميين المغاربة، بكل روافدهم وتوجهاتهم (الناعم منها كما الخشن سواء بسواء)، يتطلعون لاستنبات أسس إسلام سياسي من نمط معين، بيد أني بهم وكأنهم لا يدركون، أو يتجاهلون عن قصد، أن الإسلام الذي يرفعون لواءه، يحتوي على عناصر تجعل من طرحهم لمتاهات فكرية وعقدية، لا سبيل للخروج منها أو الإفلات من عقالها.. صحيح أن الإصلاح الذي يتغيى التغيير في الزمان والمكان، هو من صميم الدين الإسلامي، لا بل هو من روح هذا الدين، الذي شاع وانتشر منذ أكثر من أربعة عشر قرنا.. إلا أن الوسائل والسبل المعتمدة لإدراك ذلك من لدنهم، ليست مشروعة، ولا هي بالأمر المقبول، ما دامت تنهل من المعين السياسي.. والسياسي الصرف فقط.. إن اللجوء إلى العنف والترهيب يشبه إلى حد كبير القوة الخشنة من أجل فرض نموذج “دولة” على شاكلة ما كان سائدا زمن الخلفاء الراشدين، هو سبيل خطأ تماما كما هي خاطئة الغاية المتوخاة منه، إنهما قد أضحيا حقا مثار تهكم واستهزاء في زمن الحداثة والعولمة والشبكات الإلكترونية.. ولهذا السبب، فإن الحقل الديني في المغرب الذي يتبوأ الملك في صلبه وضعية احتكار الشرعية (على مستويات عدة)، هو من هذه الزاوية تحديدا حقل مغلق بإحكام، سواء على مستوى النظرية الأرثوذوكسية أو على مستوى الممارسة السياسية، على كل أشكال التفكير والفعل التي لا تنصهر في إطار قواعد اللعبة السياسية والدينية، أو تلك التي لا تمتثل للنظام القائم أو للدينامية الدستورية الجارية)) (المصدر: كتاب “إمارة المؤمنين/ المرجعية الروحية لوسطية الإسلام”).
وانظروا لقوة هذا النقد الصادر عن أحد رجال الدولة في حق جماعات الإسلام السياسي بالمغرب، وكأنه بمثابة درس في المرجعية، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بوصوف يقول: ((نشأت مؤسسة إمارة المؤمنين تيمنا بنموذج بيعة الرضوان (بيعة الولاء) التي قدمها المسلمون للرسول محمد صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من 14 قرنا من الزمن.. إنها وثيقة مؤسسة تبناها المغرب، وحافظ عليها وصانها، على الرغم من الظروف وتوالي الأسر الحاكمة وانتقال الملك، ثم هي بمثابة مادة أولية أساس لكل محاولة تتغيى فهم دينامية العلاقة بين الدولة والمجال الديني في المغرب.. إن كل الإصلاحات المعتمدة، وطيلة فترات تاريخ المغرب (القديم والحديث المعاصر)، انبنت وما تزال تنبني على الدولة المركزية ذات الطابع الديني الجوهري، وعليه، فإن السياسة حتى وإن خضعت لأشكال تفاوضية معلنة، فإنها غالبا ما كانت تتم بالاحتكام إلى التشريعات الإسلامية (أي الفقه)، وإلى العادات والأعراف والتقاليد المحلية السائدة)).. يقول بوصوف.
طيلة الدراسة التي قدمها الدكتور عبد الله بوصوف، وهو واحد من كبار المنظرين في مجال التعايش، حتى أنه بات محبوبا لدى جل أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد في المغرب، حيث يحجزون أماكنهم غالبا في محاضراته الكبرى حول إمارة المؤمنين والتعايش الديني.. (طيلة الدراسة) ظلت شخصية الملك محمد السادس حاضرة من البداية إلى النهاية، والسبب هو انطلاقه من ((قناعة مفادها أن الملك محمد السادس ملك إصلاحي من الطراز الأول.. إذ من خلال الشرعية السياسية والروحية التي يتمتع بها، فإنه الوحيد الذي يملك المؤهلات المادية والرمزية الضرورية لتدشين، ثم لقيادة مسلسل إعادة هيكلة الحقل الديني في المغرب، بل والعمل على جعله ملائما لمسلسل الإصلاح الشامل والواسع للدولة القانونية/ العقلانية)).

للتأكيد، يقول بوصوف، بغض النظر عن محور ضخم يتحدث فيه عن الشرعية والمشروعية والشرعنة: ((إن الملك محمد السادس هو ملك إصلاحي بامتياز.. يجب أن نؤكد على هذا المعطى الجوهري الهام، ولذلك، فإن جل مبادراته تنبع من هذا الزمن التاريخي البعيد للدولة المغربية، من هذا المعين يستقي شرعيته المتفردة، التي يمكن أن نطلق عليها “الشرعية الملكية”.. إنها الشرعية التي تحدد مساره، تؤطر رؤيته، وتمنح لفعله زخما (كي لا نقول قدرا) من نوع خاص.. ولو كان لنا أن نستشف تفرد الإصلاح الذي باشره الملك محمد السادس، في هذا المدى الزمني القصير من عمر حكمه، فيجب أن نبحث عنه في هذا الهاجس المستمر الذي يراهن دائما على ضمان تكيف، كي لا نقول تجذر، الأصيل الثابت مع الحداثي المتموج، بمعنى آخر، يجب أن نلتمسه في ثنايا المقاربة الشمولية التي تروم وضع أسس وهياكل حقل ديني يكون بمقدوره رعاية المحددات الهوياتية للأمة، مع ضمان تلبية الحاجات والانتظارات التي تفرضها متطلبات الحداثة)) (نفس المصدر).
إن الحديث عن هيكلة الحقل الديني، أو مسار الإصلاح الذي قاده الملك محمد السادس.. كلها محاور شكلت رسالة لمن يهمهم الأمر دون ذكرهم بالاسم(..)، ((إن نقطة انطلاقنا هي الدولة الوطنية، ليس فقط باعتبارها نتاج واقع سياسي ومؤسساتي معقد ومتجذر في التاريخ، وعلى هذا الأساس، فإن هذا البناء التاريخي الطويل الذي أنبت الدولة في المغرب، هو الذي أنبت في الآن ذاته سلطة تستمد شرعيتها هي الأخرى من هذا البناء ووفق حركياته في الزمان والمكان.. من الطبيعي والحالة هاته، أن تكون الملكية وإمارة المؤمنين والبيعة التعاقدية، نتاج هذه الصيرورة، وتعبيرا عنها في الوقت ذاته، لذلك، فإن ما أسميه هنا الإسلام الوسطي، هو في المحصلة النهائية عصارة هذا المزيج الصافي والمزج الدقيق بين هذه الروافد الثلاثة، التي أفرزت ما نسميه في هذه الدراسة بـ”النموذج المغربي الفريد)).. يقول بوصوف، وفي ذلك درس لأصحاب الإسلام السياسي والوثائق السياسية الناقصة(..).




