تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | هل تعرقل اللوبيات رغبة الملك في تشكيل أسطول بحري وطني ؟

السيادة البحرية تفرض تحديات جديدة

إعداد: سعيد الريحاني

    لازال صدى كلمات الخطاب الملكي الأخير بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء، يتردد في الأذهان، بعد أن أعلن الملك محمد السادس عن الشروع في إعادة تأهيل الواجهة الأطلسية، وقد كان لافتا للانتباه تحديده لمتطلبات المرحلة كالتالي: ((.. إذا كانت الواجهة المتوسطية تعد صلة وصل بين المغرب وأوروبا، فإن الواجهة الأطلسية هي بوابة المغرب نحو إفريقيا، ونافذة انفتاحه على الفضاء الأمريكي.. ومن هنا يأتي حرصنا على تأهيل المجال الساحلي وطنيا، بما فيه الواجهة الأطلسية للصحراء المغربية، وكذا هيكلة هذا الفضاء الجيو-سياسي على المستوى الإفريقي.. غايتنا أن نحول الواجهة الأطلسية إلى فضاء للتواصل الإنساني، والتكامل الاقتصادي، والإشعاع القاري والدولي.. لذا، نحرص على استكمال المشاريع الكبرى التي تشهدها أقاليمنا الجنوبية، وتوفير الخدمات والبنيات التحتية المرتبطة بالتنمية البشرية والاقتصادية، وكذا تسهيل الربط بين مختلف مكونات الساحل الأطلسي، وتوفير وسائل النقل ومحطات اللوجستيك، بما في ذلك التفكير في تكوين أسطول بحري تجاري وطني، قوي وتنافسي)).

تتمة المقال تحت الإعلان

تبدو الكلمات الملكية مثل برنامج عمل حكومي، ولأن المناسبة شرط، فإن أهم ما ينبغي الانتباه إليه، هو دعوة الملك محمد السادس إلى تكوين أسطول بحري تجاري وطني، وليس هذا فحسب، بل إن الملك دعا إلى جعله “قويا وتنافسيا”، ما يعني عمليا فتح معركة في مواجهة اللوبيات المسيطرة على الساحة، والتي جعلت المياه البحرية المغربية رهينة في يد الشركات الأجنبية.. هل يعقل أن أهم المميزات الجغرافية للمغرب هي واجهته البحرية، ما يجعله بلدا بحريا، بينما في الواقع نجده يعتمد على أسطول النقل البحري الأجنبي لتلبية كافة احتياجاته، من الوقود إلى الإبرة الصغيرة؟ هل يعقل أن البلاد التي شيدت وتشيد أكبر الموانئ على الصعيد الإفريقي والدولي، لا تتوفر على أسطول تجاري خاص بها؟ أين هي سفن المغرب؟ ولماذا لم يتم بناء سفن جديدة لنقل مغاربة العالم وغيرهم من المسافرين، والبضائع ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

ما معنى أن يسعى المغرب لتكريس سيادته البحرية على المياه الإقليمية في غياب أسطول بحري قوي يمكنه من التحكم في “الشاذة والفاذة” في البحر؟ فبغض النظر عن المعركة الهادئة التي تزعمها الملك شخصيا لترسيم الحدود البحرية، وفي غياب الوعي الحكومي والسياسي بخطورة المرحلة، ظلت الحسابات الملكية المدعومة بالإرادة الشعبية، تدفع في اتجاه توزيع النفوذ من الرباط نحو المناطق الجنوبية، حيث قال الملك محمد السادس جملته الشهيرة: ((إن المسيرة الخضراء مكنت من استرجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية.. ومنذ ذلك الوقت تغيرت خريطة المغرب، ولم نستوعب بأن الرباط صارت في أقصى الشمال وأكادير هي الوسط الحقيقي للبلاد)) (المصدر: الخطاب الملكي في الذكرى 44 للمسيرة الخضراء).

تتمة المقال تحت الإعلان

عمليا، لا يمكن الفصل بين قول الملك محمد السادس بأن الوسط الحقيقي للبلاد هو أكادير، ودعوته الأخيرة إلى تأهيل الواجهة الأطلسية، وتشكيل أسطول بحري وطني، بل إن الزيارة الملكية الأخيرة لدولة الإمارات العربية المتحدة، واللقاءات مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رفقة طاقم حكومي كبير، لم تكن لتمر دون استحضار هذه التطلعات البحرية للواجهة الأطلسية، ذلك أن ((هذه الشراكة، التي همت مجالات وقطاعات مهمة وواعدة بين المملكة المغربية والإمارات العربية المتحدة، تلبي طموحات قائدي البلدين، وتطلعات شعبيهما في التنمية والنماء والرخاء.. إن مذكرات التفاهم التي وقعت وحجم المشاريع التي ستنجز في إطارها، لا سيما المشاريع ذات البعد المستقبلي الرائد، والتي تم ذكرها في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة المسيرة الخضراء، من قبيل ربط الواجهة الأطلسية بالواجهة المتوسطية، والمشروع الاستراتيجي لأنبوب الغاز المغرب – نيجيريا، إلى جانب أسطول بحري تجاري ينافس على المستوى الدولي، بحيث تستفيد دول ساحل القارة من البنى التحتية ذات الصلة، من شأنها أن تخلق منافسة تحفظ الأمن الطاقي وحرية الملاحة بواسطة السواحل المغربية المتوسطية والأطلنتية)) (المصدر: هسبريس / 9 دجنبر 2023).

ولا يحتاج المرء لكثير من العناء ليعرف أن قطاع البحر في المغرب رهين بمعطيات كارثية، باعتراف المسؤولين أنفسهم، فوزير النقل واللوجستيك، محمد عبد الجليل، يقول: ((إن الأسطول الوطني البحري لا يرقى إلى مستوى الطموحات على الرغم من أن النقل البحري يؤمن 97 في المائة من مبادلاتنا الخارجية، والجزء الأوفر من صادراتنا في اتجاه الدول التي تربطنا وإياها علاقات تجارية وثيقة، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي)) ويضيف الوزير: ((على الرغم من أهمية التجارة التي تتم عن طريق البحر، فإن مساهمة الأسطول الوطني، الذي لا يتعدى عدد البواخر التابعة له 13 سفينة، لا تمثل سوى 5 في المائة من حجم التجارة الخارجية لبلادنا، وهي نسبة لا ترقى إلى مستوى طموحاتنا وتطلعاتنا في تطوير هذا المرفق الحيوي، ثم إن الأسطول الأجنبي يستأثر، على مستوى جميع الخطوط، بالحصة الأكبر من الرواج البحري للمسافرين مع المغرب)).

نحن أمام “كارثة حقيقية” غير معلنة.. فالقول بأن البلاد مرتهنة للسفن الأجنبية، يعني في الواقع أننا أمام تهديد حقيقي للاقتصاد الوطني، بل إنه تهديد للسيادة مستقبلا في عالم متغير، مليء بالحروب(..).

فـ((رغم أهمية التجارة البحرية، فإن مساهمة الأسطول الوطني، الذي يضم حاليا 13 سفينة تابعة فقط (معظمها مكتراة)، مقابل 68 سفينة كانت مملوكة للمغرب سنة 1989، لا تمثل سوى 5 % من حجم التجارة الخارجية للمغرب، وبالتالي، فإن الأسطول البحري الوطني لا يرقى إلى مستوى الطموحات التي تظهرها المملكة، رغم أن النقل البحري يوفر 97 % من التجارة الخارجية وأغلبية صادرات المغرب إلى البلدان الشريكة، خاصة الاتحاد الأوروبي.. ومع ذلك، لا يزال النقل البحري الوطني متخلفا نسبيا لأسباب هيكلية وتنظيمية عجلت بإفلاس الشركات الوطنية العمومية والخاصة (كوماناف، كوماريت وIMTC…)، والنتيجة أن موانئ البلاد أصبحت خالية من السفن المغربية التي تركت المجال فارغا للسفن الأجنبية التي تستحوذ على المبادلات التجارية، علما أن ما يقرب من 98 % من الصادرات المغربية تتم عن طريق البحر، حصة المشغلين المغاربة في هذا الحجم بالكاد 7 %، حيث تحتكر الشركات الأجنبية أكثر من 90 % من نقل البضائع بالمغرب، وهو ما يعني أن أكثر من 70 مليون طن تولد رقم معاملات يفوق 20 مليار درهم، وفي هذا المناخ الصعب، يكتفي ملاك السفن المغاربة بنقل أقل من 5 ملايين طن من الحبوب و9 ملايين طن من الهيدروكربورات المستوردة كل عام، ووفقا لدراسة وضعتها شركة ALG Transportation Infrastructure & Logistics تنضم له، فقد انخفض معدل تغطية رصيد الشحن الوطني إلى ما يقرب من 6 % مقابل 25 % في الثمانينات، ونظرا لعدم وجود خطوط مباشرة، تلجأ شركات الشحن المغربية إلى التركيز على أنشطة إعادة الشحن.

ووفقا لنفس الدراسة، فإن هذا يزيد من أسعار الشحن وتمديد زمن العبور بين المنافذ، علما أن الخطوط الموجودة هي في الأساس خطوط مسافات قصيرة، تتمحور حول البحر الأبيض المتوسط ​​وتعتمد على موانئ الشحن، مثل طنجة المتوسط ​​والجزيرة الخضراء، فالنسيا أو مالطا، وفي “قطاع الحاويات” حيث إمكانات النمو كبيرة، أصبح المشغلون المغاربة نادرين أو شبه منعدمين، وبعد إفلاس “كوماناف” و”كوماريت”، ظلت شركة IMTC هي المشغل المغربي الوحيد في خطوط شحن الحاويات قبل أن تتوقف هي الأخرى عن النشاط بعد وفاة مالكها محمد قاريا.. وفي مواجهة عدد كبير من شركات الشحن الأجنبية، نجد عددا أقل من الشركات البحرية: CMA CGM وMSC Maersk، التي تمثل أكثر من 80 % من حصة السوق، وهو الوضع الذي لا يفيد المنافسة بتاتا، بل هو ما يساعد على تسهيل الاتفاقات والتواطؤات بين الشركات بشأن أسعار الشحن.. وهكذا، فإن الأضرار التي لحقت بالقطاع هائلة جدا، أدت مجتمعة إلى إفلاس الشركات المغربية، مع ما خلفه ذلك من انعكاسات كارثية.. فقد أدى انهيار “كوماريت-كوماناف” على سبيل المثال لا الحصر، إلى خسارة 5000 وظيفة و4 مليارات دولار، وبعدما توقفت IMTC بدورها عن أنشطتها، فإن اعتماد المغرب كليا على الشركات الأجنبية تحول مع الوقت إلى ضرورة حتمية لا مفر منها)) (المصدر: تقرير صحيفة الاتحاد الاشتراكي / عدد 12 دجنبر 2023).

نحن إذن أمام عالم مليء باللوبيات، والسؤال الذي يطرح نفسه في عز الرهان الملكي على دولة الإمارات: هل يتوفر المسؤولون على خطة لمواجهة اللوبيات المتحكمة في النشاط البحري المغربي، وهي لوبيات يمتد نشاطها من أصغر مركب صيد إلى أكبر السفن(..)، حيث سبق أن كانت هناك محاولات لإطلاق سفن تجارية بحرية مغربية جديدة، لكن التواطؤات أجهزت على كل شيء كما حصل في عهد الوزير عزيز الرباح، حيث تحولت الرغبة في تكوين أسطول مغربي إلى “ورطة كبرى للوزير الرباح والملياردير بنجلون”..

الإرادة لا تكفي في عالم البحر، فالمستفيدون بالآلاف، وأرقام المعاملات السوداء بالملايير، والتحالفات عابرة للقارات.. من تم، فإن مواكبة الرغبة الملكية في إعادة إحياء الزمن الغابر للسلاطين، عندما كان المغرب يسيطر على البحر، تحتم اليقظة وتظافر الجهود حتى لا يفشل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى