تحليل إخباري | مؤشرات تواطؤ نزار البركة ووهبي مع حكومة أخنوش ضد أحسن شركة مغربية
مصفاة "لاسامير" ضحية السياسيين
لم تكن الجلسة الشهرية لرئيس الحكومة لتمر دون أن يعيش المتتبعون لجلسة الأسئلة الشفهية المنقولة عبر التلفزيون، مشاهد مؤسفة لتدني مستوى النقاش داخل الغرفة التشريعية، مع تجاهل مناقشة المشاكل الحقيقية للمواطنين، ويأتي على رأس المواضيع المسكوت عنها، موضوع “فرصة” إعادة تشغيل مصفاة “لاسامير”، وهي فخر الصناعة المغربية طيلة عقود، قبل أن تتحول إلى عنوان لأزمة غير مفهومة، في زمن يمكنها أن تشكل فيه ملجئا لتحقيق الأمن الطاقي للمغاربة.
إعداد : سعيد الريحاني
مرت جلسة الأسئلة الشفهية الأخيرة بالبرلمان دون فتح ملف شركة “لاسامير” رغم القيل والقال، لتكتب جريدة الاتحاد الاشتراكي أن “أخنوش أعلن عن رفع يد الحكومة عن هذا الملف بقوله إن الدولة لها مشكل قانوني مع صاحب الشركة”.. فهل هذه هي الحقيقة، أم أنها جزء من الحاجة التي قضتها الحكومة بتركها؟ ولماذا لا يتم تأميم الشركة، وإعادتها إلى أصلها باعتبارها “فرصة” حقيقية، وليست فرصة زائفة على غرار “فرصة” التشغيل(..)؟
دون الحاجة إلى أي خبرة اقتصادية.. يمكن القول أن استمرار إغلاق مصفاة “لاسامير” منذ سنة 2015، يضيّع على الدولة فرصة تأمين حاجياتها الطاقية، ومواجهة تقلبات أسعار النفط على المستوى العالمي، ويكفي في هذا الصدد الاطلاع على تصريحات النقابيين.. فقد ((وجهت هيئات نقابية انتقادات إلى الحكومة بسبب رفضها مقترحي قانونين يتعلقان بتأميم شركة “لاسامير” لتكرير البترول، وتسقيف أسعار المحروقات)) (المصدر: موقع هسبريس/ 4 مارس 2022).
ماذا يعني إذن، هذا الرفض الحكومي لكل مقترح يتعلق بتأميم شركة “لاسامير”، أو التدخل في سوق المحروقات(..)، فقد ((اعتبرت فعاليات نقابية، أن رفض الحكومة تأميم مصفاة المحمدية المتوقفة عن الاشتغال منذ شهر غشت 2015، يفوت على المغرب تأمين حاجياته الطاقية ووقف غلاء أسعار المحروقات التي يعرفها العالم.. وفي هذا الصدد، أوضح الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز الطبيعي، أن رفض الحكومة لمقترحي القانونين المذكورين، يفوت الفرصة على المغرب لإعادة تشغيل “لاسامير”، سواء لتخزين البترول أو تكريره، وإعادة تنظيم أسعار المحروقات والحد من الغلاء الحالي، وأضاف أن هذا الأمر قد يفهم منه أنه رسالة أخرى بأن الحكومة تنتصر للواقع القائم حاليا، وتشجع على المزيد من ضرب الاحتياطات الأمنية للمغرب في هذا المجال، وهي بذلك تشجع على هذه الأسعار المفتوحة اليوم على كل الاحتمالات التي لا ندري إلى أين ستصل في إطار الاصطدام العالمي الذي مصدره هو الطاقة، وأساسا البترول والغاز، وسجل اليماني، أن رفض مقترح القانونين المذكورين، إلى جانب ما تم الحديث عنه من تفويت للفرصة على البلاد، يعد مصادرة لحق النواب في تشريع القوانين التي تخدم مصالح المغاربة، ويكرس دعاة من يقولون لا جدوى من الحكومة والبرلمان..)) (المصدر: موقع هسبريس/4 مارس 2022).
بالنسبة للنقابيين، لا جدوى من الحكومة والبرلمان طالما أنهما يمتنعان عن تشريع ما يخدم مصلحة المغاربة.. من هنا يبدو طرح السؤال مشروعا: لماذا تتراجع الأحزاب عن فتح موضوع “لاسامير” بمجرد نيل حصتها من الكعكة الحكومية؟
فقد سبق لحزب الاستقلال بمجلس النواب، أن تقدم بمقترح قانون يقضي بتفويت أصول الشركة المغربية لصناعة التكرير “لاسامير” لحساب الدولة، وأكد الحزب أن “لاسامير” هي معلمة اقتصادية ودعامة أساسية للاقتصاد الوطني بأبعاده الاجتماعية التنموية والاستراتيجية، بالنظر لدورها في تطوير الصناعات النفطية ومختلف الخدمات المرتبطة بها، وضمان الأمن الطاقي وتصدير الفائض من المحروقات المكررة، وتوفير مناصب الشغل للآلاف من اليد العاملة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة..وأشار إلى أن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن عندما قررت الحكومة خوصصة الشركة المغربية لصناعة التكرير “لاسامير”، التي تم تأسيسها سنة 1959 والشركة الشريفة للبترول (1913) سنة 1997، ودمج الشركتين من أجل تأهيل هذا القطاع الاستراتيجي، لتتحول هذه الخوصصة إلى عبء ثقيل على الشركة التي ذهبت ضحية هذا القرار الارتجالي، وتدخل في دوامة الاختلالات نتيجة عدم احترام الجهة المفوت إليها الالتزامات المنصوص عليها في دفتر التحملات، وسوء التدبير والتسيير في غياب التتبع والمواكبة والمراقبة، لتتكبد بعدها الشركة خسائر كبيرة، وتفقد معها التوازن المالي وعجزها عن الاستمرار في أنشطتها، وما ترتب عنه من توقف كلي لنشاطها، وضياع حقوق جميع الأطراف المرتبطة بها..)) (المصدر: شوف تي. في/ 5 فبراير 2021).
هكذا كان يتحدث حزب الاستقلال إلى غاية شهر فبراير 2021، والحل بالنسبة له كان سهلا، وهو ((تطبيق المادة الأولى من المقترح على تفويت جميع الأصول والممتلكات والعقارات والرخص وبراءات الاختراع المملوكة للشركة المغربية لصناعة التكرير في طور التصفية القضائية ونقلها لحساب الدولة، وذلك طبقا لأحكام الفصل 71 من الدستور المتعلقة بتأميم المنشآت ونظام الخوصصة..بما أن أصول الشركة عادت لملكية الدائنين العموميين بما في ذلك إدارة الضرائب والمؤسسات والمقاولات العمومية بحصة كبيرة، وما يقتضي ذلك من ضرورة المحافظة على هذا الرصيد الوطني من التلاشي من خلال تمكين الشركة من استعادة أنشطتها، لمواجهة متطلبات الأمن الطاقي وحماية المستهلك المغربي من الزيادات المتوالية في أسعار المحروقات بعد قرار تحرير الأسعار في سنة 2016، والاقتصاد من الفاتورة الطاقية التي تكلف خزينة الدولة أموالا طائلة)) (نفس المصدر).
ما مصير هذه المقترحات؟ ولماذا سكت نزار البركة بمجرد نيله نصيبه من الكعكة الحكومية إلى جانب عزيز أخنوش في التجربة الحكومية الحالية، المكونة من أنصار شركة “لاسامير” طالما أن الحليف الآخر، وهو عبد اللطيف وهبي، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، كان بدوره أحد الداعين إلى إعادة تشغيل محطة “لاسامير”، بل إن فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس المستشارين كان يعتبر صفقة تفويت الشركة المذكورة “صفقة فاشلة محاطة بكثير من الشبهات”.

أكثر من ذلك، فقد جعل حزب الأصالة والمعاصرة إعادة تشغيل محطة “لاسامير” واحدا من عناوين حملته الانتخابية التي قادته إلى الدخول في الحكومة، وكتبت الصحافة ما يلي: ((وعد حزب الأصالة والمعاصرة في برنامجه الانتخابي الخاص بالاستحقاقات الانتخابية ليوم 8 شتنبر 2021، بالعمل على إعادة تشغيل مصفاة “لاسامير” وضمان الأمن الطاقي للمغرب، بالإضافة إلى العمل على إحداث هيئة رقابة تضبط مجال المحروقات ومحاربة الاحتكار، وأضاف الحزب في برنامجه، مقتضيات أخرى حول قطاع المحروقات، فـ”فيما يتعلق بقطاع المحروقات، ومن أجل تدبير ناجع ومقنن للقطاع، اقترح حزب الأصالة والمعاصرة تطوير العرض العام للوقود البديل، من خلال الوقود العضوي والغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال والغاز الطبيعي المضغوط وغاز البروبان والهيدروجين، زيادة على دعم تطوير شبكات النقل العمومي الإلكتروني (صناعة السيارات، النقل الحضري..)،كما يقترح البرنامج الانتخابي ذاته، إعادة تشغيل مصفاة “لاسامير” لتأمين نشاط التكرير والتخزين بالمغرب لتقوية الاستقلال الطاقي لبلادنا، وخلق هيئة تنظيمية جديدة للهيدروكاربورات مسـؤولة عن تقنين هوامش الربح ومحاربة حالات الاحتكار”)) (المصدر: موقع العمق/ 30غشت 2021).
إن كثرة حديث حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال عن ضرورة تشغيل محطة “لاسامير”، هي التي جعلت الصحف تنتبه إلى الاستغلال السياسي لهذا الملف، الذي يعرفه نزار البركة – على سبيل المثال – جيدا، فقد سبق له أن جلس مع الملياردير السعودي محمد العامودي، عندما كانت الشركة تتجه نحو الإفلاس الحتمي(..)، وقد ظلت عدة أسئلة معلقة إلى حدود اليوم.. كيف يمكن السكوت على شركة وصلت مديونيتها إلى 30 مليار درهم، ومنها 10 ملايير درهم لفائدة الجمارك، قبل أن تعلن عنإفلاسها..
إن قصة “لاسامير”، الشركة الملقبة بـ”جوهرة الملوك الثلاثة”، سبق أن تداولتها الصحافة على نطاق واسع، وهي الشركة التي بدأت في عهد حكومة أحمد بلافريج سنة 1958، عندما قاد عبد الرحيم بوعبيد، وزير الاقتصاد والزراعة، مشروع إنشاء مصفاة مغربية تساهم في الاستقلال الاقتصادي والصناعي للمملكة.. وانظروا للفرق بين الأمس واليوم.
أما اليوم، فبعد مرورها بعدة مراحل، فإن كل القصة أصبحت مختصرة في المقالات الصحفية التي انتشرت منذ سنة 2015 قبل أن يدخل القضاء المغربي على الخط، حيث ((أصدرت المحكمة قرارها بالتصفية القضائية لشركة “لاسامير” التي بات يمتلك رجل الأعمال السعودي محمد حسين العامودي، 67 في المائة من أسهمها عبر مجموعته “كورال بتروليوم”، وذلك إثر الأزمة الخانقة التي عاشتها الشركة، وعجز الحكومة المغربية، وكذا مالكها، عن إيجاد حل لهذه الأزمة.. وقضت غرفة المشورة بالمحكمة التجارية، بالتصفية القضائية للشركة التي شغلت الرأي العام المغربي، إذ تعدّ “لاسامير” أهم شركة مغربية لتكرير وتوزيع النفط، وتشغّل المئات من المغاربة، ويأتي قرار المحكمة، بعد تأكيد تقرير – أنجزه خبراء من المحكمة – على وجود صعوبات مالية كبيرة.. ووفق القانون المغربي، فالمحكمة التجارية تقضي بالتصفية القضائية حينما تعجز المقاولة عن تسديد ديونها وتصبح وضعيتها المالية مختلة بشكل لا رجعة فيه.. ويعد قرار التصفية القضائية بمثابة قرار إقبار للشركة وإنهاء شخصيتها القانونية، ويترتب عن ذلك تفويتها ليحصل الدائنون والعمال على حقوقهم.
وكانت شركة “كورال بتروليوم” قد اقترحت ضخ مبلغ مادي ضخم لإنقاذ “لاسامير” من الإفلاس، غير أن المال المطلوب لتجاوز الضائقة، كان كبيرا، إذ وصلت ديونها إلى قرابة 43 مليون دولار)) (المصدر: عدة وكالات).
خلاصة القول، أن الحكومة رغم وجود أطراف سياسية ركبت الانتخابات على ظهر شركة “لاسامير” (حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال)، فإن الملف ظل مغلقا، وهو ما يعني مزيدا من إهدار فرص تحقيق المغرب لأمنه الطاقي، وهو الوسيلة الوحيدة للحفاظ على الاستقرار ومواجهة تقلبات الأسعار، في زمن السلم والحرب(..).





إنشاء المصفاة كان في عهد حكومة يسيرها اشتراكيون.
ونهاية المصفاة بالخوصصة كانت في عهد حكومة يراسها اليوسفي الاشتراكي.
يعني اللي حرثو الجمل دكوا