تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | حرب أوكرانيا.. الوجه الآخر لصراع “الغرب” وروسيا

الحقيقة بين "الممثل" والرئيس

لكي تفهم الحرب الروسية الأوكرانية، لا يجب أن تقف عند حدود ما يملى عليك من طرف وسائل الإعلام الموجهة، والمتحكم فيها مثل “الدرونات” من بعيد، بل يجب أن تقرأ الحقيقة من مصادرها، وقد قيل قديما أن “الأغلبية تغلب الحقيقة” فما بالك بأيام الحرب، حيث يكون الوصول للحقيقة صعبا، بل ويكتسي طابع المجازفة أحيانا(..).

 

تتمة المقال تحت الإعلان

إعداد : سعيد الريحاني

تتمة المقال تحت الإعلان

 

تتمة المقال تحت الإعلان

    في سنة 2015، كان الجمهور الأوكراني على موعد مع أحداث مسلسل “خادم الشعب”، لعب فيه زيلينسكي دور “معلم” يدرس مادة التاريخ، وبينما كان يحرض الطلبة بخطابه المتآمر على الحكومة، استغل أحد الطلبة المناسبة، فصور شريطا لأستاذه، ونشره على مواقع التواصل الاجتماعي، فانتشر كالنار في الهشيم، بسبب السخط الشعبي.. وبعد تداول الفيديو، تم فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية، فترشح مدرس التاريخ، ووصل إلى سُدة الحكم بتأييد شعبي واسع..

كل هذه الأحداث سالفة الذكر، حصلت في مسلسل تلفزيوني عرف انتشارا واسعا على موقع “نيتفليكس”، لكن نفس الأحداث تكررت على أرض الواقع، لأن جمهور مواقع التواصل الاجتماعي و”نيتفليكس” وغيره.. هو نفسه الذي يصوت في الانتخابات، إذ ((أسس الرئيس الأوكراني حزبا يحمل نفس اسم المسلسل، “خادم الشعب”، في سنة 2017، واستطاع أن يتدرج حتى وصل إلى الانتخابات الرئاسية، وفاز على منافسه، ليصبح بالفعل حاكما للبلاد في عام 2019.. ولم تتوقف نبوءات المسلسل عند هذا الحد، إذ تعرض الأحداث نزول مدرس التاريخ هذا إلى الأراضي الأوكرانية، ليكتشف أن هناك مدنا هجرها أهلها بسبب الخوف من اندلاع الحرب.. هذا الأمر قد تحقق في الواقع بالفعل، إذ نزح الكثيرون من أوكرانيا خلال الأيام الماضية، خوفا من الحرب مع روسيا، وعلى الرغم من عرض أحداث الفيلم في إطار كوميدي ساخر، إلا أنه بالفعل قد تحققت بعض أحداثه، ولكن، هل تتحقق يا تُرى باقي الأحداث التي عرضها المسلسل، من عودة الحكم إلى نظامه القديم (حكم الأقليات)، ولكن مع تغيير في الآية والعودة إلى الوراء أكثر ورجوع أوكرانيا إلى الاتحاد السوفياتي من جديد، أم أن الأمر سيتوقف عند هذا الحد؟)) (المصدر: ملخص لأحداث مسلسل “خادم الشعب”/ عدة وكالات).

هذا فيما يتعلق بـ”التمثيل” المؤدي للحكم، أما “الحقيقة التاريخية”، فيمكن الوقوف عليها في كلام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يتعرض كلامه للتعتيم من طرف الآلة الإعلامية الغربية(..)، وقد اختار بوتين مخاطبة الروس وباقي العالم قبل الدخول في الحرب بمعطيات التاريخ.

يقول بوتين: ((أوكرانيا ليست مجرد دولة مجاورة لنا، فهي جزء لا يتجزأ من تاريخنا وثقافتنا وفضائنا المعنوي.. هؤلاء ليسوا رفاقنا وزملاءنا وأصدقاءنا فحسب، وإنما هم أيضا أقاربنا، تربطنا معهم صلة الدم وروابط عائلية.. لفترة طويلة، أطلق سكان الأراضي الروسية القديمة الجنوبية الغربية التاريخية على أنفسهم اسم الروس والأرثوذكس، وكان هذا هو الحال حتى القرن السابع عشر وبعده، عندما تم لمّ شمل أجزاء من هذه المناطق مع الدولة الروسية)).

البرلمان الأوروبي يصفق على خطاب زيلينسكي

وفي خطابه المؤطر للحرب الأخيرة، يقول بوتين (والكلام دعوة للقراءة عن تاريخ البلاشفة والمناشفة وزمن ستالين والحرب الأهلية الروسية): ((أبدأ من حقيقة أن أوكرانيا تأسست بالكامل من قبل روسيا، حتى من قبل روسيا البلشفية الشيوعية.. بدأت هذه العملية فور ثورة 1917، حيث عمل فلاديمير لينين وأصدقاؤه بشكل فجّ جدا ضد مصالح روسيا من خلال فصل جزء من أراضينا التاريخية وتمزيقها إربا.. وبالطبع، لم يستشر أحد ملايين الأشخاص الذين يعيشون هناك عندما جرى فعل ذلك، وعشية الحرب الوطنية العظمى وبعدها، وحّد جوزيف ستالين بالفعل اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، ونقل ملكية بعض الأراضي التي كانت في السابق تابعة لبولندا ورومانيا والمجر إلى أوكرانيا، في الوقت نفسه، وكنوع من التعويض، أعطى ستالين بولندا جزءً من الأراضي الألمانية، وفي عام 1954، اقتطع خروتشوف – لسبب ما – شبه جزيرة القرم من روسيا ووهبها لأوكرانيا. في الواقع، بهذه الطريقة تشكّلت أراضي أوكرانيا السوفياتية، ومع ذلك، أود أن ألفت انتباهكم إلى الفترة الأولى لتأسيس الاتحاد السوفياتي وأعتقد أن هذا مهم للغاية بالنسبة لنا، لذلك، سيتعين علي التطرق إلى الموضوع أيضا.. فـ”بعد ثورة أكتوبر عام 1917 والحرب الأهلية اللاحقة، بدأ البلاشفة في إقامة نظام جديد للدولة، فنشأت خلافات حادة للغاية بين البلاشفة.. بعد أن تولى ستالين مناصب السكرتير العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي التابع للبلاشفة ومفوض الشعب للشؤون الوطنية عام 1922، اقترح بناء دولة تقوم على مبادئ الحكم الذاتي، أي إعطاء سلطات واسعة للجمهوريات، والوحدات الإدارية والإقليمية المستقبلية، وضمان قيامها بأنشطتها في إطار دولة واحدة، ولاحقا، انتقد لينين هذه الخطة وعرض تقديم تنازلات للقوميين، الذين أطلق عليهم فيما بعد اسم الاستقلاليين، كانت هذه الأفكار اللينينية بالفعل هي التي شكلت أساس الدولة السوفياتية، وشعارها حول نظام الدولة الكونفدرالية وحق الأمم في تقرير المصير بما في ذلك الانفصال، وتم تضمين هذه الأفكار لأول مرة في البيان التأسيسي للاتحاد السوفياتي عام 1922، وتم تكريسها في عملية بناء الاتحاد السوفياتي وبعد وفاة لينين وفي دستور الاتحاد السوفياتي لعام 1924″)) (المصدر: خطاب فلاديمير بوتين/ 23 فبراير 2022).

ما تعرض له الاتحاد السوفياتي من “نخر” من الداخل، هو ما تتعرض له عدة دول إذا تم إجراء مقارنات بسيطة، بل إن العبرة من كلام بوتين ستظهر فيما بعد لمن تهمه دروس التاريخ، حيث تساءل الرئيس الروسي: ((هنا لا بد لنا أن نطرح العديد من الأسئلة، والسؤال الأول هو الأهم: لماذا كان من الضروري إشباع الطموحات المتزايدة للقوميين الموجودين في المناطق الموجودة على هامش الإمبراطورية القديمة؟ ولماذا تم إعطاء الوحدات الإدارية التي أعيد تأسيسها والتي غالبا ما تم إنشاؤها بشكل تعسفي، وجمهوريات الاتحاد، تلك المناطق الشاسعة من روسيا التاريخية؟

لقد تم إعطاء الوحدات الإدارية صفة تأسيس دول قومية.. أسأل نفسي مرة أخرى: لماذا كان من الضروري تقديم مثل هذه الهدايا السخية التي لم يحلم بها أكثر القوميين حماسة، وحتى منح الجمهوريات الحق في الانفصال عن الدولة الموحدة دون أي شروط؟ للوهلة الأولى، غالبا ما يكون هذا الموقف غير مفهوم، وضربا من ضروب الجنون، لكن هذا فقط للوهلة الأولى.. لقد كان لهذا الموقف تفسيرا، فبعد الثورة، كانت المهمة الرئيسية للبلاشفة هي البقاء في السلطة بأي ثمن، وقد فعلوا كل شيء من أجل هذا.. لقد قبلوا من أجل تحقيق هذه الغاية الشروط المهينة لـ”سلام بريست” في وقت كانت فيه ألمانيا القيصرية وحلفاؤها في وضع عسكري واقتصادي صعب، وكانت نتيجة الحرب العالمية الأولى في الواقع نتيجة حتمية، ورضخوا أيضا لجميع مطالب ورغبات القوميين في البلاد.. وفيما يتعلق بالمصير التاريخي لروسيا وشعوبها، اتضح أن المبادئ اللينينية لبناء الدولة، لم تكن مجرد خطأ، بل كانت أسوأ بكثير من خطأ.. لقد أصبح هذا جليا تماما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991)).

حسب بوتين، فالمؤامرة تجد أصولها في التاريخ، حيث توجد أسس هدم “روسيا التاريخية”، فـ((في شتنبر 1989، في الجلسة العامة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الاشتراكي السوفياتي، تم تبني وثيقة حتمية تحتوي على ما يسمى بالسياسة الوطنية للحزب وفقا للظروف المستجدّة، احتوت هذه الوثيقة على أحكام تنص على أن جمهوريات الاتحاد تتمتع بجميع الحقوق المقابلة لوضعها كدول اشتراكية ذات سيادة، واحتوت هذه الوثيقة أيضا على بند مفاده أن السلطات التمثيلية الأعلى للجمهوريات الاتحادية يمكنها الاحتجاج وتعليق تنفيذ قرارات وأوامر الحكومة المركزية على أراضيها، كما نصت هذه الوثيقة على أن كل جمهورية اتحادية يجب أن تكون لها جنسيتها الخاصة تمنحها لجميع المواطنين المقيمين على أرضها.

ألم يكن واضحا ما الذي ستجلبه مثل هذه الصيغ والقرارات؟ السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا كان من الضروري زعزعة البلد بهذه الطريقة خلال تلك الظروف الصعبة؟ تبقى الحقيقة هي الحقيقة.. فقد كان انهيار الاتحاد السوفياتي في الواقع، نتيجة محددة سلفا وقبل عامين. الآن، وقبل كل شيء، ينسب الراديكاليون والقوميون في أوكرانيا إلى أنفسهم فضيلة نيل الاستقلال، وكما نرى، لم يكن الوضع هكذا على الإطلاق.. لقد أدت الأخطاء التاريخية والاستراتيجية التي ارتكبها قادة البلاشفة في بناء الدولة والسياسة الاقتصادية والوطنية في أوقات مختلفة في ظل الحزب الشيوعي إلى تفكك الاتحاد السوفياتي، فقضية انهيار روسيا التاريخية تحت اسم الاتحاد السوفياتي متروكة لضمائر أولئك القادة، وعلى الرغم من كل هذه المظالم والخداع والنهب الذي تعرضت له روسيا، إلا أن شعبنا اعترف بالحقائق الجيوسياسية الجديدة التي ظهرت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، واعترف بالدول المستقلة حديثا، ولم يعترف وحسب، بل قامت روسيا الاتحادية نفسها، رغم الموقف الصعب الذي كان سائدا في ذلك الوقت، بمد يد العون للشركاء في رابطة الدول المستقلة بما في ذلك الزملاء في أوكرانيا، الذين بدأوا يتلقون آنذاك عددا كبيرا من طلبات الدعم المالي منذ اللحظة الأولى للاستقلال. لقد تجاوب بلدنا مع هذا الوضع الصعب وقدّم لأوكرانيا الدعم اللازم، مرفقا باحترام كرامة وسيادة أوكرانيا)).. هكذا يتحدث بوتين.. فمن يسمعه؟

تبعا لما سبق، ومن وجهة نظر الروس الحقيقيين، لا يمكن الحديث عن أوكرانيا كتجربة منفصلة.. فقد ((فشلت أوكرانيا في تكوين هيكل دولة مستقرة، بينما كانت الإجراءات السياسية والانتخابية تعمل فقط كغطاء من أجل إعادة توزيع السلطة والنفوذ والمصالح والممتلكات بين مختلف العشائر الأوليغارشية.. وقد اكتسى الفساد، الذي يمثل تحديا ومشكلة بلا شك للعديد من البلدان، بما في ذلك روسيا، طابعا خاصا في أوكرانيا، حيث اخترق الفساد الدولة الأوكرانية وتسبب في تآكلها وتآكل النظام بأكمله وجميع فروع السلطة، واستغل المتطرفون السخط الشعبي وأوقدوا الاحتجاج وقادوا انقلابا عرف باسم “انقلاب الميدان” عام 2014، في الوقت نفسه، نجحوا في الحصول على دعم مباشر من دول أجنبية، وبحسب التقارير، فإن الدعم المالي الذي قدمته السفارة الأمريكية لما يسمى “معسكر الاحتجاجات في ميدان الاستقلال” في كييف، بلغ مليون دولار يوميا، بالإضافة إلى ذلك، تم تحويل مبالغ ضخمة إلى الحسابات المصرفية لقادة المعارضة وصلت إلى حوالي عشرات الملايين من الدولارات.. فكم حصلت يا ترى أسر القتلى في النهاية؟ القتلى الذين أصيبوا بالفعل خلال الاشتباكات في شوارع وميادين كييف ومدن أخرى؟ من الأفضل عدم طرح هذا السؤال)) (المصدر خطاب بوتين).

هذا من حيث حقائق التاريخ، أما العديد من المواطنين في عدة بلدان، فإنهم يقعون ضحايا لمواقع التواصل الاجتماعي، ووسائل الإعلام ذات الخط التحريري المعروف، حيث يمكن لرئيس مثل زيلينسكي، “الخبير في التمثيل والسخرية وفي استخدام مواقع التواصل الاجتماعي”، مثل “اليوتيوب” و”الفايسبوك” و”الإنستغرام”، أن ينال الشعبية بدون تكلفة، ومعلوم أن وسائل التواصل الاجتماعي هي الخطوة الأولى نحو تفكيك الأوطان، ولا يمكن للعوالم الافتراضية أن تشكل بديلا للأوطان الحقيقية.

وقد أدى التعاطف مع ضحايا الحرب، إلى تراجع الحقيقة، والحقيقة هي أن “روسيا تواجه توسع حلف الناتو”، وهذا الأمر معروف لدى وسائل الإعلام الغربية، التي ترى أن بوتين يريد استرجاع أمجاد الاتحاد السوفياتي، حيث ((يرى بوتين، حسبما يعتقد أليكسي ماكاركين، من مركز التقنيات السياسية، أن أوكرانيا ستصبح جزء من حلف شمال الأطلسي بعد 10 إلى 15 عاما إذا لم تحلّ روسيا مسألة الأمن (الأمن بمعناه الروسي يتجاوز الحدود الروسية)، وستكون بذلك صواريخ الحلف في موسكو، وفي علامة على تصميم موسكو على إعادة المجد لها، وبعد ثورة موالية للغرب في كييف في العام 2019، ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم، فيما انتشر انفصاليون موالون لروسيا في شرق أوكرانيا، وبالنسبة لبوتين، لا يُفترض أن تعتبر أوكرانيا نفسها ضحيّة للإمبريالية القيصرية ثم السوفياتية وحاليا الروسية، ويعتبر أن الثورتين اللتين حصلتا فيها في عامي 2005 و2014، هما نتاج مؤامرة غربية للإطاحة بحكام موالين لروسيا.. وعلى موسكو أن تبدو قوية، أو حتى تثير الخوف، بنظر بوتين الذي ليس الاستسلام من طبيعته.. وقال في 2015: “إذا كان القتال أمرا لا مفرّ منه، يجب أن تكون أنت من يضرب أولا”)) (المصدر: موقع “فرنسا 24” متحدثا عن بوتين).

هكذا يتحدث الغرب عن بوتين، واللعبة الإعلامية كبيرة جدا، وضحايا الحرب كثيرون، والأمل معقود على الأيام المقبلة لتجاوز هذا الصدام بين الغرب و”روسيا التاريخية” فوق أوكرانيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى