((أخي فخامة الرئيس عبد المجيد تبون رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الشقيقة، السيدات والسادة الحضور، إنه لمن دواعي سروري أن أرحب بالرئيس عبد المجيد تبون في أول زيارة رسمية له إلى بلده الثاني مصر، متمنيا له إقامة طيبة وسعيدة، وأغتنم هذه المناسبة، لأعرب عن تقدير مصر البالغ للروابط التاريخية العميقة التي تجمعها مع الجزائر في ظل علاقات الأخوة بين الشعبين الشقيقين ووحدة مصيرهما وأهدافهما المشتركة)).. هكذا تحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله للرئيس الجزائري، وقد كان واضحا أن الهدف من الزيارة، هو “استنجاد” الجزائر بمصر، لمحاولة عقد اجتماع للجامعة العربية، بعد أن فشلت كل الجهود المبذولة لعقدها في ظل تباين وجهات النظر بين الأقطار العربية، وقد ذهبت التحليلات المعادية للمغرب، إلى القول بأن الرئيس المصري يدعم تنظيم قمة عربية في الجزائر، بينما لم يقم عبد الفتاح السيسي سوى بتخصيص فقرة واحدة من سطرين ضمن خطاب من عشر فقرات للحديث عن القمة.
يقول السيسي: ((.. ولا يفوتني في هذا الصدد، أن أعرب عن خالص تمنيات مصر للجزائر الشقيق بالتوفيق والنجاح في رئاسة القمة العربية المقبلة، وقد بحثنا آخر تطورات القضية الفلسطينية والجهود المبذولة لحفظ حقوق الشعب الفلسطيني الشقيق وتحقيق تطلعاته في دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية)).
إعداد : سعيد الريحاني
هكذا تحدث السيسي ولا مجال للتأويل، لكن هناك أسئلة تطرح نفسها بقوة: هل يمكن للجزائر أن تنظم قمة عربية في ظل مقاطعتها للمغرب؟ هل يمكنها استضافة القمة وهي تنتقد التواصل مع إسرائيل، بينما عدة دول عربية استأنفت علاقتها مع إسرائيل؟ كيف يمكن الجمع بين “المطبعين” و”غير المطبعين”؟ ثم ما هذه الثنائية الغريبة حيث ينتقد الرئيس الجزائري المغرب بسبب التطبيع مع إسرائيل، ويذهب إلى مصر التي سبقت المغرب إلى ذلك؟ كل ذلك يؤكد أن الجزائر فقدت البوصلة.
إن محاولة إحياء العلاقة القديمة بين مصر والجزائر، لا يمكن تصورها إلا في إطار تحالف ضد المغرب قد يعود بالأذهان إلى حرب “الرمال”، عندما اعتقلت القوات المغربية ربان طائرة عسكرية، كان هو حسني مبارك، الطيار الذي أصبح فيما بعد رئيسا للدولة المصرية، بل إن الوثائق العسكرية التي تم تداولها في وسائل الإعلام المصرية، أكدت أن مصر بخلاف اليوم، وقفت إلى جانب الطرف الجزائري في حرب “الرمال”.. فـ((بحسب الوثائق التي نشرت صحف مصرية مقتطفات منها، أنه في صباح يوم 14 أكتوبر 1963، نشبت مواجهة عسكرية بين دولة الجزائر ودولة المغرب، وبدأت في شكل مناوشات عسكرية حدودية سرعان ما تطورت لمعارك حربية شاملة عرفت باسم “حرب الرمال”.
ساندت الولايات المتحدة الأمريكية سياسيا وعسكريا دولة المغرب، بينما اختارت مصر جمال عبد الناصر مساندة دولة الجزائر سياسيا وعسكريا بمعدات وقوات مصرية على الأرض.. الدعم العسكري الأمريكي الخاص الذي حصل عليه المغرب شكل خطرا على الدولة الجزائرية، مما دفع القيادة المصرية إلى مساندة الجزائر بألف مقاتل من فرق “النخبة المصرية” مع كتيبة مدفعية مصرية بكامل تسليحها، وتشكيل جوي خاص من أحدث الطائرات السوفياتية الصنع والتي حصلت عليها مصر للتو من الاتحاد السوفياتي.. وطبقا لما تكشفه وثائق أرشيف الاستخبارات السوفياتية KGB، عن مجريات الأحداث في سادس يوم للمعارك بين الجزائر والمغرب، الموافق ليوم الأحد 20 أكتوبر 1963، يتضح أن القوة الجوية المصرية لم تكن مجرد طائرات مصرية مقاتلة، وأن تلك القوة تشكلت من حوالي 10 طائرات نفاثة مقاتلة من طراز “ميج 19- ميكويان جوريفيتش” السوفياتية الصنع، والمعروف أن أول إقلاع لها سجل بتاريخ 18 شتنبر 1953 وقد بدأ إنتاجها عام 1955 وأنتج منها 2172 طائرة)) (المصدر: موقع الأيام 24/ “حينما ساندت مصر الجزائر ضد المغرب في حرب الرمال”).

زيارة الرئيس الجزائري إلى مصر، ومحاولات تدارك الفشل في عقد قمة الدول العربية، يعد تشويشا كبيرا على العلاقات المغربية المصرية الحديثة، بل إن الملك محمد السادس كان من الأوائل الذين هنئوا الرئيس عبد الفتاح السيسي بتولي حكم البلاد، عقب الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد بعد الإطاحة بنظام الإخوان(..)، لأجل ذلك وللحفاظ على المكتسبات المغربية المصرية، فقد تكلف السفير المصري في الرباط، بإطلاق رصاصة الرحمة على الأهداف الخفية لهذه الزيارة، ومعلوم أن الدبلوماسيين لا ينطقون عن الهوى، وهي التصريحات التي وجدت صدى لها في عدة وسائل إعلام، بعد أن نجح موقع “هسبريس” في إجراء حوار مع السفير المصري الجديد، ياسر مصطفى كمال عثمان، قال فيه: ((إن مصر تدعم بقوة الوحدة الترابية للمملكة المغربية))، مؤكدا أن ((القاهرة لا تعترف بما تسمى “الجمهورية الصحراوية” ولا تقيم أي علاقات معها)).
تقول صحيفة “القدس العربي”: ((اللافت، أن تصريح السفير المصري نشر بالتزامن مع زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون للقاهرة، ونقلت عن صحافي جزائري تعليقا مسيئا لمصر حيث قالت: “واعتبر الكاتب الصحافي الجزائري عثمان لحياني، في تدوينة على حسابه في الفايسبوك، أن ذلك “قلة ذوق”، ونقلت عنه قوله: “الرئيس الجزائري في مصر، لكن القاهرة فضلت أن ترسل رسالة إلى الجزائر من الباب الخلفي في الرباط، عبر السفير المصري الجديد في المغرب، بأن مصر تدعم المغرب في قضية الصحراء المغربية وتساند وحدته الترابية، بل ويكشف السفير أن مصر شاركت في مؤتمر لدعم مبادرة الحكم الذاتي، ويعتبر أن الموقف المصري واضح وغير قابل للتأويل”.. “لم يكن من اللياقة واللباقة السياسية أن تفعل القاهرة ذلك، على الأقل على مستوى التوقيت السياسي المتزامن مع زيارة الرئيس إلى مصر، بل إنها قلة ذوق متعمدة، خاصة إذا علمنا أن السفير المصري في الرباط لم تمض على اعتماده كسفير سوى أيام فقط، بمعنى أنه مشحون بالشكل المطلوب من القاهرة التي تريد أن تحصد مرتين. بالنسبة للقاهرة، الشراكة في التطبيع أهم)) (المصدر: القدس العربي/ 25 يناير 2022).
وكان السفير المصري الجديد، قد صرح بشكل واضح لموقع “هسبريس”: ((أولا، يجب التأكيد أن مصر تدعم وبقوة الوحدة الترابية للمملكة المغربية، وترفض أي تدخل في شؤونها الداخلية، وترفض أي مس بوحدتها الترابية. ثانيا، نحن لا نعترف بالجمهورية الصحراوية ولا توجد لدينا أي علاقات مع البوليساريو. ثالثا، وهذا لا يتم ذكره، أن مصر كانت من بين الدول التي شاركت في يناير الماضي في مؤتمر عقده المغرب وأمريكا لدعم مقترح الحكم الذاتي.. كل هذا يشكل الموقف المصري ويدعم الوحدة الترابية للمغرب، ونحن نؤيد المسار الأممي وقرار مجلس الأمن الأخير الذي رحب به المغرب ورحبت به مصر أيضا، وبالتالي، عندما ترى الموقف المصري في مجموعه، فهو موقف قوي، ولا أعتقد أنه قابل للتأويل بشكل مختلف أو قابل حتى للتشكيك فيه.. موقفنا قوي وواضح مع الوحدة الترابية للمغرب)).
المغرب اليوم قوي على الساحة الدبلوماسية، بل وفي مواجهة دول عظمى، لذلك تدرك الجزائر أكثر من غيرها أنها مقبلة على فشل حتمي، ولكن “معاندة” المغرب تدفع النظام العسكري إلى مزيد من العزلة، في عز البحث عن حلفاء، وهو ما يؤكده جواب الدولة الجزائرية على لسان إعلامها، والنموذج مما كتبته جريدة “الشروق” حرفيا تحت عنوان:”من يريد إفشال قمة الجزائر؟”.

المقال ضمن ركن “الرأي”، لكن “الشروق” لا يمكن أن تنشر ما لا يتوافق مع خطها التحريري المعروف، حيث يقول صاحب المقال ما يلي: ((ما كشفته بعض وسائل الإعلام العربية نقلا عن مصادر مسؤولة بالجامعة العربية، عن أسباب تأجيل القمة العربية المقررة بالجزائر، من شهر مارس إلى منتصف السنة الجارية، يؤكد أن هناك دولا عربية تريد إفشال قمة الجزائر بافتعال ذرائع واهية.. لقد تحدّثت المصادر المسؤولة، وفقا لوسائل الإعلام العربية دائما، والعهدة على الراوي، عن فشل المشاورات التمهيدية في توفير أجواء تصالحية تضمن مشاركة فعّالة من جانب القوى العربية الأبرز، في ظل تباين المواقف حول ملفات، منها تمثيل الحكومة السورية، والعلاقات المتوترة بين الجزائر والمغرب، والوضع في ليبيا، بالإضافة إلى الموقف من التدخل الإيراني في بلدان عربية، وما يمكن أن يُفهَم من هذه الملفات، أن هناك دولا خليجية وعربية أخرى تريد أن تتطابق مواقف الجزائر تماما مع مواقفها باتجاه الاستمرار في استبعاد سوريا من الجامعة العربية إلى أجل غير مسمى، وتأييد حفتر، ومعاداة إيران، وإعادة علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، وهي كما نرى محاولة لمصادرة حرية القرار الجزائري وممارسة الوصاية عليه)).
نموذج هذا المقال هو طريقة للتفاعل السلبي مع “اللجنة التنظيمية” المختصة، وهي الجامعة العربية وليست الجزائر، كما أن المقال نفسه يؤكد الاختيارات الخاطئة للرهانات على الساحة الدولية بالنسبة للجزائر بخلاف المغرب، حيث يقول في خطاب تظلمي (رغم أن المغرب ليس ضد سوريا وليس ضد فلسطين): ((لا شيء يبرّر تواصل استبعاد سوريا من الجامعة العربية بعد مرور نحو 5 سنوات على توقف الحرب، لقد حان الوقت لتصحيح خطإ طرد هذا البلد من الجامعة ومنح مقعدها للمعارضة، وهي سابقة عجيبة في تاريخ العلاقات الدولية والمنظمات العالمية والإقليمية، ومخالفة صريحة للقوانين الدولية والأعراف والمنطق، ولعل الإصرار على استبعاد سوريا من الجامعة إلى حد الساعة، يحمل لجاجة وفجورا في الخصومة، ولم يعد له أيّ مبرر على الإطلاق، والغريب أن بعض الدول تصر على الاستمرار في معاداة سوريا وتمد يدها في الوقت نفسه للاحتلال الصهيوني، أما في ما يتعلق بإيران، فالجزائر تقيم علاقات متوازنة معها ومع دول الخليج، وهي تلتزم بالحياد الإيجابي بين الطرفين، ولا تريد أن تكون طرفا في نزاعاتهما المزمنة، ومن غير المنطقي أن تطالبها أي دولة، ضمنيا، بالانحياز إليها واتخاذ مواقف معادية لإيران، وإلا فإنها ستسعى لإفساد قمة الجزائر المقبلة.. هل طالبت الجزائر من قبل أي بلد كان سيستضيف إحدى القمم العربية، بالانحياز إليها ضد المغرب في ملف الصحراء الغربية، وإلا أفسدت القمة على أراضيه؟! أيّ منطق غريب هذا فيما يتعلق بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب؟ هذا قرار سيادي، وشأن جزائري خالص، وليس من المعقول أن تتذرع به أي دولة عربية لاتهام الجزائر ضمنيا بأنها تسببت في إفشال “المشاورات التمهيدية” الرامية إلى توفير “أجواء تصالحية” تسبق القمة العربية، هذه محاولة عبثية لليِّ ذراع الجزائر، وممارسة للضغط في غير موضعه، هو قرار سيادي اتخذته الجزائر في غشت الماضي، وله أسبابُه التي لا يتسع المجال للعودة إليها، وليس لأحد أن يملي على الجزائر ما تفعله وتقرره بكل سيادة، أو يلوح بإفشال قمتها إذا لم تستجب لضغطه وتتراجع عن قراراتها وتغيّر مواقفها وتراجع علاقاتها مع دول عربية وإسلامية أخرى لا تحظى برضى هذه الدول.
وبالمناسبة، ننبه إلى أن أخطر ما يواجه الجامعة العربية الآن، هو وقوعها تحت هيمنة دول تطبّع مع الاحتلال وتعادي القضية الفلسطينية، وتفجُر في خصومتها مع سوريا وإيران، وتنحاز إلى المغرب في خلافه مع الجزائر)) (المصدر: الشروق الجزائرية/ 26 يناير 2021).
هكذا يتحدث بعض الجزائريين، ومقدمة الفشل تظهر في تصريح من هذا النوع،والذي يتمم ما سبق: ((إذا أفشلت هذه الدول القمة المقبلة بذرائعها المختلَقة، فليس للجزائر إلا أن تنسحب من الجامعة العربية، وهي أصلا ستتحوَّل في السنوات القادمة، وبمباركة دول التطبيع والهرولة، إلى جامعة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتضمّ إليها الكيانَ الصهيوني وتركيا، طبقا لمخطط الشرق الأوسط الجديد الذي تعمل أمريكا على تجسيده منذ غزو العراق في 2003 إلى الآن، وليس للجزائر ما تفعله في مثل هذه الجامعة..)).



