تحليل إخباري | محاولة تشويه سمعة المغرب مع المسلمين والصين
هل لعبت المخابرات العالمية في قضية "المسلم الإيغوري" ؟
اسمه “يديريسيإيشان”، غير أنه اشتهر في المغرب باسم “إسلامي” هو “إدريس حسن”، منذ اعتقاله يوم 19 يوليوز الماضي بمطار الدار البيضاء، من لدن المكتب الوطني لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وكان هذا القرار قد اتخذ بناء على وجود مذكرة بحث صادرة عن “الأنتربول”، تم إلغائها فيما بعد، لكن الأمن المغربي فضل التشاور مع المسؤولين في الصين، الذين أكدوا أنه مطلوب في “قضية إرهاب”، ليتم اعتقاله منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا، حيث تتواصل المناشدات الداعية إلى عدم تسليمه للصين، والكل يتحدث عنه باعتباره مسلما يجب حمايته، بما في ذلك المنظمات التي لا علاقة لها بالإسلام..”هل يعقل أن يقوم المغرب، البلد المسلم، بتسليم مواطن مسلم إلى الصين، حيث ينتظره مصير مجهول؟”.. هكذا يتساءلون، لكن أصواتا قليلة ستتساءل: “لماذا جاء أصلا هذا المسلم إلى المغرب وهو يعرف أنه مبحوث عنه، وسيتم إلقاء القبض عليه؟ وهل هذا وقت السياحة؟ ولماذا اختار مغادرة البلد الإسلامي تركيا في هذا التوقيت بالذات بينما كان يعيش هناك رفقة عائلته بسلام؟ هل دفعته جهة ما نحو هذا السفر الملغوم؟ هل هي لعبة من لعب المخابرات لتشويه الصورة الإسلامية للمملكة المغربية؟”..ويا لها من ورطة، حيث جرّت خطوة الاعتقال على المغرب، غضب المسلمين، لأن الموضوع يكتسي طابعا عاطفيا.
الكل يستنكر إمكانية تسليم هذا الناشط”الإيغوري” للصين، لكن لا أحد يتساءل ماذا جاء يفعل في المغرب؟ وانظروا لقمة “الطنز”، حيث بدأت وسائل الإعلام التركية تروج بشكل “عاطفي”، لنداء زوجة هذا المعتقل عبر التلفزيون، تقول فيه بلهجة عربية مستعطفة: ((نناشد الملك المغربي محمد السادس، حفظه الله، للتدخل والإفراج عن زوجي وعدم تسليمه إلى الصين)).
إعداد : سعيد الريحاني
هكذا إذن، يحاول الإعلام التركي إقحام المؤسسة الملكية في قضية هذا الناشط “الإيغوري”، حيث لا يعرف معظم المغاربة عن “الإيغور”، قبل هذه الشهرة الإعلامية، سوى الاسم، فمن هم “الإيغور”؟
تعرف وسائل الإعلام الدولية “الإيغور” كما يلي: ((الإيغور مسلمون وتعود أصولهم عرقيا إلى الشعوب التركية، ويعتبرون أنفسهم أقرب عرقيا وثقافيا لشعوب آسيا الوسطى..ويبلغ عددهم في الصين 11 مليون شخص،ويشكلون حاليا نحو 45 في المائة من سكان إقليم شينجيانغ، في حين تبلغ نسبة الصينيين من عرقية الهان نحو 40 في المائة، والإقليم الواقع في شمال غربي البلاد هو أكبر إقليم في الصين ويتمتع بالحكم الذاتي، ويجاور الإقليم الهند وأفغانستان ومنغوليا.. وظل اقتصاد المنطقة لقرون قائما على الزراعة والتجارة، إذ كانت بعض المدن مثل كاشغار، مراكز رئيسية على “طريق الحرير”الشهير.. وفي أوائل القرن العشرين، أعلن الإيغورعن استقلالهم لفترة وجيزة، ولكن الإقليم وقع تحت سيطرة الصين الشيوعية عام 1949، ومنذ ذلك الحين، انتقل عدد كبير من عرقية الهان إلى الإقليم، فيما تخشى عرقية الإيغور من اندثار ثقافتها)) (المصدر: وكالات).
هذا من حيث التعريف، ويجب التأكيد أن عددا كبيرا من وسائل الإعلام المتاحة في المغرب، تتبنى خطا تحريريا مناهضا للتجربة الصينية، ولا تهمها “حقوق المسلمين”، وهنا يجب إعادة طرح السؤال حول “تحركات الإيغور عبر العالم”.
الجواب الأولي يؤكد أن “تسليم نشطاء إيغور” للسلطات الصينية، ليس مسألة جديدة، بل إن الحادثة التي وقعت للناشط “إدريس” في المغرب، سبقتها حوادث مماثلة، حيث تورطت دولة مصر – على سبيل المثال – في قضية “الإيغور”، بل وتم توريط الأزهر في هذا المشكل العويص، وهنا تكفي قراءة شهادات بعض “الإيغوريين” الذين كانوا يدرسون في مصر لوسائل الإعلام، في هذا الصدد يقول أحدهم: ((كنا ندرس في مصر من دون أي تضييق أو مشكلات، وكانت الحكومة المصرية تقدم لنا تسهيلات، وكذلك الأزهر، وفي يوليوز 2017، حدث أسوأ كابوس لنا، وشكل نقطة فارقة في تاريخنا ومستقبلنا وهويتنا وعقيدتنا، إذ شنت الشرطة المصرية حملة اعتقالات واسعة ضد المسلمين الإيغور، الذين يدرسون في الأزهر، وسمحت لضباط صينيين بالتحقيق معهم في القاهرة، ثم رحّلت بعضهم قسرا إلى الصين، حيث قتل البعض في المعتقلات..))، وتقول مصادر إعلامية: ((منذ سنة 2017، شنت الحكومة المصرية حملة قبض عشوائية على الطلاب الإيغور الدارسين في الأزهر دون سند قانوني، وسمحت لضباط أمن صينيين أن يحققوا معهم داخل مصر، قبل أن ترحل مجموعة منهم لاحقا إلى الصين، بناء على طلب من الأمن الصيني)) (المصدر: موقع درج/ استقصاء 23 يناير 2020).

حال مصر ليست هي حال المغرب، على الأقل من حيث العدد، لكن الحديث عن بعض “الإيغوريين” ليس مرتبطا دائما بتقارير إيجابية، والكلمة المفتاح هي “تركستان”، و((تركستان مركب مزجي من كلمتين هما”ترك” و”ستان”، ومعناها: “بلاد الترك”، وهي منطقة واسعة في آسيا الوسطى تقسمها الجبال التي في وسطها إلى قسمين: تركستان الشرقية وتركستان الغربية، أما تركستان الشرقية، فقد احتلتها الصين وغيّرت اسمها إلى “شينجيانغ”، وتعني بالعربية المستعمرة الجديدة، وتركستان الغربية تشمل خمس جمهوريات إسلامية استقلت حديثا عقب انهيار الاتحاد السوفياتي وهي: جمهوريات كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان وقيرغيزستان، وهي شعوب يرجع أصلها إلى تركيا، ويخلط بعضهم بين الأتراك والعثمانيين، فالترك اسم جنس مثل العرب والفرس، والعثمانيون جزء من الأتراك مثل غيرهم كالأوزبك والطاجيك، فكل عثماني تركي، وليس كل تركي عثمانيا)) (المصدر: موقع “الجزيرة”).
“الإيغور” هم الأغلبية من الأقليات التي توجد في تركستان الشرقية (شينجيانغ)، ويوصف بعضهم بأنهم كانوا يشكلون النواة الأساسية لـ”الجيش السري لأردوغان”، فمن هو هذا الجيش؟
تقول التقارير الإعلامية: ((هو منظمة إرهابية مرتبطة بتنظيم “القاعدة”، يُرمز لها بـ”TIP”، جاء معظم إرهابييها من إقليم سنجان غرب الصين، الذي يتمتع بحكم ذاتي.. وفي عام 2009، وضعت واشنطن، التركستاني على لائحة التنظيمات الإرهابية، لارتباطه بتنظيم “القاعدة”، ولقي حتفه في باكستان سنة 2003، وجاء بعده عبد الحق التركستاني، ليتحول الحزب على يديه نحو العالمية ويبدأ بالتوسع وقتال الجيش الصيني ثم الباكستاني حتى وصل إلى سوريا.. وقد تأسست المنظمة رسميا في سوريا أوائل عام 2014، وتبعت تنظيم جبهة “النصرة” (القاعدة)، وكان زعيمه آنذاك الإرهابي المعروف بـ”أبو رضا التركستاني”، قتله الطيران السوري في غارة على مشفى “جسر الشغور” التي كانت معقلا له، فجاء بعده الإرهابي “إبراهيم منصور”.. أول ظهور لإرهابيي الحزب الإسلامي التركستاني (الإيغور) في سوريا، كان منتصف عام 2012 بأعداد قليلة، وبدأ العدد يتضاعف ليظهروا في محافظات حلب وإدلب وحمص واللاذقية، والداعم الأساسي هو جهاز الاستخبارات الوطنية التركي “MİT” برئاسة هاكان فيدان، وأمنت المخابرات التركية وصول إرهابيي “الإيغور” من الصين إلى سوريا)) (المصدر: موقع “تركيا الآن”).
((شن الحزب الإسلامي التركستاني مع جبهة “النصرة” (القاعدة) عدة عمليات ضد الجيش السوري والمدنيين، واشتهر بالانتحاريين من جنسيات أجنبية، وكان أول ظهور علني لمقاتليه، في ماي 2014، حين شن التنظيم هجوما مسلحا على أريحا، وشاركت ميليشيات “جند الأقصى” و”فيلق الشام” وحركة “أحرار الشام” و”أجناد الشام” و”جيش السنة” و”لواء الحق”، في الهجوم إلى جانب جبهة “النصرة”.. يومها ظهر الانتحاري “أبو هريرة” الأمريكي ابن ولاية فلوريدا، والذي كان يبلغ حينها 22 عاما، وكان لاعب كرة سلة سابقا، واسمه الحقيقي “منير محمد أبو صالحة” من أب فلسطيني)) (نفس المصدر).
لحسن حظ المغرب، أنه ليس هو سوريا فيما يتعلق بالأزمات وبما سمي الربيع العربي(..)، ولكن قضية الناشط “الإيغوري” فرضت نقاشا قانونيا حول إمكانية تسليمه للصين، وفي هذا الصدد، كان للقضاء المغربي كلمته في الموضوع، لكن ضغط مواقع التواصل الاجتماعي، الذي اكتسى طابع المناشدات لـ”إطلاق السراح” و”عدم التسليم للصين”، حال دون قراءة حيثيات التعليل الذي تقدمت به محكمة النقض وهي “تجيز تسليم إدريس للصين”.

في هذا الصدد،تفيد المعطيات التي كشفت عنها محكمة النقض بأن ((مكتب الأمن العام بولاية باين قوه لنغ بمنطقة شينجيانغ الإيغورية في الصين، تلقى في شتنبر من سنة 2013، بلاغات من الجمهور تفيد بأن شبكة على الأنترنيت باسم siddiqlar تقوم بنشر المعلومات المتعلقة بالعنف والإرهاب بشكل سافر، وقام مكتب الأمن العام سالف الذكر، بالتحقق فور تلقي البلاغات، ووجد أن اسم الشبكة يعني “الموالون” باللغة الإيغورية، وذكر أنها تقوم بتحريض الإرهابيين والمتطرفين على ارتكاب جرائم العنف الإرهابي..وجاء في قرار محكمة النقض أن المواطن الصيني المطلوب تأثر خلال دراسته بفرع جامعة الصين للبترول، بأفكار التطرف الديني والإرهاب العنيف، ونشر تصريحات إرهابية ومتطرفة مثل “تصفية الكفار” و”شهداء الجهاديين في الجنة”..وأبرزت المعلومات المتضمنة في القرار، أن المواطن الصيني انضم سنة 2012 إلى منظمة “حركة تركستان الشرقية الإسلامية” وأرسل إلى تركيا من قبل منظمة إرهابية من أجل الانخراط في الفضاء السيبراني لأغراض الدعاية، وعمل كمدير لموقع “الموالون” التابع للحركة، وذكر القرار، أن المواطن الصيني كان مسؤولا على نشر مقاطع صوتية ومرئية عنيفة وإرهابية أنتجتها المنظمة المذكورة على موقع “الموالون”، وقام بنشر أفكار التطرف الديني والإرهاب والتحريض على الهجمات الإرهابية ضد الصين، وقام بتعليم تكنولوجيا التفجير ودروس استخدام الأسلحة)) (المصدر: موقع “هسبريس”/ 11 يناير 2022).
معطيات محكمة النقض، التي تعرضت لجلد كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يتحدث أحد في زمن “الفايسبوك”، عن تحقير المقررات القضائية(..)، بل إن دفاع المعتقل الصيني، قال إن “التسليم ذو طبيعة سياسية”، و”أن القرار غير صادر عن هيئة قضائية صينية”، غير أن محكمة النقض المغربية ردت على الدفوع التي قدمها محامي المواطن الصيني، بأن ((“طلب التسليم موضوع هذه القضية قد تم من طرف وكالة الأمن السيبراني بوزارة الأمن العام بالصين”، وأشارت إلى أن “اتفاقية تسليم المجرمين بين البلدين تبين أن طلب التسليم يتضمن الجهة المختصة في إصداره، ولدى الصين الصلاحية في تحديد الجهة التي لها صفة تحرير طلب التسليم، سواء كانت الشرطة الصينية أو السلطات القضائية الصينية”، وفيما يخص كون طلب التسليم له صبغة سياسية ومبني على العنصرية والدين وماس بحقوق الإنسان، أشارت محكمة النقض إلى أن “الاتفاقية المذكورة تنص على أن أسباب الرفض الإلزامي للتسليم، من بينها: إذا كانت الجريمة سياسية، وجرى استثناء أي جريمة تتعلق بالإرهاب، واعتبرت أنها لا تعد من قبيل الجرائم السياسية”،وأوضح قرار محكمة النقض أن “الأفعال التي طلب من أجلها تسليم المواطن الصيني، يتبين أنها تتعلق بجرائم إرهابية وليست لها طبيعة سياسية”، ولذلك اعتبرت أن “دفع هيئة الدفاع على غير أساس”)) (نفس المصدر).
بغض النظر عن تسليم “الناشط الإيغوريإدريس” إلى الصين من عدمه، ومعلوم أن قضية “الإيغور” تطرح إشكالا كبيرا، حتىأن بلدا كبيرا مثل روسيا تنأى بنفسهاعن هذا الموضوع، بينما المغرب يوجد اليوم في قلب العاصفة، بعد أن وضعته هذه القضية بين المطرقة الأمريكية التي تشهر في وجهه ورقة حقوق الإنسان، والسندان الصيني، حيث لا يوجد أفضل من الصين كشريك جاد للتعاون معه مستقبلا، عبر مبادرة “الحزام والطريق” أو غيرها من المبادرات، طالما أن الشعب المغربي يحظى بتعاطف من الرئيس الصيني شي جين بينغ، لهذا يطرح سؤال: هل هذه القضية كلها من تدبير المخابرات العالمية لتشويه سمعة المغرب مع المسلمين في العالم، والإساءة للعلاقات المغربية الصينية ؟



