تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | الصحافة الورقية..عندما ينتهي الأصل ويبقى التقليد

العالم الافتراضي يعجل بانهيار الصحف

((نتمنى أن تستمتعوا بهواتفكم الحقيرة)).. جملة لن ينساها قراء الصحف الورقية في أمريكا، بعد أن قررت صحيفة “إكسبريس” استعمال هذا “المانشيت” لتوديع قرائها قبل ما يناهز السنتين، ويبدو أن هذه الصحيفة قد اختارت اتهام الهاتف ومن خلاله باقي الأجهزة الإلكترونية، بالتآمر على الصحافة الورقية، وقتلها، ولم تمر سوى مدة قصيرة قبل أن تخرج جائحة “كورونا” إلى العلن، لتواصل مهمة قتل الصحافة الورقية، رغم أنها الأصل والباقي تقليد.

 

تتمة المقال تحت الإعلان

إعداد : سعيد الريحاني

تتمة المقال تحت الإعلان

 

تتمة المقال تحت الإعلان

    في تفسير الظاهرة، المرتبطة بأثار ما بعد الجائحة، يقول المجلس الوطني للصحافة، في آخر تقرير له صدر قبل أيام: ((من ضمن البلدان التي تأثرت صحفها بشكل كبير، نجد الولايات المتحدة الأمريكية، حيث شملت التأثيرات السلبية المجموعات الاقتصادية الكبرى، وأصبحت مقاولات صحفية متعددة تحت مراقبة صناديق استثمارية وأبناك، نظرا لما بذمتها من ديون مقترضة من هذه المؤسسات المالية، وبعد انهيار أسهمها في البورصة وتراجع مبيعاتها وابتعاد المعلنين عن صحفها الورقية وتحولهم صوب الصحافة الإلكترونية، وهذا ما وقع للمجموعة الصحفية Gannett الناشرة لأكبر الصحف الوطنية والجهوية في أمريكا، إلا أن الأزمة لم تصب الصحف الوطنية فقط، بل تسللت كذلك لأكبر ناشري الصحف الجهوية الأمريكية العريقة، مثل مجموعة McClatchy التي تصدر أكثر من 30 جريدة جهوية موزعة في 14 ولاية أمريكية، والتي اضطرت إلى الإعلان عن إفلاسها، بعد أن تجاوزت ديونها 700 مليون دولار، مما جعلها تحت وصاية أحد صناديق الاستثمار من بين دائنيها الكبار)) (المصدر: تقرير المجلس الوطني للصحافة).

ولا فرق بين أمريكا وروسيا فيما يتعلق بأزمة الصحف: فـ((في روسيا، تم إغلاق 60 %من أكشاك بيع المطبوعات التي يتعدى عددها 400 منشور يوميا، بسبب تدني المبيعات والانخفاض المهول لعائدات الإعلان، وتوقف النسخ الورقية نهائيا،أما بالنسبة للعالم العربي، فقد انخفض انتشار الصحف المطبوعة، حيث وصل في مصر إلى نحو 50 ألف نسخة يوميا من أصل مليوني نسخة سنة 2013، كما تراجعت مداخيل الصحف من التوزيع بدرجة غير مسبوقة، وتقلص عدد صفحات بعض الصحف من 24 إلى 8 صفحات، وانخفضت الإعلانات بنسبة 75 في المائة، وفي دول الخليج، أعلنت صحيفة “الحياة” الشهيرة في السعودية، عن توقف موقعها الإلكتروني نهاية سنة 2020، بعد توقف جريدتها الورقية سنة قبل ذلك، بعد 70 عاما من انطلاقتها، كما توقفت طباعة الصحف في كل من الكويت والأردن)) (نفس المصدر).

جريدة “إكسبريس” ودعت قراءها بعبارة: “نتمنى أن تستمتعوا بجوالاتكم الحقيرة”

في المغرب،لعبت الصحافة الورقية منذ نعومة أظافرها، دورا كبيرا على المستوى السياسي والحقوقي، بل إنها كانت إحدى أدوات مقاومة المستعمر، وسلاحا فتاكا بيد الحركة الوطنية، ويرجع لها الفضل في تربية أجيال كاملة على قيم الوطنية، لكن واقع ما بعد الجائحة، أصبح يفرض الحديث عن مستقبل هذا النوع من الصحافة، الذي يفاجئنا كل يوم بإغلاق منبر جديد، حتى أن الجسم أصبح هزيلا ومقبلا على الانقراض.

((إن الأزمة العامة التي يعرفها القطاع، تعتبر من طرف المهنيين، خطرا حقيقيا على الصحافة، التي وصلت اليوم إلى وضعية غير مسبوقة، بالرغم من أنها جربت كل الأزمات والأهوال قبل خمس سنوات، والمفارقة أنه في ظل “الوباء العالمي” الذي تزامن مع جائحة “كورونا”، ظهرت في المغرب، كما في دول كثيرة، الحاجة إلى الصحافة المحترفة والصحافة المبنية على قواعد العمل الصحفي والأخلاقي، وهذه الصحافة مهددة بشبح الإفلاس..فالمؤشرات القطاعية ناطقة وتؤكد أن ملامح الأزمة المركبة بارزة اليوم بشكل جلي على مستوى التوزيع والمبيعات والإشهار وكتلة القراء، وكذا على مستوى الشكل والوعاء وطبيعة المضامين الإعلامية، إضافة إلى الجوانب الاقتصادية والمالية للمقاولات الصحفية، ومن مفارقات الأزمة، أن مجرد عودة طباعة الصحف بعد الحجر الصحي، اعتبر مؤشرا إيجابيا بغض النظر عن نتائجه الرقمية، ورغم ذلك، فإن الصحف لم تعد كلها للصدور في شكلها الورقي، بل احتفظ بعضها بشكله الرقمي(PDF)المتاح بالمجان، كما اضطر بعضها الآخر إلى إعادة رسملة أسهمه، وتوقف بعضها الآخر عن الصدور، بالنظر إلى الصعوبات التي واجهها بفعل الوباء، وكانت الأزمة الهيكلية قد تسببت في تراجع الصحف الورقية بالمغرب بشكل كبير خلال العامين الماضيين، وذلك بتوقف حوالي 58 في المائة منها بسبب تراجع حجم المبيعات، حيث لم يتبق منها سوى 105 صحف ورقية، وفي سنة 2020، جزء مهم منها يصنف في عداد غير المهيكل))(نفس المصدر).

ولأن الصحافة الورقية الوطنية ليست مجرد مقالات تنشر في الهواء، فمن الطبيعي أن يكون واحد من المشاكل المهددة لها، هو مشكل التوزيع، وقد وردت الإشارة لهذا العائق في تقرير المجلس الوطني للصحافة تحت عنوان:”التوزيع: شبكة المشاكل العنكبوتية”.

فبالرغم من الاندماج الذي أقدمت عليه كل من شركتي “سوشبريس” و”سابريس” في كيان واحد، حيث أصبحت المتحكمة في سوق توزيع الصحف الوطنية والأجنبية، إلا أن ذلك لم يساعدها على تجاوز عجزها المالي ولا على حل معضلة التوزيع، فقد كانت “سابريس” توزع 138 صحيفة يتم نشرها بانتظام، فيها اليوميات وأغلبها أسبوعيات وشهريات، وحسب معطيات الشركة، فإنه لم يعد من هذه الصحف بعد رفع الحجر الصحي وعودة طباعة الصحف إلا 56 جريدة منتظمة إلى حدود شهر أكتوبر2020، وتشير نفس المعطيات إلى أن الصحف الوطنية المنتظمة وزعت منها “سابريس” بعد الحجر، ما معدله 108.770 نسخة في اليوم ضمنها 19 يومية من خلال شبكة تتكون من 2616 نقطة للبيع في 12 جهة من جهات المملكة، بمتوسط يومي للبيع وصل إلى38.550 نسخة.

وما يبرز حجم تراجع مبيعات الصحف الوطنية بسبب “كورونا” بالمقارنة مع الأرقام التي كان عليها الوضع قبل الجائحة، نجد أن “سابريس” وزعت أكثر من 66 مليونا و600 ألف نسخة في سنة 2018 عبر 5000 نقطة بيع، برقم معاملات بلغ 135 مليون درهم، وهامش ربحي يصل إلى 0.50 سنتيم في كل نسخة.

إنها تعاني من تدني مداخيلها بسبب تكاليف التوزيع، وتقول “سابريس” أنها أقل من7 إلى 12 مرة من أسعار السوق بالمقارنة مع منتوجات شبيهة، وبالتالي، فهي لا تفي بمتطلبات استمرار خدمة التوزيع على نحو قار وآمن، مما يهدد مصير الشركة ومعها استمرارية توزيع الصحف الوطنية، كما تعتبر أن كلفة التوزيع تبلغ حوالي 90 في المائة من القيمة الثابتة، والتي لا يمكن – بحسبها -تغطيتها بالكميات الضعيفة التي يتم توزيعها حاليا، وترى كذلك أن النموذج الحالي غير مربح بالنسبة لها، على اعتبار أن سعر الجرائد مقيد بالمغرب بالقوة الشرائية، وأن هامش الربح لا يعتمد على طبيعة الخدمة المقدمة وحجمها وأهميتها، بقدر ما يعتمد هامش الربح على العدد الذي يتم بيعه والذي تعود فيه 15 في المائة من قيمة العدد إلى صاحب الكشك و15 في المائة للموزع.

وحسب مسؤولي هذه الشركة، فعندما يباع عنوان أجنبي تكسب 7 أو 8 أضعاف ما تستخلصه من عنوان وطني، وبالتالي، فهي تعتبر أن الصحافة الدولية أهم من توزيع الصحافة الوطنية، مما يجعلها تلوح بعدم جدوى توزيع المنتوج المغربي، إلا أن ناشرين يرون أن هناك أسبابا أخرى تفسر اختلال التوزيع، على رأسها التحول في نشاط الشركة التي كان توزيع الصحف النشاط الرئيسي لها، وباتت توزع مئات المواد التي دفعت إلى اختفاء عدد مهم من نقاط البيع الخاصة بالصحف بشكل حصري(المصدر: تقرير المجلس الوطني للصحافة، الصادر عنه لجنة المنشأة الصحفية وتأهيل القطاع).

ولا تقف مشاكل الصحافة الورقية عند هذا الحد، بل إن الدعم واحد من مشاكلها، حيث تتعامل الوزارة الوصية على القطاع، مع الدعم العمومي للصحافة الورقية، كصدقة تثقل كاهل الدولة، بينما الصحافة تنوب عن الدولة في كل معاركها الأساسية في مواجهة الخصوم وفي التعريف بما يتم إنجازه، ولولا الصحافة لما عرفت الحكومة.. فهل سيكون الوزير الشاب المهدي بنسعيد في مستوى التطلعات، للحفاظ على ما تبقى من هذه الصحافة الضرورية؟

ولا غرابة أن تجد الحديث عن الواقع المؤلم للصحافة الورقية قد تحول إلى حديث ذي شجون في الصحافة العالمية، فقد ((صار مشهد رجل في المقهى وهو يطالع جريدته الصباحية أو المسائية، من ذكريات زمن عبر بكل جمالياته ونشوته، وبكل العز الذي راكمته الصحافة الورقية بالمغرب طيلة عقود من العطاء والتميز..

الأزمة الورقية التي تعيشها الصحافة في المغرب ليست وحدها المرتبطة بـ”كورونا”، بل سرى الفيروس في جسد الصحافة الورقية على مستوى العالم، ويتذكر القراء آخر عدد من صحيفة “إكسبريس” الأمريكية التي كانت واسعة الانتشار، حيث خصصت صفحتها الأولى من عددها الأخير، لعبارة ستظل ترن في أذن العالم:”استمتعوا بهواتفكم الحقيرة”، هي الدليل على أن الرقمي هزم الورقي، لكنه لم يهزم بكل تأكيد الصحافة المكتوبة.. بالنسبة للمغرب، الوضع نفسه، جرائد غادرت إلى دار البقاء وبقيت مجرد ذكرى يتناقلها القراء من الزمن الجميل، وبعض الصحافيين الذين كانوا من بين طواقمها، وجرائد أخرى تقاوم بما تبقى لها من أمل في أن يعود القارئ إلى طاولته في المقهى أو عاداته الصباحية وأن يقتني نسخة ويطالع ما جادت به قريحة الزملاء.
تلك الجرائد الصامدة لحد الآن، منها العريقة التي لا يسمح لها تاريخها بأن تتخلى عن الساحة، فهي كانت وما زالت الأساس في المشهد الإعلامي المكتوب في المغرب، ومنها أخرى تقاوم بزاد يأتيها من دعم الدولة التي تحاول أن تحافظ على بقاء المنابر الإعلامية على اختلاف توجهاتها ومشاربها حاضرة في المشهد اليومي السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي))(المصدر: القدس العربي / 20 أكتوبر 2020).

إن الحديث عن الصحافة، سواء من خلال الهيئات النقابية وعلى رأسها النقابة الوطنية للصحافة التي يترأسها عبد الله البقالي، أو المجلس الوطني للصحافة الذي يترأسه يونس مجاهد، أو فيدرالية الناشرين التي يترأسها محمد مفتاح، أو جمعية الناشرين التي يترأسها عبد المنعم الديلمي، أو هيئات أخرى، ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار أن الصحافة وصلت إلى مستوى النكبة، وفي هذا الصدد، يقول يونس مجاهد، أن ((الوضعية الحالية لقطاع الصحافة في المغرب عنوانها الأزمة، محذرا من أن القطاع أصبحاليوممنكوبا، لأنه لا مداخيل له، خاصة وأن المصاريف لم تتغير وهي مرتفعة)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى