تحليل إخباري | مخطط الاتحاد الاشتراكي لـ”تفجير” مؤسسات الدولة من الداخل
اتحاديان يحكيان عن أصل الخلاف بين اليوسفي والشبيبة
هل أخطأ الزعيم الاتحادي عبد الرحمان اليوسفي في قبوله بدخول الحكومة، وقيادة تجربة التناوب؟ هل أخطأ من خلال مشاركته في الحكم؟ سؤال أجاب عنه كثيرون، لكنها المرة الأولى التي ينبري فيها اتحاديان، لا يشك أحد في انتمائهما لمدرسة الاتحاد الاشتراكي، للإجابة عن هذا السؤال، في كتاب يزداد تداوله مع تعيين رئيس حكومة جديد(..)، وبغض النظر عن الزمن السياسي وأسباب النزول، فإن كلا من محمد حفيظ، الكاتب العام السابق للشبيبة الاتحادية (عندما كانت بمثابة حزب داخل الحزب الكبير)، أو محمد بوز، القيادي الوطني، وكلاهما صحافيان وجامعيان، اختارا الإجابة عن هذا السؤال من منطلق تجربتهما الذاتية، تحت عنوان: “أوراق من زمن السياسة/ اليوسفي كما عشناه”.
إعداد : سعيد الريحاني
بين السعي لنيل ثقة القصر، أو ثقة الرأي العام، يحكي الكاتبان: ((يمكن مثلا تفسير رد فعل عبد الرحمان اليوسفي، الوزير الأول، في دجنبر 2000، ضد نشر جريدة “لوجورنال” لوثيقة نسبت إلى أحد قادة المقاومة وجيش التحرير والاتحاد الوطني للقوات الشعبية البارزين، الراحل محمد الفقيه البصري، يكشف مضمونها عن تواطؤ مفترض لقادة هذا الحزب، مع المشاركين في المحاولة الانقلابية ضد الحسن الثاني سنة 1972، التي كانت قاب قوسين أو أدنى من الإطاحة بنظام ملكي عمر في المغرب لعدة قرون، ففي تقدير اليوسفي، فإن نشر تلك الوثيقة التاريخية، وفي ذلك التوقيت بالذات، كان الهدف منه هو تأليب دواليب القرار، أو الدولة العميقة، بتعبير المشارقة، عليه وعلى تجربة التناوب التي يقودها، وكما جاء على لسان الأستاذ عبد العزيز النويضي، الذي شغل مهمة مستشار بديوانه مكلف بحقوق الإنسان، فإن اليوسفي اعتبر أن نشر تلك الرسالة يدخل في عمل يسعى إلى نسف بناء الثقة مع المؤسسة الملكية، التي كان يحرص عليها أشد الحرص، ولذلك أقدم على منع أسبوعية “لوجورنال”، التي نشرت تلك الوثيقة/ الرسالة، بل ومنع معها أسبوعيتي “الصحيفة” و”دومان” رغم أنهما لم تنشراها، وإنما أشارتا فقط إلى بعض مضامينها، وهو المنع الذي له تأثير على صورة اليوسفي، المناضل الحقوقي، والصحافي الذي سبق له أن كان ضحية الاعتقال، فقط لأن الجريدة، التي كان يرأس تحريرها (التحرير)، نشرت يوم 14 دجنبر 1959، افتتاحية تتضمن جملة تقول: “إذا كانت الحكومة مسؤولة أمام جلالة الملك، فهي مسؤولة أيضا أمام الرأي العام”.. واليوسفي لم يخف في حينه، ما كلف ذلك القرار الذي تسبب في فقدانه الكثير من الأصدقاء، كما يحكي الأستاذ النويضي وهو يتحدث عن هذه الواقعة: كان قرار المنع صادما فاجأنا جميعا. وانهالت الانتقادات على الوزير الأول من كل حدب وصوب. في تلك الفترة وردت عليه رسالة ملكية كان اللافت تضمينها عبارة غير معهودة في التواصل بين الملك والوزير الأول، ألا وهي: “إلى الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي، الذي نعزه ونحترمه”.. دخلت في الصباح الموالي إلى مكتبه وقلت للسي عبد الرحمان: “لاشك أن لغة هذه الرسالة تبعث فيك السرور”، فأجابني بنبرة لا تخلو من حزن: “نعم، لكنني فقدت الكثير من الأصدقاء”)) (المصدر: كتاب “أوراق من زمن السياسة/ اليوسفي كما عشناه”، تأليف محمد حفيظ وأحمد بوز).

بلغة الجزم وبأسلوب الصحافة الصارم، يقول الكاتبان: ((نعم، نعتقد أن اليوسفي أخطأ في تقدير المرحلة، حين دفع الحزب إلى التصويت على دستور 1996، الذي يعد تراجعا من حيث مضامينه حتى على دستور 1992، الذي صوت الحزب ضده، ونرى أنه أخطأ أيضا لما خاض تجربة التناوب التوافقي، بعد انتخابات زورت فيها مقاعد لفائدة الحزب، والأكثر من ذلك، لم يقدم فيها الملك الراحل ما يكفي من الضمانات التي تسمح للحكومة بهامش من التصرف في تطبيق الاختيارات وتجسيد البرامج، وهذا ما سيعترف به لاحقا اليوسفي نفسه في محاضرته الشهيرة التي ألقاها ببروكسيل، في فبراير من سنة 2003.. في كل ذلك، لم نكن نخلط بين الشخصي والسياسي، كنا وبقينا نحترم شخصه ونقدره، وظل الصراع معه في إطاره السياسي، وزاد احترامنا له حين أحسسنا بأنه هو الآخر لا يريد أن تتأثر العلاقات الإنسانية بما وقع، وتأكد ذلك لما استقبلنا بمنزله بالدار البيضاء، يوم عيد الفطر لسنة 2004، نحن كاتبي هذه الأوراق ومحمد الساسي، الذي كان اليوسفي قاسيا معه، حينما خاطبه خلال أحد اجتماعات اللجنة المركزية للحزب بالعبارة الشهيرة: “أرض الله واسعة”، وهي العبارة التي كانت سببا مباشرا في وضع حد فاصل بينه وبين اجتماعات أجهزة الحزب.. وسنسجل لاحقا أن كلمته تلك كانت الوحيدة التي لم تجد طريقها للنشر في كتاب: “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من المعارضة إلى التناوب: نضال من أجل الانتقال الديمقراطي”، الذي نشره الحزب متضمنا لجميع خطب كاتبه الأول عبد الرحمان اليوسفي)) (عن نفس المصدر بتصرف).
في حديثهما عن عبد الرحمان اليوسفي، وبطريقة مختلفة عن “أحاديث فيما جرى”، وبأسلوب أكثر واقعية، يتحدث حفيظ وبوز، عن “الخلافة المفاجئة” للكاتب الأول اليوسفي، للزعيم التاريخي عبد الرحيم بوعبيد، ((فاليوسفي هو أحد قادة الحركة الوطنية، وكان أكبر مهربي السلاح لفائدة المقاومة وجيش التحرير، كما جاء على لسان الملك الراحل الحسن الثاني وهو يقدمه لابنيه سنة 1992.. ومع ذلك، لم يكن اسم عبد الرحمان اليوسفي متداولا بين المناضلين لخلافة كاتبهم الأول (بوعبيد)، قد يجد ذلك تفسيره في وجود اليوسفي في منفاه الاختياري بفرنسا منذ أن غادر المغرب سنة 1965، دون أن يعود إليه بطلب من القيادة الحزبية التي كانت تتخوف على مصيره، بسبب الدور الذي لعبه في التنسيق بين أطراف الدفاع المدني في قضية اغتيال المهدي بنبركة، التي كان الشاهد الأساسي فيها.. ثم إن انتماء اليوسفي إلى قيادة الخارج، ربما كان يجعل مهمة احتلاله لمنصب الكاتب الأول، أمرا مستبعدا في ظل النقاش، إن لم نقل الحساسية التي ظلت تثيرها، منذ المؤتمر الاستثنائي (1975)، مسألة الازدواجية بين قيادة الداخل وقيادة الخارج، حتى وإن ظل عبد الرحمان اليوسفي، وبقرار من المؤتمر الاستثنائي، يشغل مسؤولية الممثل الدائم للحزب بالخارج..)) (نفس المصدر).

المصدر: كتاب «اليوسفي كما عشناه»
في قلب السرد الذي يقدمه الكاتبان، الأستاذان الجامعيان حفيظ وبوز، اللذان جمعتهما تجربة إعلامية اسمها “الصحيفة”، تفاصيل “صادقة” وصادمة عن “دواخل بعض الاتحاديين”، وعلاقتهم بالنظام، حيث يقولان: ((بعض القياديين في الحزب كانوا يقدرون أن مؤتمر 1975 قد حسم الأمر مع وجود حزب بقيادتين، ولذلك لم ينتخب بالمكتب السياسي المنبثق عنه أي عضو يوجد بالخارج، مثلما حسم الأمر مع خيار العنف في مواجهة النظام لصالح التأسيس للعمل من داخل المؤسسات، والسعي نحو الوصول إلى الديمقراطية بوسائل ديمقراطية، وهو ما عبر عنه التقرير الإيديولوجي الشهير للمؤتمر الاستثنائي، بمقولة: “الديمقراطية كوسيلة وكغاية”.. نورد هذا وإن كنا نحن كاتبي هذه الأوراق، نزعم أن هذا الحسم ظل على المستوى النظري وفي الوثائق والأدبيات، ولم ينفذ إلى قناعات بعض المناضلين، الذين ظل عدد منهم غير مقتنع بجدوى العمل من داخل المؤسسات، بدعوى أنه لن يكون بإمكانه أن يؤدي إلى تحقيق الديمقراطية، بل ولم يكن يجري إخفاء مثل هذه المواقف في اجتماعات حزبية وبحضور قياديين في الحزب كما حدث في واقعة عشناها خلال اجتماع حزبي سنة 1996، فخلال أحد اجتماعات خلية التفكير في قضايا الجامعة، برئاسة عبد الرحمان اليوسفي، الكاتب الأول للحزب آنذاك، سمعنا قياديا بالحزب، لم يكن غير عبد الهادي خيرات، أول كاتب عام للشبيبة الاتحادية، يقول: “إن خيار الدخول إلى المؤسسات في نهاية السبعينيات، كان الهدف منه تفجيرها من الداخل”، وليزكي كلامه، قال: “إن بوادر ذلك كانت قد تجسدت في قرار قيادة الحزب سحب الفريق النيابي من البرلمان سنة 1981”)) (المصدر: مقتطفات من كتاب “اليوسفي كما عشناه”).
الكتاب الذي تنشر “الأسبوع” بعض فقراته، يتضمن عدة أسرار وألغاز مرحلة اليوسفي، لكن بحكم الدور الكبير الذي لعبه الكاتبان في الشبيبة الاتحادية، تبقى أقوى محاور المؤلف، هي محور العلاقة بين عبد الرحمان اليوسفي والشبيبة الاتحادية، ((فقد ظلت الشبيبة الاتحادية، منذ تأسيسها، في نهاية السنة نفسها التي انعقد فيها المؤتمر الاستثنائي للحزب، أيام 22 و23 و24 و25 دجنبر بالبيضاء، تحظى بوضع متميز داخل الحزب، وبدعم من قيادته، كان أول كاتب عام لها هو عبد الهادي خيرات، قريبا من عبد الرحيم بوعبيد، وكان من النقابيين الذين اعتقلوا إثر إضراب 20 يونيو 1981، الذي دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وقضى فترة من الاعتقال في سجن لعلو بالرباط، حيث كانت توجد أيضا قيادة الحزب، بعد اعتقالها إثر الموقف الشهير للمكتب السياسي من قبول الملك إجراء الاستفتاء في الصحراء، قبل أن يتم نقلها إلى سجن ميسور، وقبل ذلك، كان قد ترأس أشغال المؤتمر التأسيسي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل سنة 1978)) (نفس المقتطفات من نفس المصدر).

من لا يعرف عبد الهادي خيرات لا يعرف الشبيبة الاتحادية، ومن لا يعرف الشبيبة لا يعرف بالتأكيد قصة المناضلين محمد حفيظ وأحمد بوز، كما لا يعرف علاقة “الحب بين الشبيبة والسي عبد الرحمان”، قبل أن تتحول إلى علاقة “تنافر”، حيث يحكي الكاتبان: ((كانت محطة دستور 1996 أول اصطدام بين الشبيبة واليوسفي، ولم تكن قيادة الشبيبة مقتنعة بالعرض الدستوري الذي قدمه الملك، فحضرت وثيقة تبسط خلالها رؤيتها لما كان مطروحا، كما أقدمت جريدة “النشرة” على نشر أكثر من افتتاحية تطرح مضمون الدستور الذي نريد، لكن اليوسفي كان له رأي آخر، ونجح في دفع اللجنة المركزية للحزب، المنعقدة بتاريخ 4 شتنبر 1996، نحو التصويت بنعم على الدستور)) حسب تعبير المؤلفين..
((ما إن انتهت أزمة الدستور بين الشبيبة والحزب، حتى انطلقت أزمة جديدة موضوعها هذه المرة، التناوب التوافقي، فإذا كان تصويت الحزب بنعم على الدستور قد أشر على مشاركة المعارضة في الحكومة، التي كانت قد فشلت في محاولتين من قبل، فلم تعد هذه المرة سوى مسألة وقت، فإنه لم يحل دون مواصلة اليوسفي الحديث في خطاباته القوية، عن التناوب الديمقراطي الذي تصنعه صناديق الاقتراع، لكن صناديق الاقتراع التي بوأت الحزب المرتبة الأولى، ستعرف ممارسات غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات المغربية بالنسبة للاتحاد الاشتراكي.. فهذا الأخير لن يكون هذه المرة ضحية لعملية التزوير، وإنما سيصبح مستفيدا منها، لكن أهم تحرك للشبيبة الاتحادية، في مواجهة ما كان قد أصبح شائعا في أوساط الحزب عن مشاركة محتملة له في الحكومة، تمثل في عقد اجتماع لجنتها المركزية بتاريخ 10 و11 يناير 1998، وهو الاجتماع الذي ترأسه، وعلى غير العادة، عضو باللجنة المركزية للشبيبة الاتحادية، ويتعلق الأمر بأحد كاتبي هذه الأوراق (محمد حفيظ)، الذي رفض المقعد البرلماني الذي زور لفائدته، وكان في رئاسته اجتماع اللجنة المركزية، تثمينا من قيادة الشبيبة الاتحادية لموقفه واحتفاء به)) (المصدر: مقتطفات من كتاب “اليوسفي كما عشناه”).
ملحوظة :
مختلف فقرات هذا المقال، مقتطفة ومقتبسة من كتاب: “أوراق من زمن السياسة/ اليوسفي كما عشناه”/ تأليف: محمد حفيظ وأحمد بوز).



