ملف الأسبوع | أسرار القواعد العسكرية الأمريكية في المغرب “وثائق تنشر لأول مرة”
كيف وقف الملك الحسن الثاني وراء توفير المغرب الحماية للقواعد الأمريكية

عاد الحديث بقوة خلال سنة 2020 عن القواعد الأمريكية بالمغرب، ففي أوائل هذه السنة، ربطت بعض المنابر الإعلامية عدم استقبال الملك محمد السادس لوزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو خلال زيارته إلى المغرب، بسعي أمريكا لإقامة قواعد عسكرية في المغرب بناء على الاتفاق الفرنسي الأمريكي الموقع في دجنبر 1950، والقاضي بإقامة قواعد أمريكية في المغرب، وفي دجنبر من نفس السنة، كان هناك حديث بقوة عن عزم أمريكا نقل القاعدة الأمريكية بإسبانيا إلى مدينة الداخلة، الأمر الذي أقلق الجارة الشمالية وأدخلها مرحلة من الشك.
وبين الحدثين، حاول البعض الخوض في تاريخ القواعد الأمريكية بالمغرب، فهناك من اعتبر أن الاتفاقية الأمريكية الفرنسية الموقعة سنة 1950 مازالت هي الإطار القانوني للقواعد الأمريكية بالمغرب، بينما اعتبر البعض الآخر، أن جلاءها عن المغرب جاء بعدما دعمت أمريكا المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قادها الجنرال محمد أوفقير ضد الحسن الثاني في غشت 1972.
وفيما يلي، تقدم لكم “الأسبوع” معطيات جديدة في هذا الموضوع، انطلاقا من وثائق أمريكية تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان
أعد الملف: سعد الحمري
هكذا أقامت أمريكا قواعدها العسكرية في المغرب
يعود الوجود العسكري الأمريكي في المغرب، إلى إنزال الحلفاء فيما كان يعرف بعملية “طورش” في نونبر 1942، خلال الحرب العالمية الثانية، وابتداء من هذه السنة، لاحظ الأمريكان أهمية الموقع الجغرافي للمغرب الذي كان تحت الحماية الفرنسية، فكانت نهاية الحرب العالمية الثانية، إيذانا ببداية حرب من نوع جديد، وهي الحرب الباردة، ولمواجهة التوسع الشيوعي الذي كان يجتاح العالم، بدأت أمريكا في إقامة عدة قواعد في العديد من الدول.
ورغم أن المغرب كان تحت الحماية الفرنسية، إلا أنه وقع عليه الاختيار لتقام فوق أراضيه قواعد بحرية وجوية، نظرا لموقعه الاستراتيجي، وقد عارضت فرنسا في البداية، إلا أنها رضخت للمطالب الأمريكية، وانتهى الأمر بتوقيع أمريكا وفرنسا اتفاقا يسمح للأمريكان بتشييد خمس قواعد عسكرية بالمغرب سنة 1950، أقيمت في كل من بنجرير، سيدي سليمان، النواصر، بنسليمان، وضواحي آسفي، وكانت القواعد الأمريكية في المغرب من أكبر القواعد العسكرية في العالم، فقد ضمت قواعد لطائرات من نوع “ب 52″ و”ب47” القادرة على حمل رؤوس نووية، فيما كان عدد الجنود الأمريكان بهذه القواعد، يتجاوز الـ 16 ألفا.
بعد حصول المغرب مباشرة على الاستقلال، سعى إلى الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة من أجل سحب قواعدها من المغرب، ورغم جدية الملك محمد الخامس بهذا الخصوص، إلا أن المعارضة ومحمد بن عبد الكريم الخطابي اتخذوا من جلاء القواعد الأمريكية والأجنبية بصفة عامة بالمغرب، شعارا لهم، والمفاوضات لم تتأخر كثيرا، فقد توصل الملك محمد الخامس والرئيس الأمريكي إيزنهاور عام 1959، إلى اتفاق يقضي بإجلاء القواعد الأمريكية تدريجيا عن المغرب.
عندما سمح الحسن الثاني باستمرار القواعد الأمريكية بالمغرب باتفاق شفوي مع كينيدي
بعد وفاة الملك محمد الخامس وتولي الملك الحسن الثاني العرش، قام بزيارة إلى أمريكا من أجل لقاء الرئيس الأمريكي جون كينيدي، وكانت مسألة القواعد الأمريكية بأرض المملكة فوق طاولة النقاش، وانتهت الزيارة الملكية بإعلان أمريكا جلاءها للقواعد التي أقامتها بالمغرب، إلا أن الحسن الثاني كان له رأي آخر، حيث كشفت وثيقة أمريكية رفع عنها طابع السرية مؤخرا، وهي عبارة عن مذكرة أعدها مكتب الاستخبارات والبحوث يوم 3 نونبر 1970 حملت عنوان “المغرب: القنيطرة والملك”، أنه بعد إعلان جلاء القواعد الأمريكية بالمغرب، أكد الملك الحسن الثاني للرئيس الأمريكي جون كينيدي، أن القواعد العسكرية يمكن أن تستمر في المغرب إلى أجل غير مسمى، وشدد نفس المصدر على أنه إلى حدود تحرير هذه الوثيقة، أي سنة 1970، فإن القواعد الأمريكية بالمغرب لم تكن تستند إلى أي اتفاقية مكتوبة تتضمن وضعيتها القانونية.
وبناء على هذا الاتفاق الشفوي، استمرت القواعد الأمريكية بالمغرب في كل من القنيطرة، التي كانت عبارة عن مركز قيادة تدريب البحرية الأمريكية، ومنشآت اتصالات حساسة في منطقة بوقنادل بسلا، وكذلك مركز آخر بسيدي يحيى الغرب، كما تضمنت الوثيقة معلومة فريدة حول القواعد الموجودة بالمغرب، وأكدت أنها هي الوحيدة المتبقية في العالم العربي.
وذكر نفس المصدر، أن العاهل المغربي كرر نفس الأمر للرئيس الأمريكي جونسون سنة 1967، حيث ذكره بأن القواعد الأمريكية يمكن أن تستمر في المغرب إلى أجل غير مسمى دون وجود اتفاقية أو وضعية قانونية.
مشاعر الملك الخاصة لأمريكا هي سبب استمرار القواعد الأمريكية وتوفير الحماية لها
لكن لماذا أقدم الملك الحسن الثاني على هذه الخطوة؟ هل لأسباب سياسية، أم اقتصادية؟
لقد تطرقت المذكرة في حيز كبير منها إلى الأسباب التي جعلت الملك الحسن الثاني يحافظ على وجود القواعد الأمريكية في المغرب، والغريب في الأمر، أن السبب وراء استمرارها لا يتعلق بالعوامل الاقتصادية أو السياسية، بل إن الأسباب العاطفية ومشاعر الملك الخاصة وراء ذلك، حسب ما أوردته المذكرة، التي أكدت أنه لا يمكن قياس مشاعر الملك الشخصية تجاه أمريكا، والتي تعود إلى تجربة طفولة لا تنسى، بداية من حضوره في لقاء أنفا سنة 1943 الذي جمع والده الملك محمد الخامس والرئيس الأمريكي روزفلت، ورئيس وزراء بريطانيا العظمى، وينستون تشرشل، حيث احتفظ الملك بذكريات عن ذلك اللقاء على اعتبار أن أمريكا أول قوة غربية كبرى أبدت اهتمامها باستقلال المغرب، ومنذ ذلك الحين، أعطى الملك قيمة كبيرة للصداقة مع أمريكا. وإضافة لذلك، ورد ضمن نفس الوثيقة، أن الملك يحتفظ بذكريات طيبة عن اتصالاته مع الأمريكان في قاعدة القنيطرة، وذلك عندما كان وليا للعهد أواخر الخمسينيات رفقة أخيه وشقيقاته.
وبما أن العديد من الدول العربية والإفريقية ودول عدم الانحياز، كانت توجه للمغرب انتقادات بخصوص استمرار وجود القواعد الأمريكية بالمغرب، فقد لجأ الحسن الثاني إلى مواجهتها بطريقة ذكية، فقد أمر بوضع الأعلام المغربية على القواعد الأمريكية الثلاث الموجودة في بلادنا، وكذا وضع شارات العلم المغربي على لباس الجنود الأمريكيين المرابطين بالقواعد الأمريكية، أما بخصوص الامتيازات التي حصل عليها من جراء استمرار القواعد الأمريكية في المغرب، فهي دعم سياسي أمريكي للمملكة، إضافة إلى بعض المساعدات الاقتصادية.
ضغوط خارجية وداخلية على الملك من أجل جلاء القواعد الأمريكية
في نهاية ستينيات القرن الماضي، دخلت العلاقات المغربية الأمريكية في نفق ضيق، بسبب تقلص حجم المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية، كما بدأت الضغوط المعادية للوجود الأمريكي في المغرب، سواء الضغط الخارجي أو الداخلي المتمثل في المعارضة التي رفعت شعار جلاء القواعد الأمريكية من المغرب، ورغم الدعم الملكي، فإن المنشآت العسكرية الأمريكية في بلادنا ظهر أنها تواجه مستقبلا غامضا، وقد تتعرض لضغوط ملكية، ذلك أنها وضعت العاهل المغربي في وضع متناقض، حيث أن تصميمه على الحفاظ على القواعد الأمريكية جعله عرضة لموجاتمن الانتقاد من طرف الرأي العام المغربي. تطرقت المذكرة لهذه المسألة، وعلقت على هذا الأمر بأن استمرار موقف الملك المتصلب من المعارضة الداخلية، من الممكن أن يؤدي إلى دفعها للبحث عن طريقة لإحراجه ومضايقته، وذلك عن طريق تكثيف هجماتها على استمرار الوجود الأمريكي بالمغرب.
وبناء على ذلك، جاء في المذكرة، أن حالة عدم الرضا التي تسود العلاقات المغربية الأمريكية بسبب احتمال تراجع المساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية، من الممكن أن تدفع الملك إلى الضغط بواسطة ورقة الوجود الأمريكي في المغرب، وحسب نفس الوثيقة، فإن بوادر ذلك ظهرت من خلال سماح النظام لصحافة المعارضة بنشر مقالات تنتقد الوجود الأمريكي، وأكدت المذكرة الأمريكية أن ذلك يعطي إشارة إلى أن الملك الحسن الثاني بدأ بالفعل هذه الحملة، وأكدت أنه في حالة ما إذا كان العرض الأمريكي الجديد بخصوص التعاون العسكري والاقتصادي غير مرض للملك الحسن الثاني، فقد يكون مضطرا لممارسة ضغط إضافي على أمريكا، من خلال زيادة القيود على قواعدها.

أوفقير للأمريكان: “طالما أنا هنا، فلن تكون لديكم مخاوف بشأن القواعد الأمريكية الموجودة على التراب المغربي”
استمرت ضغوط الملك على أمريكا في تزايد طيلة سنة 1970، من أجل فرض قيود جديدة على قواعدها العسكرية بالمغرب، غير أنه في سنة 1971، وقع حدث بارز في تاريخ المملكة، وهو المحاولة الانقلابية الأولى، التي كان من نتائجها تعيين الجنرال محمد أوفقير وزيرا للدفاع.
أوكل الملك الحسن الثاني لهذا الأخير أمر إعادة تنظيم الجيش، وفور تسلم أوفقير المهمة الجديدة، ربط الاتصال بالمسؤولين الأمريكان طيلة شهر، لخص السفير الأمريكي بالرباط، روكويل ستيوارت، ما جرى من اتصالات ومحادثات خلال هذه المدة، فقد أرسل إلى كل من وزير خارجية بلاده ووزير الدفاع، رسالة يوم 19 غشت 1971، أي بعد مرور شهر وبضعة أيام عن المحاولة الانقلابية الأولى، رفع طابع السرية عنها يوم 6 شتنبر 2007، وتحمل عنوان “الجنرال محمد أوفقير على رأس السياسة العسكرية المغربية وأثر ذلك على العلاقات الأمريكية المغربية”.
قدمت الوثيقة معطيات مثيرة، فقد وردت بها معلومات تفيد أن أوفقير كان يسير عكس تيار الملك الحسن الثاني بخصوص القواعد الأمريكية بالمغرب، حيث جاء في الرسالة، أن الضابط في الجيش الملكي أمقران، نقل عن أوفقير خلال اتصاله الأول بالأمريكان قوله بأنه ((سيرحب بالوجود العسكري الأمريكي في المغرب، وأنه يريد فريقا استشاريا كبيرا من الخبراء العسكريين مثل الخبراء الأمريكان الموجودين في إيران)).
وفي اجتماع آخر عقده أوفقير مع مسؤول في الجيش الأمريكي، أثار معه قضية القواعد الأمريكية بالمغرب، حيث لمح أوفقير إلى إمكانية حاجة الأمريكان إليها في وقت الأزمات، وفي هذا ضوء أخضر لرغبة أوفقير في استمرار القواعد الأمريكية فوق أرض المملكة، وفيما يتعلق بالقاعدة الأمريكية الموجودة بالقنيطرة، فقد قال أوفقير لمخاطبه بصريح العبارة:((طالما أنا هنا، فلن تكون لديكم مخاوف بشأن القواعد الأمريكية الموجودة على التراب المغربي))، وهذا مخالف لسياسة الملك الحسن الثاني الذي كان يعبر عن رغبته في التخلص من القواعد الأمريكية.
نفي الحسن الثاني تواطؤ القواعد الأمريكية في محاولة أوفقير الانقلابية الفاشلة
لم يمر وقت طويل حتى قام الجنرال محمد أوفقير بمحاولة انقلابية فاشلة على الملك الحسن الثاني، خرجت مختلف المنابر الإعلامية الوطنية والدولية لتوجه اتهامات مباشرة لأمريكا بدعم هذا الانقلاب، وبالضبط من طرف القاعدة الأمريكية بالقنيطرة،فكان رد الملك الحسن الثاني حاسما على هذه التهم، فخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده يوم الإثنين 21 غشت 1972، طرح عليه صحفي السؤال التالي: “صاحب الجلالة، وردت اتهامات ضد دولة كبرى، لأن بعض التقنيين من هذا البلد يوجدون في قاعدة القنيطرة، ما رأي جلالتكم في هذا الموضوع؟” فأجاب الملك بالتالي: ((إنني أقول بصدد هذا الموضوع، أن التكنولوجيا لم تعد وقفا على الدولة القوية فحسب، بل حتى الدول السائرة في طريق النمو أصبحت محتاجة إلى هذه التكنولوجيا والتقنيين، إن التقنيين الأمريكيين يوجدون هنا قصد تعليمنا شؤون الطيران والمواصلات، فلا يمكن اتهامهم في قضية من هذا القبيل، وإلا فسيكون هذا نوع من الحكم الارتجالي)).
ورغم تبرئة الملك الحسن الثاني لأمريكا من دعم المحاولة الانقلابية عليه، إلا أنه استمر في الضغط عليها من أجل إعادة النظر في وضعية قواعدها في المغرب، حيث قام وزير الخارجية المغربي، أحمد الطيب بنهيمة، بزيارة لأمريكا، والتقى وزير الخارجية الأمريكي، وخلال ذلك اللقاء، تطرق المسؤول المغربي لنقطة أساسية وهي القواعد الأمريكية بالمغرب، وقد كان المغرب وقتها يستعد لبدء تجربة سياسية جديدة،تتعلقبإنهاء حالة الطوارئ المفروضة منذ عام 1965، وإقامة حكومة جديدة تضم المعارضة أيضا، وأكد أن من بين أهم ما تطالب به، هو جلاء القواعد الأمريكية بالمغرب.
وأكد وزير الخارجية المغربي بأن الوضع العالمي تغير منذ سنة 1963، وهي السنة التي أنشأت فيها القواعد الأمريكية عقب البيان المشترك بين الحسن الثاني وجون كينيدي، وأكد أنه ((في ظل هذه الأوضاع، فإن الحكومة المغربية ترغب في فرصة مبكرة لإعادة النظر في القواعد الأمريكية، على اعتبار أن القضية لا تتعلق بإغلاق كامل للقواعد الأمريكية بالمغرب، بل بتقليص عددها من ثلاثة إلى قاعدتين)).
وصرح الوزير أنه عندما يشارك الملك في التجمعات الإفريقية أو دول عدم الانحياز، فإنه يتعرض لانتقادات كبيرة، بسبب سماحه بوجود قواعد أمريكية فوق ترابه، وأكد أن الملك لا يستطيع أن يبرر وجودها في المغرب بكونها موجودة من أجل الدفاع عن استمرار حكمه، على اعتبار أنها لا توجد من أجل الدفاع عن نظامه، بخلاف القواعد الأمريكية في إسبانيا، الموجودة من أجل الدفاع عنها، ومن أجل استمرارها في عملها، فإن الحكومة الأمريكية تقدم لإسبانيا دعما ماليا واقتصاديا وعسكريا مهما، أما في حالة المغرب، فلا يوجد شيء من هذا القبيل، حيث صرح المسؤول المغربي أن وجودها، بسبب الصداقة المغربية الأمريكية. وأضاف الوزير المغربي، أن المغرب لا يستفيد شيئا من وجود القواعد الأمريكية حتى بطريقة غير مباشرة، حيث أن الفنيين الأمريكان بالقنيطرة يتلقون كل إمداداتهم الغذائية وكل شيء من أمريكا، فتدخل وزير الخارجية الأمريكي وتساءل: ألا يعتبر انتقاد الدول الأخرى للمغرب بسبب وجود القواعد الأمريكية في المغرب تدخلا في الشؤون الداخلية لبلدكم؟ فوافق المسؤول المغربي المسؤول الأمريكي الرأي.. لكنه عاد ليذكره بأن الظروف تغيرت في العالم، وأكد أن أمريكا أغلقت عدة قواعد في عدة دول.
وقبل إغلاق هذا الملف، أوضح الوزير أنه يجب إعادة النظر في هذه المسألة قبل صعود حكومة جديدة، فسأله الوزير الأمريكي عن موعد تأليف الحكومة الجديدة، فقال له أنه لم يتضح بعد، لكن ذلك سيكون قبل شهر أبريل على الأرجح، وأخبره الوزير الأمريكي أنهم سيعودون إلى الحديث عن هذا الموضوع من جديد.

هكذا عزمت أمريكا على إغلاق قواعدها في المغرب وتعويضها ببرامج تكنولوجيا “GEODSS“
لم يعد المغرب وأمريكا لإثارة هذا الموضوع طيلة أربع سنوات، بسبب انشغال الجانب المغربي خلال هذه المدة بقضية الصحراء المغربية، غير أن الموضوع عاد للنقاش من جديد وهذه المرة ليس من طرف الجانب المغربي، بل من طرف أمريكا، التي أبدت رغبتها في إغلاق قاعدة القنيطرة نهائيا، لكن ليس لأسباب سياسية أو عسكرية، بل لأسباب تكنولوجية محضة.
فبحلول منتصف سبعينيات القرن الماضي، بدأت أمريكا تسعى إلى إحداث تغييرات جوهرية على تكنولوجيا اتصالاتها البحرية، وفي هذا الإطار، أنجزت وزارة الدفاع الأمريكية عدة أبحاث ودراسات في هذا المضمار، وخصوصا حول القواعد الأمريكية بالمغرب وسلمتها إلى وزارة الخارجية الأمريكية.
وبعد دراستها، قدم ألفريد أثيرتون، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا (أبريل 1974 حتى أبريل 1978)، إلى وزير الخارجية هنري كيسنجر، مذكرة بتاريخ 29 نونبر 1976، بعنوان “إغلاق مجمع القنيطرة وإنشاء منشآت عسكرية أمريكية أخرى في المغرب”، حيث حملت المذكرة سلسلة من التوصيات المتعلقة بإغلاق قاعدة القنيطرة وإنشاء منشآت عسكرية أمريكية أخرى، وأكدت المذكرة أن وزارة الدفاع الأمريكية أبدت رغبتها في القيام بتغييرات على مستوى قواعدها في المغرب، وذلك بسبب أنه لم تعد هناك حاجة إلى القواعد الأمريكية البحرية الموجودة في المغرب، التي كانت بمثابة محطة اتصالات رئيسية للأسطول الأمريكي السادس.
وجاء في المذكرة، أن البحرية الأمريكية وضعت برنامجا لدى وزارة الدفاع من أجل الإعلان في شهر يناير 1977، عن إغلاق القواعد الأمريكية بالمغرب بحلول شتنبر 1978، على أن يتم تعويضها بـ”محطة لنظام مراقبة الفضاء” (Ground-based Electro-Optical DeepSpace Surveillance) المعروف اختصارا بـ”GEODSS”، و”مركز لتدريب قوات البحرية الأمريكية على مهارات الهروب البرمائي”، إضافة إلى “مركز للتدريب على طائرات الجيل الجديد الحربية”.
وحسب المذكرة دائما، فإن ذلك من شأنه أن يشكل عامل جذب للملك الحسن الثاني، من أجل أن يوافق على هذه المشاريع العسكرية الأمريكية، على اعتبار أن جنوده سيشاركون في عمليات التدريب، وكذلك لأنه في حاجة للدعم الأمريكي في قضية الصحراء، كما لم تخف المذكرة قلقها من الجزائر في حال ما أقدمت أمريكا على تنفيذ خطتها الجديدة، حيث أن السفير الأمريكي في الجزائر أخبر وزير خارجية بلاده، أن المسؤولين الجزائريين أخبروه أنه على أمريكا أن تتوقف عن دعم المغرب وإلا فإن التعاون الاقتصادي الأمريكي الجزائري سيكون في خطر.
ونصت المذكرة على أنه خلال مشاورات السفارة الأمريكية بالرباط، أوصت هذه الأخيرة بضرورة التعامل مع إغلاق قاعدة القنيطرة بطريقة تتجنب إعطاء الحكومة المغربية انطباعا خاطئا عن الاهتمام الأمريكي ببلدهم، وجاء في بنودها أن وزارة الدفاع الأمريكية وافقت على خطة البحرية الأمريكية، واقترحت إنشاء منشآت عسكرية جديدة في المغرب تهدف إلى إظهار الاهتمام الأمريكي المستمر بالمغربعلى ألا تؤدي هذه المنشآت العسكرية إلى إظهار وجود عسكري أمريكي أكثر وضوحا أمام المغاربة.
ونصحت المذكرة كذلك، بأن يكلف السفير الأمريكي بالاتصال بالملك الحسن الثاني، ويخبره بقرار إغلاق القاعدة الأمريكية بالقنيطرة، وعزم الولايات المتحدة على إنشاء محطة لـ”GEODSS”، و”منطقة لانطلاق الرحلات الإنسانية إلى إفريقيا”، و”استخدام المياه البحرية الإقليمية للمغرب في التدريبات البرمائية للأسطول الأمريكي”، وفي حال وافق الملك، فعلى السفير أن يقترح على الملك أن يحدد مكانا لإنشاء محطة “GEODSS”.
ترحيب الملك الحسن الثاني بإقامة برنامج “GEODSS” في المغرب
لم تمض على هذه المذكرة سوى ثلاثة أشهر حتى اتصل السفير الأمريكي بالملك الحسن الثاني، وعقد معه اجتماعا يوم 14 فبراير 1977، وأرسل السفير في نفس اليوم برقية إلى وزير خارجية بلاده، أخبره من خلالها أنه اجتمع مع الملك مدة ساعة كاملة تطرق معه خلالها إلى قضية قرار بلاده القاضي بإغلاق القاعدة الأمريكية بالقنيطرة، وطرح عليه كذلك برنامج “GEODSS” الذي كانت أمريكا تعتزم إنشاءه في المغرب.
وبعد ذلك، قدم السفير ضمن نفس التليغراف، تقريرا عن أهم النتائج التي خلص إليها الاجتماع، وأكد أن الملك يتفهم أسباب عزم أمريكا على الإغلاق التدريجي للقاعدة الأمريكية بالقنيطرة، أما بخصوص إقامة مشروع “GEODSS” فوق الأراضي المغربية، فقد عبر الملك عن إعجابه به، ورحب بإقامة هذا البرنامج في بلاده، كما أعرب عن أسفه لعدم وجود منشآت متوسطية للغواصات الأمريكية التي تعمل بالطاقة النووية عكس الاتحاد السوفياتي الذي كان يتوفر على منشآت في البحر الأبيض المتوسط، وأكد الحسن الثاني أنه على استعداد لاستقبال خبراء من أمريكا للنظر في إمكانية إنشاء قواعد للغواصات النووية على طول ساحل المغرب المتوسطي في موقع واحد أو أكثر، مشيرا إلى وجود العديد من المناطق المحمية على طول الساحل والتي ستكون مثالية لمثل هذه المرافق.
إضافة لذلك، كتب السفير الأمريكي، أن ((الحسن الثاني كرر طوال اللقاء، أنه يكره الشيوعية ويعارضها بشدة، ويرغب في مساعدة أمريكا على مواجهة السوفيات))، وفي الأخير، ختم السفير الأمريكي تقريره بالتأكيد أن الملك مستعد للتعاون مع أمريكا في هذا الإطار.
وهكذا، فقد نفذت أمريكا خطتها المتمثلة في إجلاء قاعدة القنيطرة التي أغلقتها يوم 30 شتنبر 1978، وعوضتها بإقامة برامج تكنولوجية خاصة بالجيش الأمريكي، إضافة إلى إقامة مراكز لتدريب القوات الأمريكية البحرية والجوية، وهذا بخلاف ما روجت له بعض المنابر الإعلامية مؤخرا، من كون الحسن الثاني قام مباشرة بعد محاولة الانقلاب عليه، بإغلاق القواعد الأمريكية بالمغرب، فقد استمرت هذه القواعد وبرغبة من الملك، لكن بشكل آخر.



