تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | “إعدام” الأبناك التعاونية في المملكة.. هل هو قرار الرأسمال أم قرار الدولة؟

أول تحول مالي بعد الجائحة

دخل المغرب في أول إصلاح بنكي مع جائحة “كورونا”، وقد فرضته الشروط الجديدة للانكماش وصعوبة استمرار التدبير “الريعي” وامتياز رؤوس الأموال الكبيرة في مراكمة الثروات في مقابل هشاشة مضاعفة للأسر المغربية.

ومن الطبيعي أن تقرر الدولة عدم تحول الانكماش الاقتصادي إلى إفلاس، فاتخذت قرارات صعبة على رؤوس الأموال الحاكمة للمشهد السياسي والمالي ـ البنكي ـ وكل الاقتصاد عن طريق “الأسر النافذة” والمسماة محليا بـ”المخزنية” انتقادا من المعارضة، لتركيز الثروة ومشاركة رجال الأعمال في الحكومة، وقد ناهضت “حركة 20 فبراير” جمع السلطة والمال.

تتمة المقال تحت الإعلان

وحاليا، لم يعد ممكنا الذهاب بعيدا في مواصلة هذا النموذج السابق، وتقرر إطلاق نموذج للمرحلة الحالية، وقد فرضت الضغوط الجديدة “الإصلاح البنكي”، إذ كانت الأبناك “أبقارا مقدسة” منذ الاستقلال، بل تدخلت حكومة اليوسفي لضخ أموال لإنقاذها من الإفلاس.

تتمة المقال تحت الإعلان

وبدأ إصلاح القطاع البنكي من تغيير وتتميم القانون 12.96 والذي تأخر 8 سنوات، إلى أن جاءت الدعوة من الدولة لتغيير سلوك القطاع الائتماني، وقد أصبح عرضة لنقد أسقط عن الأبناك “القداسة” التي عرفت بها، لتبدأ الدولة بإصلاح قطاعها البنكي “الشبه عمومي”.

تتمة المقال تحت الإعلان

أعد الملف: عبد الحميد العوني

 

+ التحولات الكبيرة في النشاط البنكي

 

    يعرف الجميع أن القطاع البنكي أصبح قاطرة للاستثمارات الخارجية المغربية فالقرض الشعبي يوجد حاليا في 30 بلدا وليس مختصا بالتجارة الخارجية كما في حالة بنك بنجلون “أفريقيا” أو “التجاري وفا بنك” وغيرهما، ولم يعد ممكنا اليوم الحديث عن عدم انتقاد السلوك والعمل البنكي في المملكة، فعلى مستوى الحكامة، جاء الوضع الجديد بتعيين متصرفين مستقلين على مستوى مجلس إدارة البنك الشعبي المركزي والبنوك الشعبية الجهوية والشركات التابعة لها.

لقد تأجل إصلاح هذا البنك من 2012 إلى الآن، لأن الوضع لم يسمح قبل “كورونا” بذلك، وكل الإصلاحات، حسب البنك الدولي، لم تكن جوهرية في المغرب، ثم أن القطاع البنكي محمي وكان بمثابة ممول للأوراش، ولذلك، فإن الربح جزء من ضمان الدولة للأبناك في مقابل تمويل الأبناك لمشاريع الدولة،

دون تقييم لتدبير المحافظ.

وبناء عليه، سيكون من المهم الوصول إلى “الاستقلال الحوكمي القادر على تقييم مالي للاحتياط والمرونة النقدية الممكنة وشفافية الأصول” دفعة واحدة.

وحسب تجربة هذا البنك، فإن كثرة اللجن النقدية، ليست فعالة في إصلاح العمل البنكي الحرفي أو المهني.

وبدا للجميع أن كثرة اللجن التابعة لمجلس الإدارة، لا تكون قادرة بنفس قدرة المختصين ضمن الهرمية من جهة، وضمن محفظة الأصول التي “يجب الحفاظ على قدرتها ومرونتها في التعاطي مع التمويل الكافي لحاجيات المواطن، في أجواء الأزمة التي رفعت نسبة القروض المسمومة”.

عدم الوصول إلى قناعات جديدة وعملية بما يكفي للاستجابة لنمو المتطلبات التنظيمية، هوالواقع اليوم، وستواجه الأبناك هذا التحدي بـ”المزيد من اللجن التقنية” حول المدير، وإن بدون الفعالية المطلوبة.

+ وزير المالية بنشعبون يبدأ الإصلاح البنكي من البنك الذي أداره (البنك الشعبي) دون أن ينتقد تجربته، ودعا إلى تمرير إصلاحات للقطاع كله انطلاقا من بنك معين

    لدى البنك الشعبي، الهيكلة الجهوية التي تناسب منطق النظام الجهوي إلى حد بعيد، من دافع العمل على إنجاح هذه المنظومة الإدارية انطلاقا من قطاع استراتيجي يرغب دائما في التركيز.

وفي هذا التركيز، برزت طموحات مجموعة القرض الشعبي ضمن نفس المنطق المرغوب فيه عند باقي الفاعلين، فجاء إدخال التعديلات لإنجاح هذا السعي في دعم طموحات المجموعة وباقي الأبناك، وذلك من أجل ترسيخ الطابع التعاوني للقرض الشعبي وملاءمة قانونه مع مقتضيات القانون 103.12 المتعلق بمؤسسات الإئتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، والتي قد تهتم على الخصوص بحكامة اللجنة المديرية وتقوية القاعدة المالية للمجموعة.

وتبعا لهذا المعطى، فإن إعمال القانون 103.12 دون امتياز لأي طرف يخدم بشكل واسع المساواة أمام القدرة التنافسية، وأيضا عدم الارتهان للهرمية الحادة.

من جهة، لأن المهم في كل هذه العملية، أن يأخذ البنكي مساحته ورهانه القادر على الاستجابة لما بعد أزمة “كورونا”، وهي مرحلة ليست مختلفة عن انكماشات اقتصادية معلنة وأخرى غير معلنة.

 ومجرد إخراج البنك الشعبي إلى فكرة “البنك الخالص”، لن يفيد التوازن وشعبية الإجراءات للوصول إلى تنافسية بنكية ومالية معتبرة.

ويأتي “أطلس الأبناك” للقول أن هناك دائما محاولة لتوسيع الدائرة المالية على حساب أمور جانبية أخرى.

ومعروف أن هذه المؤسسة، منذ تأسيسها، تعمل على علامة صحية في توازن بين المشاركة ومن ثم الادخار، لأن هذه الدورة التي تجري اليوم، لن تفيد الإصلاح الجوهري بطريقة تخدم الإطار العام.

وسيكون الإصلاح البنكي لحل أزمة الاستجابة لتحدي “كورونا”، أهم ما يمكن العمل عليه، بما يفيد القول أن الأبناك جرت أجرأتها لحل الأزمة، لكن لا لجنة ولا رئيس إلى الآن.

+ الأبناك التعاونية جزء من حل الأزمة بعد “كورونا”

    إن تأهيل الأبناك التعاونية للعمل التنافسي، جزء من الحل في أزمة التمويل وتعبئة الادخار، بالإضافة إلى تركز هذه المؤسسة.

وتحاول الدولة حاليا العمل على إعادة تقنين الأبناك التعاونية إلى جانب التشاركية في مسار واحد، بما يتيح القدرة على المواكبة والمساهمة بشكل واسع وفعال، وعلى صعيد الجهات.

ولم يكن القرض الشعبي مطابقا لأحكام القانون 103.12، ولذلك، فقد عانى من تقلص حكامة اللجنة المديرية وانفتاح تركيبة هذه اللجنة على المستقلين في حدود الثلث، طبقا لشروط الحكامة.

ومجرد القول أن بنكا عند العامة ليس مطابقا لقوانين الأئتمان ولا يخضع لمعايير الحكامة، يكشف أمرين، أولا: أن نقل صلاحيات رئيس اللجنة الإدارية إلى اللجنة المديرية، هو إجراء يزيد من اعتبار الجهاز الجماعي جزء من القرار الاستراتيجي للإدارة. ثانيا: أن تعزيز الأموال الذاتية، يتطلب إجراءات تعيد الأبناك إلى المسار القانوني للعمل الأئتماني، خصوصا في عدم انتشار البنك وتطوره بسبب “تقييد الزيادة في رأسمال البنك الشعبي، لعدم وجود مرونة.

وسادت شروط للأبناك التعاونية تؤكد على:

1) امتلاك الفروع الجهوية لنسبة 51 في المائة، وفي الحد الأدنى لـ 34 في المائة مع استمرار البنوك الشعبية الجهوية كمساهم مرجعي في رأسمال المركز.

ويكشف خفض المساهمة عن الثلث “عملية يجب تدقيقها”، لأن الأمر، في هذه الحالة، لن يحدد ما هو المساهم المرجعي، وهو اليوم بأعلى نسبة، والمساهم المرجعي أصبح مفهوما غامضا أكثر مما سبق.

ولذلك، فإن حل مشكل تعزيز الأموال الذاتية بخفض المساهم المرجعي في الأبناك التعاونية، ليس بالضرورة حلا نافعا، رغم قدرة هذه الأبناك على المزيد من المرونة، من خلال قانونها الأول باعتماد النمط التعاوني وليس التجاري في تعبئة الموارد.

2) فتح الدائرة على مساهمين مرجعيين قادرين على ضمان الدعم للمجموعة، لكن بخفض نصيب المساهمين إلى الحدود الدنيا، وذلك بربط “المرجعي” بالقدرة على ضمان الدعم الموجه للبنك نفسه.

3) دخول الأبناك التعاونية في الاستثمارات في إفريقيا.

إذ أصبح ضروريا للأبناك التعاونية العاملة في إفريقيا، المواءمة مع القانون البنكي، فيما جاء الإصلاح لفتح البنك التعاوني على “التنافسية” وليس بالضرورة “الشفافية”.

وعملا بهذا الوضع، خصوصا عبر شركاته الخاضعة للشمول المالي، فإن هذا الخضوع المعياري يفيد من جهتين:

أ) القدرة التمويلية للبنك التعاوني كـ”بنك تنافسي” في إفريقيا.

ب) الإخضاع غير المشروط لقواعد الشمول المالي الذي يعيد “أهم تموقع” للبنك في إفريقيا.

وسيكون مهما جدا القول أن معالجة مشكل الأبناك التعاونية لن يفيد الاقتصاد الشمولي، بل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بشكل واسع، لذلك، فإن تعزيز التمويلات الذاتية يمر عبر قدرتين: قدرة التمويل التنافسي، وأيضا قدرة التمويل التضامني أو التعاوني في آن واحد.

ومجرد هيكلة الأبناك التعاونية لتكون تنافسية في إفريقيا، لن تكون مؤثرة من واقع أن:

1) الهيكلة الحالية للأبناك (التقليدية ـ التعاونية ـ التشاركية) ليست قادرة على حل مشكل التمويل، ليس بسبب الظرف الاجتماعي الاستثنائي لـ”كورونا”، بل لأسباب أخرى.

2) المتطلبات الضرورية حاليا، لخفض مساهمة “المساهم المرجعي”، وتكون هذه البنية خاصة، تفيد القاعدة المالية من زاويتين: أن توسيع قاعدة المساهمين سيخلف أثرا إيجابيا، من واقع أن البحث عن تماسك البنك التعاوني في هذه الظروف، لن يكون هدفا سهلا، لأن الانتقال إلى تطبيق هذه الإجراءات لن يكون محدودا.

وبالتالي، فإن وضع ضمانات جديدة للبنك التعاوني في المغرب سيكون صعبا ومثيرا لمشاكل أخرى.

العمل البنكي في المغرب، هو آخر القلاع التي قد تتقبل “الإصلاح”، لأنها ترتبط بتمويل آلية شاملة متهمة بالعجز التنموي، وأيضا بعدم القدرة على تمويل أزمة الخروج من الأزمة.

+ “إعدام” المغرب للأبناك التعاونية.. هل هو حل في الاستثمار المالي؟

    ستتحول مشكلة رفع الرأسمال، عبر توحيد إجراءاته مع الأبناك التجارية المعتمدة على عامل التنافس ومعدل الربحية العالي، إذ لن يكون الأمر سهلا بالنسبة لفرص “فرض انتقال” الأبناك التعاونية إلى أبناك تجارية صرفة من دون توسيع القانون للأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الاستثمارية لهذه الأبناك، مع الحفاظ على باقي المساطر الائتمانية ذات الصلة.

ومن المخيف أن ينتهي ما يجري حاليا بـ”إعدام” هذه الأبناك”، لأن هذه النوعية من الأبناك ليست عادية، فالتوجه الاستثماري للأبناك لا يجب أن يقتل “التوجه الاجتماعي” لهذه المؤسسات الائتمانية والذي احتاجه المغرب بعد “كورونا”، فظهر للجميع عدم مسايرة الأبناك للحس التضامني، وقد ينحرف السلوك الائتماني أكثر، إذ لاحظنا تطرف التوجه الربحي للأبناك، فيما انتهت ظاهرة الأبناك التضامنية مبرزة التمويلات الصغيرة بمعدل فائدة هو الأكثر ارتفاعا، وتحول البنك الإسلامي أو التشاركي إلى التوجه الاستثماري الصرف، وكذلك الشأن مع الباقي.

وسيكون منطقيا، أن نرى بوضوح أن القدرة الاستثمارية للبنك في المغرب عالية، وبهامش ربح واضح قد يقرن العمل البنكي بالاستثمار الأقصى ومعدل المردودية الأعلى.

وتبعا لهذا التفصيل، فإن هناك قدرة لضمان الدعم المالي، فالمسألة لا تتعلق فقط بالعقيدة الربحية للبنك، بل بدرجة تمويل “التمويل الاستراتيجي” للأوراش الكبرى، وباقي الدورة الاقتصادية، فالبنك المركزي حاليا يتخوف من القروض المسمومة وانخفاض السيولة، والمهم هو تركيز الثروة المنعكس على الرأسمال البنكي، لأن مثل هذا الإجراء يستدعي الوصول بالبنك إلى تفعيل إطار مرن لتمويله، ولقدرته على التعاطي مع هامش حقيقي للفعل الاقتصادي والاستثماري بما يفيد أن التمويل البنكي هو تمويل ائتماني أساسا، وبالتالي، فإن فلسفة الادخار هي المهيمنة قبل عقيدة الاستثمار لدى كل الأبناك.

+ الطابع التعاوني للأبناك لا يتوقف عند البنك التعاوني، فيما الطابع الربحي حاليا يضغط على المؤسسات البنكية

    لقد انتهى الطابع التعاوني للأبناك بشكل “ينهي الطابع التعاوني للأبناك التعاونية” نفسها، ونقلها إلى الإطار الكلاسيكي الربحي لكل الأبناك، ولذلك، فإن القرض الشعبي، في الأصل، هي مؤسسات اقتراض وليست مؤسسات ائتمان، رغم دخول كل المؤسسات المالية في إطار واحد.

وليكون الأمر واضحا بالشكل الكافي، فإن المهمة الأولى لمثل هذه الأبناك أنها “ادخارية” وتبحث عن تعبئة الموارد المالية كي تعود إلى الدولة، ومن ثم إلى دورة محسوبة للرأسمال.

وأي نهاية للطابع التعاوني في تعبئة الادخار في البنك التعاوني وتحويل عمله  إلى بنك استثماري صرف، سيعني أن هناك تأثيرا كبيرا في جمع الموارد وتعبئتها، وقرار التدخل في السياسة الاستثمارية للأبناك التعاونية لم يبدأ الآن، وسيجد تأطيره الحالي في المزيد من “الأفرقة”، لأن هذه الخطة لا يزال لها أنصار في كل البيروقراطية البنكية التي تتجه دائما إلى قيادة عثمان بنجلون، الذي بدأ إلى جانب الصينيين في إفريقيا وانتهى إلى أخذ مسافة باتجاه تحويل بنكه للتجارة الخارجية إلى “بنك إفريقيا”، وهذه الموجة ستنهي الأبناك التعاونية.

ومن اللافت ألا تعزز الدولة الطابع التعاوني للأبناك التجارية والاستثمارية وتحاول تعزيز الطابع الاستثماري للادخار التعاوني بشكل لا يختلف عن الأبناك التجارية.

إن مجرد القول بتكييف البنك التعاوني لإجراءات القانون البنكي، هو تجاوز للصيغة الأولى وتأسيسه القانوني، وعملا بهذا المقتضى، فإن هناك إعادة تسطير للأولويات البنكية في هذه المرحلة، وكان من الأولى:

1) العمل على الطابع التعاوني لكل الأبناك في ظروف جائحة “كورونا”.

2) أجرأة رفع الرأسمال في الأبناك التعاونية بما يفيد خصوصيتها، وليس تحويل كل الأبناك إلى ماركة واحدة، فالعمل البنكي يجب أن يتعاطى مع البنك التعاوني والتشاركي بمساهمتهما المختلفة.

وتبعا لذلك، فإن مهمة تعبئة الادخار لا تقف عند تكييف البنك التعاوني مع المعيار التجاري، بل مع المعيار الدولي للبنك التعاوني، وعلى الأصح “التعاونية المالية” التي بدأت في القرض الشعبي كإحدى آليات الإقراض العام لتأهيل وتمويل البورجوازية الصغيرة والتعامل مع دعم مقاولات الشباب والمقاولة الصغرى والتعاونيات وكل أشكال التمويل العمومي.

+ التعاونية المالية ليست ضمن أجندة العمل البنكي

    لا يزال أمر “التقديرات المالية” للأبناك المغربية أمرا غير شفاف بالقدر الذي يعطي أولوية لتمييز أجندة العمل المالي لكل مؤسسات الائتمان، ولأن السياسة النقدية حاليا مستقلة عن الحكومة، فإن جزء من العمل البنكي بعيد بدوره عن الرقابة الحكومية، نتيجة ما يعتبره “استثناءا” يخضع لـ”أولويات حساسة” بنفس القدر الذي عليه السياسة الأمنية، لذلك، فالأمن المالي يدخل ضمن الترتيبات الاستثنائية بما يتجاوز القرار الحكومي.

ولتسهيل الأخذ بأولويات السياسة النقدية، فإن معالجة الأوضاع البنكية، يتطلب الأخذ بالإجراءات الاستباقية في كل سياسات التمويل، وقد تكرست السياسة الاجتماعية كأنها إحسانية، إذ لم يكن المواطن في صلب السياسات العمومية، كذلك الشأن مع السياسة النقدية التي لا تزال منفصلة عن باقي السياسات العمومية، وقد يستطيع الجميع ملاحظة تقييم البنك المركزي (بنك المغرب) لكل السياسات، وعلى وجه أصح، السياسات العمومية، ليتأسس القول بأن الرؤية الرسمية التي يعمل عليها النظام تصل إلى:

1) محاولة مأسسة العمل المالي، من خلال تعزيز الحكامة والتدبير العمومي بشكل كاف.

2) بناء قدرة استراتيجية للقرار الذي يعود حاليا إلى اللجن التقنية، وليس إلى قرار الوزير أو المدير.

وعليه، ومن أجل دعم الطموحات المكيفة مع القانون 103.12 لسنة 2012، فإن عدم تركيز القرار في شخص المدير، هو تطور هام.

وبناء على تقوية القاعدة المالية لأي مجموعة ائتمانية، فإن الإصلاحات في بنيات العمل البنكي، هي القادرة وحدها على تقوية المناعة المالية للعملة الوطنية.

ولا بد في هذا الإطار من إعادة تأسيس “الفكرة الرأسمالية” في المغرب من خارج العائلة واللوبي “الريعي”، والقطاع ذي الامتياز الذي يمكن أن يؤشر مرحليا على السياسة الناجزة.

وحسب الإجراءات الجديدة في الأبناك التعاونية، فإن التدبير المحوكم يذهب بعيدا في:

1) ربط القرار الإداري بالتقني.

2) تقنية القرار وحرفيته.

3) أجرأة الأبعاد البنكية بصفة منفصلة عن السياسات القطاعية.

4) إحالة القرار الإداري على اللجن التقنية.

+ توليف الحكامة والقاعدة المالية في عمل الأبناك

    إن أي توليف يجمع الحكامة غير الذكية وباقي مؤسسات الائتمان والإجراءات القطاعية، يجعل ما تسمى بالإصلاحات، “إجراءات تقنية لا غير”.

ومجال البنك التعاوني يجب أن يختلف عن البنك التجاري، وفي هذا الإطار، هناك ما يفيد الذهاب أبعد في الحوكمة الإدارية، ولذلك، فالمتطلبات التنظيمية هي التي حركت تعديلات حكومية تجاه المالية البنكية التي يشرف عليها حصرا والي بنك المغرب، وبالتبعية، فإن قدرة العمل البنكي على الاحترافية المهنية واضحة، وأصبح ممكنا القول أن قدرة البنك على الممارسة المتعددة لكل أنواع العمليات المالية، هي الجزء الذي يجب معه الوصول إلى استنتاج واحد يقول: ليس هناك ما يفيد معيارية العملية البنكية في المغرب، ليس في أوفاق مؤتمر “بال” وإجراءاتها من المستوى الثالث المتقدم، بل أيضا لأن الإصلاح البنكي يقرر  قدرة العمل المالي والسياسة المالية المتبعة التي تسير باتجاه “توحيد العملية البنكية الربحية من خلال إدارتها التقنية البحتة”، كما يرغب في ذلك والي بنك المغرب، وهو ما يؤثر بشكل واسع على حدود المراقبة المؤسساتية للقرار المالي والنقدي، وسترسخ السياسات الحالية، نفس الممارسة النقدية قبل جائحة “كورونا”.

قدرة الأبناك المغربية مرتبطة عضويا بالبنك المركزي (بنك المغرب) في تبني الإصلاحات التي ينادي بها والي بنك المغرب، وهي قدرة ضعيفة، لأن البنك المركزي ينتقد في وصف الحالة، للتغطية على عدم رغبته في فرض القانون البنكي على الأبناك التجارية، لذلك، فإن عدم تفعيل صلاحيات البنك المركزي، سياسة مقصودة من نفس الجهة.

+ الأبناك في أزمة، وهي أحد عوامل صانعي الأزمة؟

    لقد كانت الأبناك المغربية هي الأقل عملا بإدارة المخاطر، أو تخصيص ميزانيات للطوارئ العامة أو الصحية.

ولتجاوز أزمة “كورونا” تلتزم الدولة بقرارات مؤسسات الاقتراض الدولي للخروج من الأزمة(1)، حيث واجهت الأبناك انتقادات من بنك المغرب(2) قبل انتقاد المستهلكين، خصوصا وأن التوصيات(3) متداولة في الوسط الاقتصادي.

وقد كانت الأبناك المغربية قبل جائحة “كورونا”، مدعاة لصعوبات ذكرتها مؤسسة “فيتش”، وأكدت على ضعف الجودة(4)، موردة أن 20 قرضا كبيرا موزعا في المملكة، يشكل خمس اقتراضات البنك، والتسهيلات الموجهة للرساميل الكبيرة هي بمعدل ومؤونة كل قرض بـ 1 في المائة من كل الاقتراضات، وتصبح مسمومة مباشرة، لأن الشخص أو الجهة النافذة لن يتمكن أحد المساس بها.

وبناء على هذه المعلومات، فإن جزء من القروض المسمومة، ناتج عن عدم إمكانية التعامل القانوني مع بعض الأشخاص النافذين، وعندما يتأكد أن معدل القرض الكبير الواحد هو 1 في المائة من مجموع الاقتراضات، يطفو استنتاج صعب، هو أن الأموال تدور في دورة معروفة.

وحاليا، من الصعب القول بـ”وجود إصلاح بنكي”، وإنما توحيد المعايير بين الأبناك (التشاركية والتقليدية والتعاونية)، كي تسهل تعبئة الموارد المالية لمواجهة أي شح للسيولة.

وسيكون مهما في هذه الأثناء، التذكير بصمود العملة أمام صعوبات متواصلة تخص السيولة وحجم الاقتراض الداخلي أمام صعوبات في تسديد المغربي لديونه في ظروف “كورونا”.

ومن الثابت، أن هناك هامشا للمناورة المالية لحل مشكل السيولة من ترتيبين:

1) أن قدرة الأبناك على الاقتراض ليست ” كبيرة” حاليا أمام الظروف الصعبة التي تعيشها السيولة والاقتراض المسموم “غير القابل للاستيراد”.

وعدم جودة الخدمة البنكية يزيد من الصعوبات الكبيرة التي يعانيها القطاع المالي العمومي، لأن القطاع الخاص المتوسط لم يعد قادرا على الاقتراض، وإن اقترض سيأكل الرئيس قرضه، لأن مستوى المعيشة الذي آلفه لن يتمكن من تحقيقه إلا بالمزيد من القروض، وليست هناك دورة إنتاجية للاستثمار.

ويعيش القطاع البنكي، في هذا الوضع، أزمة مزدوجة من داخله ومتأثرا بالأزمة العامة، وبالتالي، سيكون تحويل الأبناك (التشاركية ـ التقليدية ـ التعاونية) إلى توحيد معياري، يتأكد معه أن الأزمة مركبة ومعقدة.

من جهة، هناك تفصيلا يخص علاقة هذه الأبناك مع البنك المركزي (بنك المغرب)، إذ لدى والي البنك المركزي تفسير واحد لقانون بنكي واحد يحول كل الأبناك إلى أبناك تجارية، وهناك منسوب من عدم الشفافية يزيد من عدم الجودة التي وصفت بها وكالة “فيتش” الوضع في المغرب.

وقد تذهب سياسة التمويل البنكي بعيدا في محاولة تبني إصلاحات تدعى إجراءات، لكنها في واقع الأمر، لا تحقق معيار الجودة البنكية المعروفة.

وطالب العاهل المغربي رسميا الأبناك، بإصلاحات لإنجاح تمويل الوضع الاقتصادي بشكل عقلاني ومعياري وبجودة متقدمة، لأن الأرباح وليس الاستثمار هي عقيدة اليوم، ويجب عكس هذه المقولة، لمزيد من خلق القدرة على عدم ضياع الفرص الاستثمارية بالمشاركة في نجاحها.

وتبعا لهذه التقديرات، فإن تحويل الأبناك “التعاونية” إلى أبناك “تجارية” والقضاء على التنوع الخدماتي الذي يركز على تمويل القروض الصغرى الاستهلاكية للمواطنين، يرفع القدرة على المزيد من الأداء.

في خلاصة مركزية، فإن إصلاح العمل البنكي سيبقى آخر ورش في المغرب، لارتباطه من جهة بتمويل الآلية الشاملة المتهمة بالعجز ونهاية نموذجها، وطلب نموذج آخر من خلال لجنة شكيب بنموسى.

 كل النظام البنكي يمول الأزمة ولا يمول الخروج منها بالشكل المطلوب، لذلك، فإن الإصلاحات التي دعت إليها أعلى سلطة (البنكيين)، تخدم بشكل رئيسي عصب الدورة الاقتصادية، وحاليا، يفرض الوضع تمويل الخروج من الأزمة التي يرى الجميع أن الأبناك جزء منها  وبعد الذي حدث، سيكون من البديهي التفكير في إرساء تقييم واسع وعميق لما يجري ودور الأبناك في كل العملية الإصلاحية.

 وبعيدا عن هذه التعقيدات، فإن الفرصة مباشرة في الوصول إلى إعادة هيكلة النشاط المالي.

وتأسيسا على ما سبق، فإن هناك إعادة تقدير للوضع المالي الشامل بالمملكة، انطلاقا من قدرتين:

1) القدرة على إعادة التمويل من خلال ميكانيزمات المالية العمومية، بعد الأزمة الموروثة وفظاعة الحجر العام خلال الجائحة.

2) القدرة على إصلاح الآليات العاملة.

وانطلاقا من هذا الترتيب العملي، يمكن الوصول إلى تبني الجيل الثالث من عمليات التمويل انطلاقا من الاقتراض.

ويعرف المختصون أن النموذج التنموي الجديد، لن ينطلق بشكل حقيقي وواسع إلا من خلال إصلاح بنكي ونهج سياسة جديدة للاقتراض العمومي والخاص، وتمييزهما والسماح بتمويل تعبئة الادخار من كل مصادره المحتملة، لذلك، فإن الإبقاء على تنويع الأداء البنكي، لديه خاصية فعالة في إنجاح التمويل الفعال.

ويرى الاقتصاديون، أن الاقتصاد الشامل لن يتحول إلى قدرة دون تحويل الاقتراض إلى داعم ومحفز للاقتصاد الواسع.

ولذلك، فإن ضبط التحكم في دورة إعادة التمويل بطريقة صحيحة، سيفيد الانطلاق مجددا باتجاه العمل البنكي المتوازن الذي يمكن الوصول معه إلى الخروج من الأزمة، لأن المشكلة تدور مع الحوكمة المؤسساتية بشكل خاص.

إن تنزيل الحوكمة يفيد في كل الأحوال، القدرة المؤكدة على تجاوز الأزمة المتراكمة، لأن الأبناك هي آلية التمويل لكل النموذج التنموي السابق، والذي اقتنع الجميع بتوقعه، ومن ثم فإنه لا ينتج، ولا بد من “رؤية مالية منتجة تؤسس لفعل اقتصادي غير مأزوم”.

هوامش :

  • Avis d’expert: comment les banques s’en sortir, les eco.ma, 20/5/2020.
  • Covid 19: les banques sous le feu des critiques, voici qu’en pense bank al maghrib, le 360.ma, 18/4/2020.
  • Banques marocaines; les recommendations de la DEPF, medias 24, 7/2019.
  • Banques marocaines: ce rapport de” fitch “qui fache, jeune afrique. 22 mars 2019.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى