
أعد الملف : عبد الحميد العوني
لم يعد للمغرب بد من ربح معركة الرشوة لربح معركة المستقبل، وانتصرت الصين ضد “كورونا” لانتصارها على الفساد، كما يقول الغربيون، وحاليا، أظهرت المملكة هشاشة بعد طلب 7 ملايين أسرة المساعدة بمجرد إعلان حالة الطوارئ الصحية، فيما أغلقت مئات المقاولات نتيجة عدم تنظيمها الذي يسمح بميزانيات استثنائية للطوارئ.
إن معركة 2012 ضد الرشوة كانت صورية، وبعد 7 سنوات، أدرك المغرب أن ناقص 5 في المائة من النمو كانت ستكون زائد 1 أو زائد 2 على الأقل، لأن الأمم المتحدة تؤكد أن الفساد في المغرب يضيع على المملكة 2 إلى 7 في المائة، وبذلك يمكن لـ”الدولة عديمة الفساد في المغرب” إنجاح رهان التنمية.
وخطر “كورونا” على المجتمع والفساد والرشوة على الدولة، سيان وصنوان في هذه المرحلة الحساسة، ولذلك، فكامل الأهلية والاستقلال المالي شرطان رئيسيان لعمل الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، ورغم المرونة في الصياغة، فإن الدولة ترغب في حماية نفسها واستمرارها، إذ الفساد باللفظ، وحسب المادة 3 من مشروع قانون الهيئة، محدد في جرائم معينة، وكذلك الشأن مع جرائم الفساد الأخرى المنصوص عليها في تشريعات خاصة، وبالتالي، فإن الإقرار الدستوري بتقديم التشريع الدولي عن الوطني، يؤطر الوضع بشكل دقيق بالإضافة إلى البابين الثالث والرابع من قانون 19.46.
وجاء في الصياغة تحديد “المخالفات الإدارية والمالية” التي تعد “فسادا” حسب الفصل 36 من الدستور، لكن المادة الرابعة تفرغ عمل الهيئة من طابعها التنفيذي إلى طابعها التحسيسي، من خلال المبادرة والتنسيق، وضمان تتبع سياسات محاربة الفساد، وبالتالي، فإن آليات التتبع المقترحة هي التي ستعطي أهمية لمعركة المغرب ضد الفساد.
———————————————————————
+ قانون ضد الفساد
إن جرأة الانتقال من محاربة الرشوة إلى محاربة الفساد، على الأقل في اصطلاحات الدولة، جرأة قد تؤسس لآليات عمل وتتبع نجدها في إمكانية العمل على نهج سياسات رسمية ضد الفساد، رغم أن الواقع يتطلب “سياسة واحدة” تشمل كل القطاعات من خلال آليات محددة، لأن الفقرة العاشرة تؤكد على نشر
الحكامة الجيدة والتعريف بها، طبقا لميثاق المرافق العمومية المنصوص عليه في الفصل 157 من الدستور.
وبناء على هذين الشرطين، فإن قدرة الهيئة على الوصول إلى أهدافها كاملة، لن تكون سهلة، لأن الجانب التحسيسي يضغط أكثر من غيره.
وفي النقطة 12 من نفس المادة: هناك دراسة التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية والإقليمية والوطنية، وبالتالي، فإن العملية تهتم بالرصد قبل أي شيء آخر، ولذلك، فإن ما يحدث اليوم هو:
1) تحديد الظاهرة الجرمية في الفساد.
2) مكافحة الظاهرة في إطار المواثيق التي تضغط على صياغتها البيروقراطية المتصلة أيضا بتأثيرات الإدارة.
وفي هذا الجانب، فإن قدرة ما تسميه نهاية الفقرة 13 بـ”التدابير الخاصة في مكافحة الفساد”، تبقى محدودة.
وعلى المغرب رفع المحاسبة إلى ما يتعدى المواثيق المحلية والبروتوكولات الجاري بها العمل، لأنها خضعت لمظاهر الفساد بما يكفي لجعلها تحت السيطرة.
وتحويل الهيئة إلى أداة على المستوى الوطني لتنفيذ الالتزامات الوطنية، يؤكد على أمرين:
1) تقييم الالتزام الوطني بالمؤشرات العالمية في مكافحة الفساد، ولا يجب أن تؤثر عليه الأطر القانونية التقليدية.
2) العمل المباشر على الوقاية من الفساد، ولذلك، فإن كل الشروط تفرض في هذا السياق (التجديد، المبادرة والقدرة) على إعادة المغرب إلى تأطير المبادرة التي تريد خفض منسوب الفساد وليس القضاء عليه.
وتبعا لمواصلة عمل الهيئة، فإن لديها حسب المادة 5: “حق المبادرة” بقولها “تبدي الهيئة، بمبادرة منها …”، و”علاوة على ذلك، يمكن للهيئة تقديم كل مقترح أو توصية إلى الحكومة في شأن تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية الرامية إلى الوقاية من الفساد”.
وما يجري، يطرح سؤال: هل الوقاية من الفساد هي استراتيجية استباقية نجاح الرؤية المغربية كالعادة، وحسب الأدبيات الموجهة للداخل، أو الوقاية بمعنى تحسيسي فقط؟
إن تحويل الوقاية من الفساد إلى استراتيجية استباقية لمحاربة الفساد، نجاح استثنائي، لأن المغرب راهن على منع أي خطر مسلح أو أي عملية إلا من تفجيرين أو ثلاثة، وبالتالي، فإن محاربة العنف، ومن ثم الانتشار الأمني عبر “حذر” بمساعدة الجيش ومشاركة القوات البرية في حالة الطوارئ، من السياسات الاستباقية، وأي نجاح في نهج نفس السياسات الاستباقية، خصوصا ضد الفساد، سيكون مهما ومؤثرا.
ولهذه الغاية، سيكون من الطبيعي القول إن:
1) كل الهيئات والمؤسسات متأثرة بالفلسفة والسياسة الاستباقية للدولة، لكن مستوى النجاح مختلف للغاية بين الميادين والاستراتيجيات.
2) تشكيل القدرة القانونية الكافية لمحاربة الفساد، غير منصوص عليها في مشروع القانون، وبالتالي، فإن الوقاية من الرشوة، هي الوقاية من الفساد في نظر صائغي المشروع، لأن الاصطلاحين لديهما دلالة واحدة في جانب العمليات.
ولذلك، فإن السياسة الاستباقية على أساس الوقاية من الفساد، هي درجة تمنع من تدهور جسم الدولة في ظرف صعب مع “كورونا”، ولذلك، فإن خطر الفساد على الدولة أقوى من خطر “كورونا”.
ولا يمكن لدولة جابية أن تكون عادلة دون خفض شديد للفساد، ولا يمكن حاليا تحقيق النمو دون منسوب ضعيف للفساد، ولذلك، فإن هناك تقديرين:
1) مطابقة المؤشرات الوطنية للدولية، فالمسألة لا تتعلق بدراسة التقارير الدولية، بل بتكييف المعيار الدولي في التربة الوطنية لخلق طفرة.
2) العمل على السياسة الاستباقية في مكافحة الفساد، أي إجهاض الفساد كما أجهضت الدولة العمليات الإرهابية، وهذا التطور محتمل للغاية، لكن المغرب، المصدر الأول للقنب الهندي (مخدر الحشيش) يفرض عليه واقعه التعامل مع هذه المادة بطريقة صيدلانية ورؤية اقتصادية جديدة، كي يوضع الجميع أمام القانون، لأن جزء من الوطن في نظر البعض، خصوصا في شمال المملكة، يعارض، ولن تكون الوقاية من الفساد في نظام زراعي وتجاري للمخدرات، إلا إن غيرنا إطار القنب الهندي.
+ تقييم السياسات العمومية يسبق المهمة الرئيسية: الوقاية من الفساد
من حق الهيئة تقييم السياسات العمومية والوقاية من الفساد في مهمتين منفصلتين كما يظهر، لكن التقييم، يكون تحت سقوف يضبطها القانون، وبالتالي، فإن المهمة الرئيسية يجب أن تكون “متحررة” من العوائق البيروقراطية، للوصول إلى أهدافها.
وفي هذا الإطار، سيكون صرف الهيئة عن النظر أو التقييم في أي مؤشر، بمجرد “علمها بكونها معروضة على القضاء” ولو تعلق الأمر بالأبحاث التمهيدية الجارية تحت إشراف النيابة العامة، طبقا للمادة السابعة، لكن الفقرة الثانية من نفس المادة واضحة بأن “حفظ النيابة العامة للشكاية يسمح بالنظر والبحث والتحري في المخالفة المالية أو الإدارية”، وبالتالي، فإنه حيث يتوقف القضاء، تعمل الهيئة.
وهذه نقطة حساسة، لأن البحث فيما بعد القضاء في المخالفات المالية والإدارية، “ثورة” قد تمكن المملكة من تفعيل استراتيجية استباقية في مكافحة الفساد تماما في حالة “الإجرام المنظم” و”الإرهاب”.. فهل ستكون المملكة قادرة على إعلان الفساد إرهابيا وقد تعاطت مع جرائمه ببعض الحزم؟
وقد منحت المادة التاسعة من الباب الأول أعضاء الهيئة وأمينها العام ومأموريها “الحماية”، ولا يعرف هل هذه الحماية أمنية، أم أنها تزيد بغرض تأمين الهيئة من أجل عدم الخضوع لأي ضغط؟
وفي هذا السياق، يمكن أن تضطلع الهيئة إلى:
1) تتبع ودراسة مختلف أشكال ومظاهر الفساد في القطاعين العام والخاص، طبقا لمنطوق المادة 19 من مشروع قانون الهيئة، وفي هذا الصدد، فإننا أمام إطلاق اليد في التتبع الذي قد يشكل مرحلة ما قبل قضائية أو ما بعد قضائية في كل الحالات.
وبهذه الصفة، ستكون أي قضية للفساد، صغرت أو كبرت، تحت المرصاد إلى حدود أنه يمكن تمييز “الأشكال” عن “المظاهر” بنص القانون، فكل قضية للفساد هي تحت طائلة المتابعة.
2) التدخل عبر الجهة المختصة لمنع الجريمة المالية والإدارية.
وتبعا لهذه القدرة، سيكون من الطبيعي القول:
أ) أن متابعة كل الظواهر ومختلف الأشكال المستجدة للفساد والرشوة، هو قرار سياسي يعطي للهيئة حماية خاصة، ومهمة استثنائية، تجعل الرصد في كل الأحوال “متوقعا، وواقعا قانونيا قابلا للتفعيل”.
ولوجود مثل هذا الاختصاص، فإن كل الظواهر غير القانونية وغير المطابقة للسلوك المالي والإداري السوي، هي اليوم تحت الرصد، من واقع المنع من الوصول إلى الجريمة المالية أو الخرق الإداري الجسيم.
ب) المساعدة في بناء رؤية، لأن المهم أن تكون للدولة رؤية، إذ لديها القدرة والحماية التي تجعلها في مقابل الفاسدين.
وفيما سبق، استطاعت لوبيات المصالح تحويل مصالح الدولة إلى مصالح لهم، ويجري تمرير مصالحهم على أنها مصالح الدولة.
ومجرد أن تتميز قانونيا هذه المرة مصالح الدولة عن مصالح الأفراد، أي فرد، فهذا يعني أن تحولا ما حصل.
ويمكن التذكير، في هذا السياق، بفشل مؤسسات الوساطة كما في حراك الريف مثلا، لأن شبيه هذه الهيئة لم يكن، ويمكن لكل شخص لديه شكاية أو ملف أو تشكيك في طلب دعم هذه الهيئة، التحقق من المعطيات قبل أن يتدخل المجلس الأعلى للحسابات.
إن هيئة على هذه الشاكلة، تنقص منظومة المملكة، لأن الوسيط يرتبط بقبول الإدارة للتسوية، أما المسألة في الهيئة الجديدة فتختلف، لأن تقديم الشكاية لا يرتبط بوقوع ظلم شخصي، وقد لا يكون المواطن طرفا أو جزء من القضية.
أما في حالة الهيئة، فإن الأمور مختلفة، إذ المواطن يمكن أن يباشر الشكاية دون تحريك الدعوى العمومية.
وهذا ما يعني أن مراقبة الفساد وتتبعه أصبح خيارا مؤسسيا، وهذه قفزة قائمة على الرصد عبر كل الإمكانيات وباتجاه كل مظاهر وأشكال الفساد.

ولم يلاحظ الجميع فارقا في المعاملات والصفقات إلا في مرحلة “كورونا”، ولا يزال عدم الشفافية جزء من المنظومة السائدة.
+ استراتيجية “الكل يرصد الكل” تعني: كل أساليب الرصد ضد كل أشكال الفساد
لقد ذهبت الدولة بعيدا، وبشكل جدي باتجاه الوقاية من الفساد وكأن المغرب في هذه الحالة، نجح في محاربته، وبعدها وفي مرحلة ثانية، الوقاية منه، لكن الواقع غير ذلك، إذ أرادت المملكة اليوم الوقاية كي لا يزيد استفحال الفساد، لأنه أصبح طريقا كارثيا لا يمكن للدولة تحمله وإلا دمرها، رغم كون العملية صعبة حاليا.
فمن جهة، من الصعب قبول تتبع دقيق لكل مصادر الفساد، وردة المفسدين ستكون شديدة وعميقة، ومن جهة ثانية، فإن الرؤية الجديدة، التي تدخل الهيئة ضمنها، “لا تصالح الفساد”، بل تحاول إغلاق مصادره وأساليبه، وبالتالي، فإن كثيرا من الحالات كان معها “عفا الله عما سلف”، كي لا تمس الدولة الاستثمار والاستقرار الاقتصادي، لكن الفساد حاليا يدمر الاثنين معا، فلا يمكن بناء سلام اقتصادي مع الفساد، وبالتالي، فإن تركيز البعض على القطاع الخاص والخوصصة، لم ينجح وبنى فقط فوارق طبقية.
إن ما نلاحظه ماليا، هو تأكيد على تكتيكين:
1) إنتاج أساليب جديدة للفساد، يوقفها “الرصد والمتابعة” لكل هذه الأشكال، بلغة مشروع القانون.
2) الحرب على الفساد لم تعد خيارا، بل ضرورة دولة تتشكل من قوة رصد مستقلة عن المتابعة، وتكون ما قبل البحث القضائي وما بعد حفظ الدعاوى والشكايات لمتابعة “الأساليب الجديدة التي يمكن فيها اللعب بالقانون”.
وبالتالي، فإن الالتزام بالنص، الذي يراه السلوك القضائي، يتجاوزه حاليا سلوك رصد أسلوب الجريمة قبل وقوعها.
ولباقي الجهات، وفي مقدمتها القضاء، التصرف في حال وقوع الجريمة، ولرغبة الحكومة في منع وقوع جرائم جديدة بأساليب جديدة في إطار الفساد المحدد في مشروع القانون المنشئ للهيئة، فإن ما جاء من تطور أخير، سيكون معلقا بتمرير القانون في البرلمان المغربي بغرفتيه مع تحسينه، لأن توافقات الحكومة التي يشارك فيها بقوة رجال الأعمال، قد تكون أضعف من رغبة الجماهير في إطلاق مؤسسة لرصد الفساد وكشفه ومحاربته.
+ من حق الهيئة أخذ تصريحات شفوية حول الفساد
“لا تتوقف الأمور عند شكايات، بل عند تصريحات” طبقا للمادة 21، فالمسألة تتعلق بالمتابعة والرصد، وهنا نتساءل عن التقصي، وإلى أي حد يمكن الوصول إلى التخفيف المؤسساتي في عمل الهيئة، خصوصا وأنها ملزمة بميثاق المرافق العمومية الذي يحصن كثيرا من الممارسات.
وبشكل أدق، فإن فرصة التحقيق غير موثقة، لأن المهمة تتمثل في الرصد، ولكن المتابعة لديها وجه آخر من زاويتين:
1) أن استئناف المتابعة بعد حفظ النيابة العامة لملف أو شكاية محددة، يؤكد على وجود مساطر “تحقيق” وإن اكتفت الصياغة بـ”المتابعة” بعد الرصد.
2) أن قدرة الهيئة موجهة لتدبير ما قبل المتابعة القضائية أو بعدها بعد الحفظ في إطار شديد الأهمية، لأن كشف أساليب الفساد مهم للغاية قصد حصاره، ومن ثم مكافحته.
ولذلك، فإن السماح لقوة الرصد مقابل التحقيق، إلا في بعض الحالات، يخدم المزيد من كشف الفساد أكثر منه إبعاد الفاسدين، وبالتالي، فإن المحاربة هي المطلوبة، لأن كشف الأساليب قد يصنع أساليب أخرى، ويبقى التدخل لمنع هذه الأشكال والمظاهر هو الأساس في أي رهان ناجح.
ولا تفهم في صياغة إحدى الفقرات من المادة 21 “وجوب المستندات” المنصوص عليها، لكن القانون قال بعدها “إن وجدت”، فالوجوب مقرون بحالة وجود المستند.
وعلى هذا الأساس، فإن الشكاية الشفاهية في محاربة الفساد مهمة، لأنها تكشف الرصد، فيما يتأكد عبر باقي الشبكات، أن العمل يختلف بعد انكشاف أسلوب جرمي محدد، ليكون “الأسلوب البديل”، ولذلك، فالجريمة المالية ذكية على العموم، وبالتالي، فالذكاء الإداري جزء من هذه المعاملة الاستقصائية التي يفرضها الرصد.
ولهذه الغاية، فإن “وجوب المستند” هو عمل قد يؤدي إلى جانب الرصد، أخذ الشكاية شفهية، وبالتالي، لدينا ترتيبين:
1) قدرة المؤسسات على القطع مع ممارسات قد تؤطر أو تسكت على الفساد.
2) قدرة المؤسسات على التعاون مع الهيئة على مراقبة الوضع الداخلي لأي مؤسسة، مع تحري أساليب الفساد المستجدة.
+ “الفساد الممنهج” جزء آخر من الأزمة
إن “الفساد الممنهج” قد يكون تحت الرصد، وتحاول الدولة باستراتيجيتها الوقاية من الحالة الممنهجة للفساد، وبالتالي، فإن عمل الهيئة يكون بقدرتها على رصد “الفساد الممنهج”، وتحاول الدولة باستراتيجيتها الوقاية من الحالة الممنهجة للفساد، وبالتالي، فإن الوصول إلى القبول بلوبيات مصالح دون أن تتحول هذه اللوبيات إلى مافيات أو عصابات، هو نجاح يحتاجه المغرب بعد حالة الانكماش الاقتصادي.

+ التدخل السريع لمعاينة حالة من حالات الفساد، يكون بالإحالة على النيابة العامة
طبقا للمادة 23، فإن الإحالة إلى النيابة العامة هي ما يوفر أي حالة معاينة، وينبغي على النيابة العامة المختصة، إحاطة رئيس الهيئة علما بما اتخذته من تدابير أو قرارات في شأن القضية المحالة عليها.
وهنا يظهر إبلاغ النيابة العامة الهيئة بما اتخذته في القضية، وليس من حق الهيئة متابعة أي تحري في الموضوع، ولو في جانب من جوانب القضية، ولا يذكر القانون حدود المتابعة المتوقعة من الهيئة لإجراءات القضية بعد وضع النيابة العامة يدها على هذه القضية أو تلك.
ولذلك، فإن التحري بشأن حقيقة الأفعال شأن الهيئة، ولا يكون من جهتين في حالة الإحالة، وحسب المادة 25، فإن طلب المعطيات ذات الصلة وجمعها ودراستها أو العمل على الإبلاغات أو الشكايات، هو ضمن اختصاصها.
وبالتالي، فإن طلب المستندات والمعطيات حق للهيئة، لكن فقط تحت إشراف رئيس الحكومة كما تعلق الأمر بإدارات الدولة، وهو ما يجعل الأمور ليست سلسة بالشكل الكافي مع إدارات الدولة، فيما يكون رؤساء الجماعات والمسؤولون عن المؤسسات والمقاولات العمومية وباقي أشخاص القانون العام، جهة تحري مباشر، وكذلك الشأن مع المؤسسات والهيئات في القطاع العام أو الخاص.
وفي هذا الإطار، فإن الامتناع عن تقديم المعلومات موضوع طلبات الهيئة، يستوجب المتابعة التأديبية أو القضائية، وبالتالي، أصبح واضحا أن هناك تفاصيل لا بد من القول معها أن توسيع صلاحيات الهيئة لمواجهة تمدد الفساد، جزء من الأهمية التي تجعل الهيئة تباشر نشر تقريرها في مقابل تقرير “ترانسبرانسي”.
إن العمل على تقرير موضوعاتي من طرف الهيئة، يقابل تقرير “ترانسبرانسي” المعتمد أساسا على “مؤشر إدراك الرشوة” و”مؤشر مقياس الفساد السياسي” و”مؤشر النزاهة”.
وقد لاحظ الجميع تأخر المغرب في محاربة الظاهرة، باحتلاله المرتبة الثمانين عالميا متراجعا عن سنة 2018 بـ 7 مراتب، وهو ما يعني أن تمدد الظاهرة كبير زاده كشف خيوط “كورونا” التي عرت واقع البناء الهش للقاعدة الاقتصادية غير المهيكلة للمملكة، وأي استمرار لتراجع الدولة أمام الفساد، سيكون المغرب مهددا.
ومجرد طلب 7 ملايين أسرة للمساعدة الفورية في بداية الحجر الصحي، وسيطرة الاقتصاد غير المهيكل، يكشفان أن الفساد لم يبين الدولة المرتقبة، والنظام المالي القادر على مواجهة الطوارئ.
ويبدو أن 88 في المائة من المغاربة، حسب استقصاء “ترانسبرانسي”، يرون أن الرشوة في المغرب مستقرة في مستويات متقدمة أو تزيد بشكل لافت، وهذه القناعة تجعل ما تقوم به الحكومة ليس فعالا وسيئا في محاربة الفساد.
ولهذا جاء قرار الحكومة بتوسيع عمل الهيئة، وأن تكون للمغرب مؤشراته “الأكثر موضوعية” و”الأكثر أجرأة”، وبالتالي، فإن قدرة المغرب على التصدي للظاهرة لن يكون بالقدر الكافي، لأن مغربيا من أصل عشرة فقط، هم الذين يعتقدون بأن إجراءات الحكومة، قبل توسيع صلاحيات الهيئة، إجراءات كافية.
وبإجراءات لا تقنع إلا مواطنا على عشرة، لا يمكن لدولة تعرف حجم هشاشتها بفعل “كورونا”، أن تواصل عدم الثقة وعدم الكفاءة في مواجهة تحديات عالم ما بعد “كورونا”.
ومن هذه النقطة، يمكن القول أن تراجعات المملكة في سنة بسبع نقط على الصعيد العالمي في مكافحة الفساد، هو رقم مهول يراه البعض كارثيا، لذلك، فإجراءات توسيع الصلاحيات لهيئة الوقاية من الرشوة، هو حل مؤقت لن يعطي ثماره إلا بتوسيع المراقبة والمزيد من التحوط، لكن الرصد والاستقصاء هما القادران على إعادة ترتيب المعطيات وتدقيقها بما يناسب المؤشرات من جهة، والإجراءات من جهة أخرى.
+ خشية المغرب من أن يكون دولة “فساد”
في بلد يسيطر عليه الاقتصاد غير المهيكل ويشارك رجال الأعمال في الحكومة، لم يسجل الرقم الأخضر سوى 110 حالات تبليغ عن الرشوة، وأغلبها يتعلق بحالات بسيطة، وليست المعقدة، رغم ما تؤكده تقارير المجلس الأعلى للحسابات الموردة للخروقات التي لم يبلغ عنها أحد، والتي يعمل عليها المجلس من خلال فحص الوثائق، لذلك، فإن الوصول إلى تحصين التبليغ والمساهمة في محاصرة “الرشاوى المتوسطة وغير المعقدة” هو الذي يسهل محاربة الرشوة.
إن قطع الطريق على الرشاوى ذات الحجم المتوسط وفي القطاع الخاص، مهمة استراتيجية أمام سيطرة الاقتصاد غير المهيكل على الدولة، وقد أقر الجميع بالهشاشة المرتفعة بفعل صعوبتين:
1) محاربة الرشوة في القطاع الخاص.
2) محاربة الرشوة ذات “الصلة بين المواطنين والإدارة”، لأن المجلس الأعلى للحسابات يباشر الخرق المادي والقانوني للإدارة، وكذلك الشأن مع باقي الجرائم المالية التي تضطلع عليها النيابة العامة المختصة.
ولا يعرف المواطنون مصير ملفات أحالها المجلس الأعلى للحسابات إلى النيابة العامة، لذلك، فإن مصير الإحالة المقرر بنقل تدابيرها إلى هيئة الوقاية من الرشوة قد يعالج جزء من هذه المعضلة.
وقد يرى البعض أن المسألة تفرض، مع توسيع صلاحيات الهيئة، تفعيل باقي إجراءات الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، لأنها كل لا يتجزأ، ولأن قدرتها على الإنجاز محتملة لأنها تمس كل القطاعات بكل الآليات الممكنة.
+ تكامل محاربة الرشاوى المتوسطة وفي القطاع الخاص عبر هيئة الوقاية من الرشوة مع عمل المجلس الأعلى للحسابات لمراقبة القطاع العمومي والشبه عمومي، قد يفضي إلى رؤية ترغب في الوصول إلى الفعالية
إن الحد من الفساد لا يعني بالضرورة المكافحة، وبالتالي، فإن 2025 سنة متوقعة للحد من الفساد، حسب المخطط الحكومي، لأن المعدل السنوي مستقر يسجل فيه، بشكل دوري، تقدم الفساد وتأخر المغرب رغم توقيعه على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، لذلك، فإن قدرة المملكة على الحد من الظاهرة وإبقاءها في مستوياتها الحالية، ربما يكون هو الهدف بحد ذاته.
وبناء على ما سبق، فإن مناقشة إحدى دورات المجلس الحكومي لخلاصات توصيات التقرير النهائي الذي أعده مكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة والمخدرات، تؤكد أن المغرب لن تنفصل فيه محاربة الرشوة عن محاربة المخدرات، لأن المعركة واحدة، وبالتالي، فهناك ترتيب يذهب إلى تقديرين:
1) أن المغرب دخل المرحلة الأولى من مكافحة الفساد بين سنة 2017 و2021، وتتركب هذه المرحلة من 59 مشروعا، ولم ير المواطنون تقييما لهذه المشاريع التي هي في حكم المنطلقة، والتي يجب تقييمها، وبالتالي، فإن توسيع صلاحيات الهيئة، هي إحدى عناصر عدم تقييم باقي الإجراءات بشكل مستقل ومحايد.
ولتمكين الوضع القانوني والمدني والتنظيمي والرقابي من العمل بشكل سلس، فإن قدرة الدولة على محاربة الفساد تساوي قدرتها على محاربة “كورونا”.
وتبعا لهذه التقديرات، فإن الفجوة الحادثة اليوم تذهب بعيدا بين الإجراءات ومردودها، وبالتالي، فإن هناك إعادة تحديد للأجندة الحكومية قبل أن تكون الأجرأة متقدمة بين 2021 و2025، وهذه المرحلة هي النهائية للحد من الفساد، لذلك، فطموح المملكة حدد بوقف تمدد الظاهرة وليس بمحاربتها، لأن ما حدث من سوء ترتيب المغرب في المؤشرات الدولية، سيقلل من الاستثمارات وجاذبيتها إلى المغرب.

+ آليات مكافحة الفساد غير فعالة
إن دخول المغرب إلى المعيار “إيزو 37001” لن يكون سهلا، لأن الإجراءات غير فعالة(1) لتقرير الحكومة بشأن تقوية استراتيجيتها(2)، خصوصا وأن الفساد أصبح عاملا ثابتا(3) في معادلة متميزة بالتأخر(4).
فالكل ينتقد تأخر الإجراءات منذ سنة 2007(5) وإلى الآن، ليظهر قانون لتقوية مكافحة هذه الظاهرة(6).
يقول محمد الطوزي وبياتريس هيبو: إن هذه الإجراءات جاءت من ضغط خارجي(7) ليكون استعمال سياسة وطنية لنموذج من النماذج العالمية، هو لتمرير هذه الرغبة في تخليق الحياة العامة، وضمن تأثيرات جيوسياسية معروفة.
وهذا الاستنتاج يحفل به الإعلام والوسط الأكاديمي في أجواء توسيع الصلاحيات لهيئة وطنية للوقاية، لأن محاربة الرشوة لم تعد ترفا سياسيا، بل حاجة حقيقية وملحة أمام سطوة الوباء والجفاف.
لم تعد هناك إمكانية لتأجيل الاستحقاقات الضرورية لصالح لوبيات المصالح، لأن أصحابها لن يتركوا الدولة وهم يريدون استعادتها لاستعادة قبضتهم عليها.
+ قبول بعض الإجراءات الصارمة لتجاوز الوضعية المعقدة بين الوباء والجفاف، وبين سيطرة القطاع غير المهيكل على اقتصاد الدولة
هناك عملية جراحية، إما أن تقررها الدولة للاستشفاء من سرطانها، أو تقبل الموت السياسي، وستنتهي مرحلة باتجاه مرحلة أخرى.
ولا يمكن أن تدار الأمور بالسياسات السابقة نفسها، ليس لعدم فعاليتها فقط، وإنما لعدم واقعيتها أيضا.
وحاليا، يقرر الساسة الاستمرار في دورة متكلسة، لإعادة إنتاج السلطة على دورة الثروة، أو فصل الثروة عن السلطة، بما ينتج العمل.
وعلى هذا الأساس، سيكون الغد مختلفا بالضرورة، لأن قدرات الدولة أظهرت ضعفا وهشاشة، ولأن الإدارة لم تنجح في رهان “كورونا”، إذ مرافق الدولة ساهمت بصفر درهم في موارد الميزانية، وكذلك الشأن بالنسبة لوضعية المقاولات العمومية، لذلك، فإن المشكل ليس مشكل تدبير فقط، بل مشكلا أخلاقيا في نظر البعض، لأن تحولات عصر ما بعد “كورونا” يفيد القول أن قدرة المغرب على ربح رهان التدبير ليست كافية، وعلى الجميع أن يقرر أن إنقاذ الدولة من الرشوة سيساوي حماية المجتمع من “كورونا”، وإدارة الوضع بقيم بديلة، لأن التقشف الحقيقي يبدأ من منع مظاهر الفساد، وانطلاق الإصلاح، وعاند المغرب هذا الطريق منذ الاستقلال، ولا يزال المغاربة يريدون “بديلا حقيقيا” على الأرض.
هوامش :
- Les actions anticorruption au maroc «manquents de d’efficience». la nouvelle tribune, 18/9/2020.
- Lutte contre la corruption, le maroc muscle sa strategie, les eco.ma, 30/5/2019.
- Lutte anti-coruption: un cas de «corruption passive» acte-international com, 5/2/2020.
- Strategie anti-corruption, media 24.com, 15/5/2019.
- Strategie nationale de lutte contre la corruption, mmsp.gov.ma (pdf).
- anti-corruption: un projet de la loi muscle le dispositif (sur net).
- La lutte contre la corruption au maroc, vers une pluralisation des modes de gouvernement? beatrice hibon, mohamed tozy, droit et societé 2/2009/(n° 72), p 339 à 35).



