ملف الأسبوع | الاتجار بالبشر.. التهمة التي هزت عرش الصحافة في المغرب
24 مارس، 2018
0 14 دقائق
إعداد: عبد الحميد العوني
في صدمة قانونية، الاتجار بالبشر في المغرب، جريمة فردية، فيما تؤطرها الأمم المتحدة في اتفاقية 2004، جريمة منظمة وعابرة للوطنية، تقوم بها شبكة تعبر الحدود، طبقا لمقرر دجنبر 2000 في “قمة باليرمو” الإيطالية، والفارق بين الاتجار بالبشر والهجرة السرية، أن الأولى بالإكراه، وفي الديباجة الأممية يرد القول: “ولا يمكن أن تكون الجريمة في بلد واحد أو يتم تحديدها بمعان وطنية” كما في الفقرة الأولى، وفي الفقرة الثانية، يجري تعريف الصحافيين ضمن التجمع المدني، ولا يمكن لخلافات في العمل أو التحرش أو العلاقات الرضائية في مقاولة أو الاغتصاب أن يتحول إلى جريمة (الاتجار بالبشر)، لأن هذه التهمة تخص المجتمع اللامدني، بمصطلح قانوني واضح.
وتحصر الديباجة التهمة، في الإرهابيين المجرمين وباعة المخدرات والمهربين، فهي ليست تهمة أصلية أو فردية، بل ترتكبها جماعة وفي دولة فاشلة.
والاتجار في الأشخاص، بروتوكول يعود إلى الاتفاقية الأممية لمكافحة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وتحول إلى قانون حيث التزمت دولة الكويت في قانونها رقم 91 لسنة 2013، بالمعيار الأممي في شأن مكافحة الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين، فيما رأت الأردن تقنينه تحت رقم 9 لسنة 2009، وقد شرطت المادة 9 من القانون، أن يكون مرتكبها قد أنشأ أو نظم وأدار جماعة إجرامية منظمة للاتجار في البشر، وحصرها في الوظيفة العمومية، وفي المغرب، نسبت السلطة التهمة للقطاع الخاص؟ وجرى حصرها في بيع الزوجة والطفل للزوج أو الوصي أو الولي، وليس في عقد وظيفي يتحرر فيه الشخص بعد فترة العمل، حيث لا يمكن حدوث تجارة بالشخص تحت وضعه أجيرا.
وقد ربط القانون الكاميروني هذا الاتجار، بتهريب الأطفال والعبودية (القانون رقم 015ـ2005)، وبمفاهيم أدق، ذهب الجنوب إفريقيون إلى تحديد الاتجار بالبشر، في تهريب الأشخاص (القانون 7 لعام 2013)، ونص قانون العقوبات الفرنسي على هذه الجريمة في البند 34ـ706 بإقامتها على ركن الجماعة المنظمة (مبوبا تحت الرقم 1ـ450)، وقال بالبغاء في حال الاعتياد في أي مكان عام أو مستخدم من طرف العموم طبقا للمادة 59، وميز مكان العمل عن باقي الأماكن، وقد ذكرها، ليس في سياق قانون العقوبات من باب البغاء، دون ذكره جريمة الاتجار بالأشخاص أو البشر، واستقى المغرب المادة 706 من قانون العقوبات الفرنسي مع تنصيصه على هذه الجريمة، بما ضبب الرؤية إلى حد بعيد، لأن جريمة البغاء ليست جريمة الاتجار بالبشر؟
في جريمة الاتجار بالأشخاص “استغلال جنسي”، وليس هناك تحرشا أو اغتصابا، وإن ثبت أن إحدى الضحايا تمكنت من الرفض وبقي المعهود به في مكان الجريمة تحرشا، لم تكن غيره من التهم في كل ما حدث مع الضحايا الأخريات، لإمكانية أن يكون رد فعلهن على نفس المستوى
إن حدث وجرى تكييف أي جريمة جنسية في مكان محدد على أساس التحرش أو الاغتصاب، بطل “الاستغلال الجنسي”، فالمسألة تتعلق بمستوى حضور إرادة الطرف الآخر في العملية الجنسية، وإن ثبت أن إحدى الضحايا تمكنت من الرفض، بقي المعهود في مكان العمل تحرشا، ولذلك انتفى مكان العمل ضمن جريمة الاتجار بالبشر، إلا في حالتين:
1ـ موظف تابع للسلطة العمومية، لممارسته النفوذ دون تمكين الضحية من حقوقه لتوفره على الحماية، فيما غيره لا يكون نفوذه إلا في تأسيس جماعة تحميه(1)، ولا يمكن لفرد خارج السلطة العمومية أن يكون له نفوذ أو سلطة، فكيف إن كان معارضا لها كما في حالة ناشر جريدة “أخبار اليوم” المغربية.
2ـ أن يكون الاستغلال في العمل المفروض أو القسري(2)، ليكون ضمنه “الاستغلال الجنسي”، وهذا الشرط قانوني، وحسب الاتفاقية الأممية (ص 6)، فإن دفع الحد الأدنى من الأجور، رفع للاستغلال ومنع له، وأن تكون العاملة قد طلبت التحاقها بالعمل إنهاء لفرض العمل وقسريته.
والخروج عن المعايير الدقيقة للأمم المتحدة في موضوع الاتجار بالبشر، مساس بأمن المقاولة وأمن المجتمع، وحرب مفتوحة داخل العائلات و حماية المعطيات الشخصية.
الاتجار بالبشر، بروتوكول ملحق بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة “55/25 ل 15 دجنبر 2000” معزز باتفاقية الولايات المتحدة لمحاربة الجريمة المنظمة العابرة للحدود
رغم أن بروتوكول “الاتجار بالبشر” ملحق بالاتفاقية الأممية ضد الجريمة المنظمة العابرة للحدود، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ضمت إليه اتفاقيتها ضد الجريمة، كي لا يكون خارج الإطار القانوني، حماية لأمن الشركات والجمعيات وباقي التشكيلات المدنية.
وبناء عليه، فإن اتفاقية “55/25” تؤطر الاتجار بالنساء والأطفال تبعا للقرار “53/111 ل 9 دجبر 1998” على وسائل عابرة للحدود.
وأجمعت باقي القرارات “54/126 ل 17 دجنبر 1999” على نفس الشرط، بل ألحق القرار “54/126” بروتوكولا في الاتجار بالبشر باتفاقية الجريمة المنظمة العابرة للحدود، منذ الملحق الأول لبولاندا(3)، مشيرا إلى أن هذه الجريمة، لا يمكن أن تكون في إطار مهيكل.
ورأت فيه الخصائص التالية:
1ـ أنه متصل بالمخدرات(4).
2ـ أنه متصل بالهجرة السرية(5).
3ـ أنه مرتبط بالسلاح الخفيف(6).
4ـ أنه متصل بالإرهاب، منذ التفهم المتقدم لهذه الظاهرة والمتضمن في القرار “54/110 ل 9 دجنبر 1999” (الفقرة السابعة، الصفحة الثالثة من الاتفاقية الأممية)، وسمحت للدول بالعمل وفق ضوابطها، لكن داخل الفقرات المتصلة، وحسب منطوق الفقرة التاسعة.
الاتجار بالبشر جريمة منظمة وعابرة للحدود، فيما الرق والاسترقاق ضمن حدود الدولة الواحدة
طبقا للاتفاقية الأممية “55/25″، فإن جريمة الاتجار بالبشر لا يمارسها الفرد ضد نفسه بوجود ضحايا، ولذلك فهي:
1ـ جريمة منظمة وجماعية من 3 أشخاص فما فوق (الفقرة أ من البند 2).
2ـ جريمة من جماعة مهيكلة (الفقرة ج من البند 2).
3ـ أن تكون الجريمة مرتكبة، وليس جريمة مفترضة أو متوقعة (الفقرة هـ من البند 2).
وهذه التعريفات ملزمة، ويحدد البند الثالث من اتفاقية الأمم المتحدة نطاق العمل القانوني في أن تكون الجريمة:
1ـ في دولتين على الأقل (الفقرة ج من البند 3).
2ـ أن تكون مرتكزة على وقائع جوهرية (الفقرة د من البند 3)، وليست عرضية أو أحادية.
وفي هذه الحالة، فإن كل جريمة للاتجار بالبشر، يكون فيها المتابع “مشاركا”، وإن كان قائدا للمجموعة، فهو في وضع المشارك لباقي المجموعة، لأن التجارة لا تكون بين الفرد ونفسه؟
ويكون في هذه الحالة:
1ـ متفقا مع واحد أو أكثر، لارتكاب جريمة مؤكدة، وانتقال القانون من الجريمة “المرتكبة” إلى الجريمة “المؤكدة”، خلق إشكالا، لأن “المؤكدة” في نظر البعض، تعني توقعها من الأجهزة الأمنية، ولكن أي “جريمة مؤكدة” في التعبير الدولي، تستند إلى فعل مباشر أو غير مباشر، مالي أو مادي، مصحوب بفائدة للجاني مع ضرورة إثبات دخوله إلى الجماعة المنظمة من خلال موافقته المكتوبة أو الشروع في العمل، فيكون ما قام به، جزء من الأعمال الإجرامية أو مكملا لهدف الجريمة.
2 ـ أن يكون المشتبه به في تنظيم أو إدارة أو في طور المساعدة أو التحريض أو التسهيل في إنفاذ بيع طفل أو امرأة مع استرقاقهما أو سخرتهما.
3 ـ أن يكون “الوضع الهجومي” للجماعة المرتكبة للفعل، بما ينفي في الوضع الدفاعي، اتهام جماعة محددة بالاتجار بالبشر، ومن المستحيل في كل الحالات أن يكون الاتهام لفرد، لأن الفرد تستحيل عليه متاجرة البشر مع نفسه؟ وفي حال تسلم مبلغا أو منفعة، فهو بغاء، وإن كان بعنف فهو اغتصاب، والحالتان متصلتان بالفرد، فيما تتصل الجماعة بالاتجار بالبشر.
بروتوكول الاتجار بالبشر ألزم في ديباجته، وجود بلد المنشأ للضحية وبلد المرور وبلد المقصد في أي جريمة تدخل في هذا الباب
يشكل بروتوكول الاتجار بالبشر، الملحق الثاني في الأمم المتحدة مكملا بالاتفاقية الأمريكية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود(7)، مرتكزا على قرار جمعيتها العامة رقم “53/111 ل 9 دجنبر 1998″، ليكون البند الأول منه خاصا بالعلاقة مع الاتفاقية الأممية لمحاربة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود.
تقول الفقرة الأولى من البند الأول: “إن البروتوكول مكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمحاربة الجريمة المنظمة والعابرة للحدود”، وفي الفقرة الثانية: “وأحكام هذه الاتفاقية، ستطبق مع ما يلزم من تبديل للبروتوكول ما لم ينص على خلاف ذلك في هذه الوثيقة”.
أما الفقرة الثالثة، فنصت على ما اتفق مع الاتفاقية الأممية لمحاربة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
ويوضح البند الثاني من البروتوكول أهدافه المتمثلة في:
1ـ حماية ومحاربة الاتجار بالأشخاص، خصوصا النساء والأطفال.
2ـ حماية ودعم الضحايا مع احترام كامل لحقوقهم.
3ـ التعاون مع كل الدول لهذه الغاية.
ويحدد البند الثالث من البروتوكول، مفهوم ومصطلح “الاتجار بالأشخاص”، لأن الاتجار بالبشر مصطلح غير قانوني، ويخص وصف الظاهرة فقط، فيما يكون الاتجار بالبشر، يعني تجنيد ونقل وترحيل وإيواء أو إيصال أشخاص، بالتهديد أو القوة أو أي شكل آخر من قبيل الإكراه أو الاختطاف أو التزوير أو الخداع أو إساءة استخدام السلطة أو النفوذ ـ ذي التأثير العالي(8)ـ وهذه الدقة في اصطلاح الأمم المتحدة، ينفي النفوذ ذي التأثير المتوسط أو المنخفض ـ أو إعطاء أو تلقي نقود (مدفوعات) أو امتيازات لإتمام موافقة الشخص الذي يخضع له الشخص الآخر بهدف استغلاله(9).
ويبدو تجريم هذه الظاهرة، في ارتباط كامل مع قانون العقوبات أو المسطرة الجنائية.
ويلزم القانون بالإجراءات التالية:
1ـ أن المسطرة، لا تكون إلا جماعية في الاتجار بالبشر، وكل فرد لديه دعواه بمسطرة منفصلة ودقيقة (الفقرة الأولى من البند السادس من البروتوكول)، فكيف إن كان هذا الإجراء جماعيا ضد فرد دون أن تكون له جماعة التي هي الركن الركين في هذه الجريمة.
2ـ طابع السرية الكاملة، حسب نفس الفقرة.
3ـ يمكن أن يكون الإجراء إداريا (الفقرة 2 من البند السادس من البروتوكول).
4ـ على الدولة تخصيص الدفاع للضحايا، وتقديم المساعدة النفسية والاجتماعية لهم.
5ـ توفير المسكن والتشغيل كما ورد في النقطة “دال” من الفقرة الثالثة في البند السادس.
وحسب البند السابع من البروتوكول، فإن المسألة ليست عقابية بقدر ما هي مرتبطة بعلاج الظاهرة بشكل دائم أو مؤقت، حسب مسؤولية الدولة.
أغلب بنود قانون الاتجار بالأشخاص (أو بالبشر)، موجهة لدول استقبال “الضحايا”، ولذلك، فإن محاولة تكييف جرائم معروفة ومحددة حسب القوانين الوطنية باسم هذه الجريمة، لا تحمل بأي حال، مطابقة روح ومنطوق البروتوكول الأممي
ركز البروتوكول الأممي الخاص على الضحايا في بلد الاستقبال (البند 7)، ولا يمكن تصور التجارة في البشر في دولة واحدة بين مواطنيها، ولأن المغرب لا يقر بالرق، فقد قام بتكييف حوادث في هذا الإطار.
ويفترض البروتوكول:
ـ عدم وجود أوراق للضحايا (الفقرة 4 من البند 8).
ـ طلب الإقامة الدائمة في بلد الاستقبال.
ولا يمكن تكييف جرائم معروفة أو مسبوقة (إلى الحد الذي كانت فيه عقوبة الإعدام في قضية تابت) بهذا الإطار (أي الاتجار بالبشر)، لشروطه الواضحة وغير القابلة للتصرف.
وعلى ذلك، ركزت الأمم المتحدة على القوانين الوطنية في الجرائم المحددة في العقوبات بشروط ذكرها البروتوكول الذي ركز على الوقاية من الاتجار بالبشر، وعلى مواجهته من خلال محاربة الجريمة المنظمة العابرة الحدود (النقطة “دال” من الفقرة الأولى البند الأول).
ورفضت بعض الدول استخدام الاصطلاح لأنه بالأساس يعني تهريب الأطفال أو النساء عبر الحدود ، وقد ركز البند 11 على الإجراءات الحدودية في هذا الصدد.
وعلى صعيد الأمن، فإن الاختصاص كما يوضحه البند 12 من البروتوكول، قائم على إصدار وثائق للضحايا من أجل السفر داخل بلد الاستقبال والحماية، وأن تكون “شرعية وصالحة”.
البروتوكول الأممي الخاص بالاتجار بالبشر، لا يمكن أن يمس الأفراد وهو تحت نطاق القانون الدولي بنص الفقرة الأولى من البند 15
التزاما بالفقرة الأولى من البند 15، فإن محاكمة ناشر جريدة “أخبار اليوم” تحت القانون الدولي، لاتهامه بالاتجار بالبشر من دون وجود شبكة، وباتهامات من عاملات في مؤسسته اتهمنه بالتحرش أو الاغتصاب، أو هما معا، وجرى تكييف الحالة بهذا البروتوكول الدولي، ولذلك، فإن تكييف الحالة الجنائية المتواترة بمساطر معهودة ببروتوكول دولي صادق عليه المغرب وقننه بصيغة عملية، ليس حالة قانونية كاملة الأركان.
وقد ألزم المشرع الدولي في الفقرة الثانية من البند 14، أن يكون تأويل الإجراءات وتطبيقها، متصلا بالقانون الدولي وبالمبادئ الدولية المتعارف عليها، وقد خصص “عدم التمييز” بالذكر، وقد صار ملزما بمنطوق البند 7.
في النسخة المعتمدة باللغة العربية للأمم المتحدة بخصوص بروتوكول الاتجار بالبشر، فإن استغلال دعارة الغير، وسائر أشكال الاستغلال الجنسي، هو الحد الأدنى من الاستغلال في الاتجار بالبشر
لا يمكن بناء تهمة الاتجار بالبشر، على الاستغلال الجنسي وحده، لأنه أدنى درجات الاستغلال في الاتجار بالبشر، ولذلك، فإن باقي وجوه الاستغلال هي التي تبين الظاهرة، وتحددها في الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة به ونزع الأعضاء، وكل هذه الوسائل تحدد الظاهرة.
وركز المشرع الأممي على الأطفال في التسع نقط الواردة في البروتوكول، وقال في النقطة الثامنة بـ “التجار” في وصف المتورطين في هذه الظاهرة، مع الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات “وارسو” في 16 ماي 2005 من أن:
ـ المرأة الضحية، تكون والدة أو مشرفة على طفل أو أكثر وقع في “الاتجار”، والمرأة غير الحاضنة لأطفال متمتعة بإرادتها في الحد الأدنى، وهو ما نبهت إليه ملاحظة “وارسو”، وبناء الاتجار بالبشر، على الدعارة أو الاغتصاب من حيث هما جريمتين، ليس دقيقا، لأنهما جريمتان موصوفتان، وما عداهما، هو ما تكيف بهما جريمة الاتجار بالبشر.
ولذلك، ركز المشرع الدولي في الاتجار بالبشر، على حظر الاتجار بالأطفال لأغراض جنسية أو مستغلة لأجسادهم، ويكون في الحد الأقصى، نزع أعضاء منها (من هذه الأجساد).
ويخصص النص على عقوبات جنائية مشددة، بما في ذلك الجرائم التي تنطوي على الاتجار في الأطفال أو المخالفات، أو الجرائم التي تنطوي على تواطئ من قبل المسؤولين في الدولة، وحدد النص مسألتين: الاتجار في الأطفال، وأن النفوذ مقرون بالمسؤولين في الدولة، ورأى المجلس الأوروبي (لانزاروت، 25 أكتوبر 2007)، ضرورة تشريع الحماية التكميلية بشأن حماية الأطفال من الاستغلال الجنسي، بما حصر الاتجار بالبشر في الأطفال.
ونصت لجنة الخبراء، على حصر الإجراءات في مكافحة الاتجار بالبشر، في الأطفال الذين يجري استغلالهم، وهو ما ذهبت إليه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (سيليادين ضد فرنسا، والحكم الصادر في 26 يوليوز 2000، ورانتسيف ضد قبرص، والحكم ضد روسيا في 7 يناير 2010).
ورأى المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمملكة، أن مظاهر الاتجار بالبشر تتجلى في:
ـ الاتجار بالأطفال من خلال البيع والعمل في المواد الإباحية، والسياحة الجنسية.
ـ الاستغلال الوظيفي من خلال العمل القسري.
ـ الرقيق الأبيض الذي يمارس عليه الاستغلال الجنسي(10).
وتكون حالة النساء في الاتجار بالبشر، محدودة بالاسترقاق أو العمل القسري، لكن شروط الاسترقاق غير منظورة، إلا في حال وجود المرأة في سكن يديره المستغل، وبدون أجرة أو عمل وظيفي، بما يمكن معه الاستغلال الجنسي، ويكون العمل القسري جبريا في حده الأدنى، مؤكدا على وجود حالتي الاسترقاق والعمل القسري، لإقرار جريمة الاتجار بالبشر في حالة النساء.
وقد دقق خبراء قانونيون في النساء ضحايا الاسترقاق، بممارسة الجنس التجاري في إطار شبكات الدعارة، وفي الاسترقاق، فإن “العبودية المنزلية”، هي الظاهرة التي يقصدها البروتوكول الأممي، ويكون الرضى حاسما في غير هذه الحالات، كما في استخدام أنوثة المرأة في أنشطة تجارية عادية، والأشكال الخمسة (استغلال الزوجة لصالح الأسرة، تشغيل النساء بأجور منخفضة عن أجور الرجال، الاستيلاء على ميراث النساء، استيلاء الرجال على عائد عمل زوجاتهم واختطاف النساء للحصول على فدية).
وهذه المظاهر محكومة بالرضى، خصوصا في حالة الزوجة، وفي غير حالتها، لا يمكن بناء نفس الحكم من مناط مختلف، ولذلك وجد القانونيون، أن خلط وضع الزوجة في الأشكال الخمسة مع غيرها، تجاوز في التأويل، لأن الزوجة مرتبطة كما في البروتوكول، بالأطفال.
وعلى ذلك، فإن توسيع تأويل البروتوكول، لا يفيده بأي حال، لأن انحراف النص عن قيوده، هو انفلات لا يمكن للقانون من حيث هو تقنين، القبول به.
وما حدث من توسيع للتوصية “166ـ170” وتقدمت بها سلوفينيا، فإن ما أورده النص، قائم على “إدماج النهج القائم على حقوق الإنسان في السياسات التي تستهدف القضاء على الاتجار بالبشر”، ولم تقل التوصية الإجراءات، بل قالت “السياسات”، مما يبعدها عن التكييف الجرمي المباشر في حالات قد تبدو في التكييف، غير ذات حال، لأن الجرائم الأخرى الموصوفة، من تحرش واغتصاب، لا يقوم عليها الاتجار بالبشر، وإلا أصبح التسول جريمة من هذا النوع، لأن التأويل بالشروط الفضفاضة المعمول به، سيكون فيه المتسول أو التاجر لسلعة مغشوشة، متهما بالاتجار في البشر، ويضم من ناحية النساء: المرأة القروية العاملة في الحقول.
وبالنظر إلى نص البروتوكول الأممي، وإن جرت ترجمته في بعض المواطن، بلغة أدبية، وليست قانونية، كما في النص الأصلي بالإنجليزية، فـ “إن الاتجار بالبشر، محدود بالطفل وتدور معه المرأة الأم في حال استغلالها أو ابنها (دون ذكر استغلال الأم وولدها)”.
وعلى ذلك، فإن الجرائم الفردية، والموصوفة في قانون العقوبات، ليست من الاتجار بالبشر أو بالأشخاص، والخلط الواقع بين الاتجار بالجنس والاتجار بالبشر، قائم إلى حد بعيد.
97 في المائة من حالات الاتجار بالبشر في العالم تمر من ليبيا، ولم يذكر التقرير العالمي أي حالة في المغرب، لأن التكييف القانوني، لم يكن دقيقا في بعض الحالات التي رآها المغاربة ضمن هذه التجارة
في التقرير الذي اعتمده ماركومنيتي، وزير الداخلية الإيطالي، فإن 97 في المائة من حالات الاتجار بالبشر، تمر عبر ليبيا، ولم يذكر أي حالة في المغرب، لأن السياحة الجنسية للأطفال، التي تشكل بعض حالاتها اتجارا بالبشر، ليست كذلك، فهي ليست قسرية، ولها قوانين لمحاربتها، فيما الاتجار بالبشر، في نطاق القانون الدولي، ليس موجودا بالشكل الدقيق بالمملكة، ومحاكمة فرد بهذه الجريمة دون الشبكة، ليس تكييفا متساويا مع المعايير الدولية.
أرباح الشبكات الإجرامية خلف التجارة بالبشر
في نظر الأمم المتحدة، الاتجار بالبشر، تقوده شبكات إجرامية تحميها مؤسسات “رسمية”، وقد بلغت أرباح هذه التجارة، 7 ملايير دولار سنويا وبلغ عدد الضحايا 4 ملايين نسمة.
وهذه التجارة “الجنسية”، هي ثالث تجارة بعد المخدرات والسلاح، فالاتجار بالبشر، هو الجنس في ظروف الإكراه، فيما البغاء، في ظروف تخضع لأقل ظروف الرضى، والعلاقات الرضائية، إرادية بين الجنسين.
والأطفال يشكلون ما يسمى التجارة بالبشر، في تطور لتوفير الأعضاء البشرية من أكل الأجنة في الصين، وإلى نزع أعضائهم بأربعة طرق، حسب الخبير القانوني والجنائي، أكرم عبد الرازق في كتابه “جرائم الاتجار بالبشر”، وهي:
1ـ قيام شبكات متخصصة في توفير الأعضاء البشرية بالتعاون مع مستشفيات خاصة، من خلال الإعلان تحت عنوان “التبرع مقابل مبالغ مالية”.
2ـ اختطاف الأطفال وقتلهم واستئصال بعض الأعضاء مثل العيون والكلي.
3ـ نقل هذه الأعضاء وبيعها للمستشفيات التي تدير هذه العمليات، وهي “الظاهرة البرازيلية” حسب اصطلاح الأمم المتحدة، حيث أن هناك أربعة ملايين طفل مشرد.
4ـ اختطاف الأطفال والمشردين والمعاقين والمجانين وقتلهم وبيع أعضائهم، وسرقة الجثث ونزع بعض الأعضاء منها.
ويضيف خبراء غربيون أيضا:
5 ـ جرائم الجنس للمراهقين عبر الأنترنيت لوجود 77 مليون طفل قابلين للتجارة في أشيائهم وأعضائهم وموادهم الجنسية في العالم عام 2007.
وتعمل شبكات على دعم هذه الدعارة، إلى جانب دعارة النساء، ونشرت جريدة “ذي فيلت” في مقال لها عام 2016، إلى أن ماليزيا ـ دولة إسلامية ـ تقدمت عن التايلاند والفلبين، وأصبحت الوجهة العالمية لسياحة الجنس الرخيص، لتبلغ قيمة عائداتها 854 مليون يورو حسب موقع “هوفاسكوب غلوبال بلاك ماركت أنفورميشن”، وقد حاكم هذا البلد أشهر سياسي فيه، بتهمة جنسية.
وتتابع تقارير الخارجية الأمريكية قضية “الرق” في العالم والعبودية الحديثة أو الاتجار بالبشر، وترتبطه بـ “الاسترقاق” ليكون الاتجار بالبشر، هو تجارة في الكائن الآدمي من خلال العمل القسري غير المأجور والرق الجنسي والاستغلال التجاري للجنس، وترفض الموجة الثالثة للنسائيين (شيلي كافيليري) هذه الشروط القانونية، وتطالب بتوسيعها لتشمل هيمنة الرجل على العمل، لكن هذه المفاهيم أحادية ولا تزال غير قانونية.
وترفض الموجة الثالثة، عد أو اعتبار الجرائم الموصوفة في قانون العقوبات، ضمن الاتجار بالبشر، بما يجعل التكييف المغربي يتجاوز آخر معايير “شيلي كافيليري” التي تعني آخر المطاف أو “آخر طلب”، لأن المسألة تتعلق بالجنس، وحاليا بتحديد العمل القسري والموضح في الاتفاقيات الدولية منذ “الاتفاق رقم 29 للعمل القسري” عام 1930، وآخر في 1957 (تحت الرقم 105)، فيما ارتبط الاتجار بالبشر بـ “الرق”، وأعلن الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، يناير “شهرا وطنيا” لمحاربة الرق والاتجار بالبشر.
ولذلك، فوضوح الرؤية القانونية في الغرب حول “التجارة بالبشر” تعاكسها محاولة في بعض الدول، لربط البغاء في بعض حالاته بهذا المفهوم، ويزيد الأوربيون تدقيقا لهذا المفهوم، في الاتفاقية التي بدأ توقيعها في 16 ماي 2005(11)، وحاول المغرب الاستناد عليها، لأن الاتحاد الأوروبي حدد هذه الجريمة في “الاستغلال الجنسي” و”العمل القسري” دون ربطهما بالجريمة المنظمة والعابرة للحدود.
لكن الأمر متعلق بالوقاية وليس بالإطار القانوني للمحاكمة(12)، ولذلك، فالاتفاقية سياسية وليست قانونية تاركة، الإطار القانوني للبروتوكول الأممي، وقد قدمت 8 دول، 10 تعديلات حاسمة كي لا تضيع الحدود القانونية بين الجرائم في الوصف القديم المعروف، وأخرى ليست فيها اجتهادات أو ممارسة، ولذلك فإن الخروج عن الإطار القانوني المعهود والأكثر دقة نحو تهم جديدة، ليس في صالح أي متهم.
والفارق كبير بين الإلحاق ودراسة الملاحق والدقة القانونية للتوصيف الجنائي، وبين صياغة بعض القوانين المحلية على التقرير التفسيري للاتفاقية الأوروبية، لعدم ضمه تعديلات خبراء “غريتا”، وهو ما أوجبه الأوروبيون، في حال تكييف أي دولة عضو في الاتحاد لجريمة الاتجار بالبشر.
الاتجار بالبشر بشروط قانونية صارمة
لا يمكن لامرأة عاملة اعتبار نفسها ضحية اتجار جنسي، إلا في حال تعرضها لوضع صعب وخطير مثبت بالشهود على الحالة أو يكون الأجر مصحوبا بالدين القسري عن طريق شيكات أو كمبيالات تثبت وقوع ضغط مالي، ليعوض العمل القسري الدين القسري ضمن شبكة في الاتجار بالبشر.
والبند الثاني: يخص إثبات وجود عنف بشهادات طبية يخص البالغ وليس الطفل فقط.
والبند الثالث: لابد من وقوع الحادث في مكان معزول أو منزل معزول، وليس بمكان أو فضاء عمومي.
والبند الرابع: ضرورة وجود شبكة، وإلا كانت الجرائم مكيفة حسب المسطرة الجنائية المعمول بها.
وبخصوص العمل القسري في جريمة الاتجار بالبشر، فيشترط خبراء “غريتا”، العبودية المنزلية، أو عمل الأطفال أو العبودية اللاإرادية في علاقة بسلطة نافذة حال فشل الدولة، وقيام الشبكة مكانها.
وعلى هذا الأساس، فإن المغرب خارج شبكات السياحة الجنسية، بعيد عن التوصيف القانوني للاتجار بالبشر، فيما يكون شراء أطفال الفقر من أسر لا تنجب، صيغة اجتماعية لا تدخل بالضرورة في هذه الظاهرة، إلا إن جاء عن طريق شكل من الأشكال الخمسة المعروفة في الإكراه.
الاتجار بالبشر مفهوم قانوني
إن تركيز القانوني على المفهوم الدولي لجريمة الاتجار بالبشر، هو القادر على تجاوز المعضلات التي تعانيها دول تسير نحو دولة القانون، وهي إذ تقوم بتكييف الجرائم ذات التعريف الدولي الواضح، تعمل على بناء منظور لها تجده في الموجة الإيديولوجية، فالأمم المتحدة لم تعترف بمطالب الموجة النسائية الثالثة، وبعض المغاربة قرروا صياغة قانونية أخرى إلى جانب المسطرة الجنائية، وبناء دولة القانون، يبدأ ببناء القانون في معيارية سليمة وإعادة تقدير للصياغة غير الفضفاضة والتي تقدم الهامش على المضمون، أو القانون الجديد على القديم، فيما لا يجب المساس بالصياغة الاعتيادية والمساطر، ودقة العمل والتنزيل للقانون الدولي، وقد تحول الاتجار بالبشر إلى اختبار صعب للممارسة القانونية في المملكة.
هوامش:
1- Convention against transnational organized crime in Palermo, Italy, in December 2000.
2- – Forced and exploitative labour, including for sexual exploitation. p: 6, united nations convention against translational organized crime and the protocols thereto (UNTOC).
3- A/C3/51/7 annex.
4- A/AC: 254/34.
5- P: 11/96, united nations convention (UNTOC).
6- Paragraph 4, p: 11/96, united nations convention (UNTOC).
7- Annex 11, protocol to prevent, suppress and punish trafficking in persons, especially woman and children, supplementing the united nations convention against transnational organized crime.
8- vulnerability
9- Trafficking in persons shall mean the recruitment, transportation transfer, harbouring or receipt of persons, by means of the threat or use force or other forms of coercion of abduction, of fraud, of deception, of the abuse of power or of a position of vulnerability or of the giving or receiving of payments or benefits to achieve the consent of a person having control over another person, for the purpose of exploitation).
10- CNDH.ma/ar/idrst/drs-mwdw.
11- STSE N° 179.
12- Council of European treaty series, n° 197, Europe convention on action against trafficking in human beings.