تحليلات أسبوعية
تحليل إخباري | هل هي محاولة صناعة ثورة ملونة في المغرب انطلاقا من الريف؟

تعويض فشل البوليساريو في إفريقيا بمخطط انفصال الريف
إعداد: سعيد الريحاني
حكى الرئيس التونسي السابق، زين العابدين بنعلي، بعد ست سنوات من الانقلاب عليه، تفاصيل المؤامرة التي أدت إلى إسقاط نظامه، وقد بدا واضحا أن الرئيس “المقلوب” أو المخلوع، احتاج مدة طويلة قبل أن يربط الخيوط، بعد فوات الآوان، ليعرف أن المؤامرة دبرت تحت قدميه، ومن أقرب المقربين إليه(..).
يحكي بنعلي: “توجهت صبيحة 14 جانفيي 2011 إلى المطار قصد مرافقة زوجتي وابني لإرسالهم إلى العمرة بعدما اختلطت الأمور في تونس، وكنت أنوي الرجوع إلى القصر عندما تفاجأت بالسرياطي (مهمته مستشار أول لدى رئيس الجمهورية ومدير عام لأمن رئيس الدولة والشخصيات الرسمية) يخبرني بأن هناك خطرا على حياتي لو بقيت في تونس، وكان هذا المشهد على بعد أمتار من زوجتي وابني، وعندما ترددت، أراد طمأنتي بإبلاغي أنه بمجرد أن تهدأ الأمور يمكنني العودة، فما كان مني إلا أن غادرت البلاد.. تبين فيما بعد بالمكشوف أنه شريك في المؤامرة وتوصلت انطلاقا من مصادري الخاصة واتصالاتي مع الدول والحكومات الصديقة، أن الذين دبروا الانقلاب كانوا عصابة متكونة من رشيد عمار (مهمته جنرال متقاعد وقائد أركان الجيش الوطني التونسي)، وعلي السرياطي وأخيرا كمال مرجان الذي كان من المفروض أن يتم تنصيبه كرئيس للجمهورية بعد ذلك” (المصدر: مقتطف من رسالة بنعلي للشعب التونسي)..
لم يسقط بنعلي إذن بسبب “ثورة شعبية”، أو بسبب “البوعزيزي”، بائع الخضر، أو بائع الأسماك(..)، ولكن بداية التخطيط لسقوط النظام في تونس كانت قد ظهرت مؤشراتها، بعد الخلاف مع أمريكا، ومع كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية، صاحبة نظرية “الفوضى الخلاقة”، وهي نظرية “تدمير الشرق الأوسط”(..)، وقد استفحل الخلاف بين أمريكا وبنعلي، بسبب رفضه دعم الانقلاب في ليبيا، ورفضه منح قاعدة عسكرية في بنزرت للولايات المتحدة الأمريكية حسب قوله، وكان أبرز ما عانى منه بنعلي في آخر أيامه قبل سقوطه، هو كثرة الخونة المحيطين به: “القناصة هم حجر الأساس لبث الفتنة والبلبلة والانقسام، ودماء الأبرياء كانت ذريعة لدفع الشعب للتمرد ضد النظام، حيث تبين أنهم مرتزقة يعملون تحت إشراف المخابرات الأمريكية وبقيادة رشيد عمار، وكانت فرقة الموت التي تنشط إلى حد اليوم في تونس، متكونة من عدد من أبناء حركة النهضة، أشرف على تكوينهم رشيد عمار وعدد آخر من المرتزقة من بلد مجاور، وأخيرا عدد من المرتزقة الأجانب الذين أشرفت دولة قطر على تمويلهم وجلبهم إلى تونس من دول يوغوسلافيا السابقة وعلى رأسها البوسنة”، هكذا تحدث بنعلي قبل أن يضيف: “.. تواصلت المسرحية بجلب أموال طائلة من البنك المركزي تحت إشراف مصطفى كمال النابلي (محافظ البنك المركزي التونسي) ثم تصويرها في القصر على أساس أنها لي ليصدق الشعب كل ما رواه الخونة”.
كل ما حكاه بنعلي، لا يمكنه أن يغير من الواقع شيئا، لأن اللعبة الإعلامية أكبر بكثير، بل إن رسالته، التي وصلت بعد فوات الأوان لم تنشر، إلا في عدد محدود من المواقع، لأن الرئيس بخلاف ما كان يعتقد، لم يكن يتحكم في الإعلام رغم ما كانت تدفعه الدولة من ملايير(..)”.
رسالة بنعلي لم يكن يوازيها من حيث الوقع، إلا رسالة مواطن تونسي، اسمه شاكر الحوكي، كتب رسالة اعتذار للرئيس قال فيها: “باسم الوطنية المغدورة والثورية الزائفة والحكمة الضائعة والشعب المسكين، هذا مقال اعتذاري.. لقد كنا فئة ضالة، آمنا بالحاجة إلى التغيير، وتطلعنا إلى مستقبل مشرق تحتل فيه بلادنا موقعا متميزا بين دول العالم الحر، يعيش فيه الفرد بكرامة وبلا سذاجة وبلا طمع وبلا انبطاح وبلا ذل.. كنا نتابع عن قرب إضرام النار في مراكز شرطتكم، وبنوككم وفي البلديات والمعتمديات، ومؤسسات دولتكم، وكنا على إدراك تام بأن من يحرق لا يمكنه البناء، ولكن ما حدث، كان الرسالة الوحيدة التي يمكن أن توجه إليك، وتبلغ أذنيك، وقد تملكها الصمم، لقد كنا على إدراك تام بأن ما حصل هو زواج غير شرعي بين حفنة من الغوغاء، لم تكن تملك طموحا ديمقراطيا، ولكنها كانت تملك قدرة رهيبة على الهدم والحرق..” (المصدر: رسالة اعتذار للرئيس بنعلي: توقيع المواطن شاكر الحوكي).
ما تعرض له النظام التونسي، كان يمكن أن يقع في المغرب أيضا، بعد أن تحركت آليات الدعاية الضخمة لحركة 20 فبراير التي انطلقت سنة 2011 لولا أن النظام تجاوب مع المطالب، بتقديم عدد كبير من التنازلات، يتم استغلالها اليوم للبحث عن تنازلات أخرى(..)، جسدها الاستفتاء على دستور جديد، وتنظيم الانتخابات، فكانت تلك أولى مقدمات الفشل الذريع الذي حققته الحشود في المغرب بخلاف دول أخرى(..)، فـ “بسبب الحساسية المفرطة التي تتميز بها الحشود، يلاحظ أن مشاعرهم سواء كانت الإيجابية أو السلبية مبالغ فيها دائما، وتزداد تلك المبالغة وقت الانتفاضات الشعبية والثورات، وغالبا ما تؤدي تلك المبالغة إلى إثارة واهتياج، وعلى أقل تقدير، تولد أفعال عنف مبالغ فيها هي الأخرى”، حسب ما يقوله العلماء المتخصصون.
توقفت حركة 20 فبراير، لكن محاولات إحيائها تكررت في الفترة الأخيرة مع اقتراب ذكراها السادسة، وها هي الحشود تخرج من جديد في الريف، متخذة من قضية بائع السمك، في محاولة لتقليد النموذج التونسي (بائع الخضر) منطلقا لها، بل إن مركز بوكيدان (الحسيمة) شهد أحداثا خطيرة، بعد أن قرر بعض المحتجين النزول إلى الشارع بالتزامن مع ذكرى رحيل عبد الكريم الخطابي الذي توفي سنة 1963 في العاصمة المصرية القاهرة، وقد بلغت الأحداث أوجها بعد إصابة 27 من عناصر الأمن أثناء تدخلهم لفض احتجاجات شهدتها المنطقة مساء الأحد، خصوصا بمنطقة بوكيدان، وكان السبب في احتدام المواجهات، هو قطع الكهرباء(..) الذي ساهم في زيادة عدد المتظاهرين، ممن لا علاقة لهم بالموضوع، ليختلط المطالبون بالكهرباء بالمطالبين بـ”جمهورية الريف” وأصحاب إحياء ذكرى وفاة عبد الكريم الخطابي(..).
أحداث مركز بوكيدان تأتي بعد سلسلة أحداث شهدتها منطقة الريف في الفترة الأخيرة، أبرزها على الإطلاق، المظاهرات التي اتخذت من إحياء أربعينية محسن فكري منطلقا لها، حيث كشفت هذه الأحداث عن الوجه الآخر للمخطط بشهادة بعض السياسيين في الحسيمة، الذين كشفوا مخطط الفتنة وقالوا: “لا يمكننا السكوت عن تطور الوضع إلى ما يمكن أن يخلق وضعية نحن في غنى عنها، ونعتبر أمن واستقرار الوطن فوق كل اعتبار.. نرفض بشكل مطلق المس بثوابت الشعب المغربي، لا سيما الدين الإسلامي والوحدة الترابية للمملكة، كما نناشد الشباب بعدم الانجرار وراء المواقف الداعية إلى الانفصال، سواء كانت من داخل الوطن أم من الخارج.. نرفض الاستعانة ببعض المناوئين للمملكة بالخارج، وهم مغاربة مع الأسف عبروا عن وعودهم للشباب بدعمهم ماديا قصد الاستمرار في الاحتجاج مع رفع سقف المطالب” (المصدر: بلاغ الكتابة الإقليمية لحزب النهضة والفضيلة بالحسيمة الصادر بتاريخ 15 دجنبر 2016).
لا تضحكوا، فصناعة ثورة، قد أصبحت اليوم، عملية رياضية، والمغرب أو غيره من البلدان ليس سوى أحد البلدان المستهدفة بما يسمى “الثورات الملونة”، حيث يعتقد العديد من المفكرين أن ((استراتيجية الثورات الملونة تصدِّرها الولايات المتحدة عبر منظمات المجتمع المدني وهيئات حقوق الإنسان العالمية والغير هادفة للربح (والفاهم يفهم)، للتخلص من النظام القائم بشكل سلمي تماما وبدون نشوب حروب بين “الثورة” و”الدولة” القائمة.. والملفت بعد هذه الثورات، أن الولايات المتحدة تصبح أول الدول اعترافا بها، ودفعا في سبيل نجاحها، تليها العديد من دول أوروبا التي ترتبط مصالحها بمصالح الولايات المتحدة وتترابط معها)) (المصدر: وكالات).
صحيح أن الثورات الملونة، تشير إلى ثورات بعينها، كثورة “الزهور” في جورجيا، والثورة “البرتقالية” في أوكرانيا، ولكن الحديث عن ثورة “الياسمين” في تونس و”الربيع” في الدول العربية الأخرى، يؤكد أن ما حصل بالأمس يحصل اليوم في الدول العربية، حيث يتم إسقاط النظام بالاعتماد على خطوات مبدئية محسوبة، وكلها تشترك في كونها: “أولا: تقوم في دولة نظامها مستبد لكنه يسمح بتعددية شكلية، يحاول أن يخترق المعارضة ويصنع معارضيه حتى تكون المعارضة محكومة ولها حدودها، ثانيا: تبدأ الثورات بدفع من وسائل إعلام خاصة، تمحور برامجها حول الحريات وقضايا الفساد في النظام القائم، ثالثا: توغل نشطاء المجتمع المدني داخل البلد المستهدف تحت غطاء منظمات غير ربحية ومساعدات إنسانية، رابعا: مظاهرات مليونية شعبية وسلمية، واعتصام كبير في أحد الميادين الكبرى والمحورية في العاصمة، رابعا: تجنب أي صدام عسكري بين الثورة والنظام القائم ومحاولة تحييد قوات الجيش والشرطة” (المصدر. ساسة بوست)، وأخيرا انظروا حولكم، ألا توجد هذه المؤشرات اليوم في المغرب؟ سواء في الريف أو غيره.
إن أكثر ما يؤكد استغلال رمزية عبد الكريم الخطابي في الأحداث الأخيرة مثلا، بغض النظر عن الألوان التي تؤكدها الصور(..) لا يقتصر على تشبت بعض المتظاهرين بحمل راية جمهوية الريف في الاحتجاجات فقط، ولكنها رسالة عائشة الخطابي، نجلة عبد الكريم الخطابي التي استشعرت الخطر وهي توجه رسالة خاصة لسكان الريف طالبتهم فيها بأن “يتمسكوا بوحدة الوطن، ولا يفرقوا بين الريفيين وساكنة باقي المدن المغربية، وذلك على خلفية التوتر الحالي الذي تعيشه منطقة الريف المغربي، وخصوصا إقليم الحسمية.. تذكرت عائشة الخطابي والدها الراحل، عبد الكريم الخطابي، حيث صرحت لـموقع “24 ساعة” متأثرة: “مرت54 سنة على رحيله، أتذكر جيدا نصائحه لنا.. في كل يوم كان يمضي، كان يحثنا على التعليم والتعلم، ويربينا على قيم التسامح والديمقراطية، كأن لا نتسبب في أذية أو ظلم أحدهم، وأن نقدم المساعدة لمن يحتاج لذلك”.. وتابعت: “لا أتذكر بأنه كان يفرق بين مسلم أو شخص ينتمي لديانة أخرى، فما بالك بمن ينتمون لنفس الوطن؟”، وأكدت أنه “كان يكافح طيلة حياته ضد الاستعمار لنصرة الحق.. ناضل كثيرا لكي تثور شعوب شمال إفريقيا ضد المستعمر، ففي المغرب كان يكافح بسلاحه ضد الإسبان، وفي منفاه كان يكافح بالكلمة”، قبل أن تختم حديثها بالقول: “ولعل أكثر شيء كان حريصا على تذكيرنا به دوما، هو وحدة الوطن وأننا سنعود يوما إلى المغرب” (المصدر: رسالة عائشة الخطابي لموقع 24 ساعة/ 7 فبراير 2017).
لا شك أن الملكية تواجه اليوم منعطفا حاسما(..)، ومع ذلك، فإن الرسالة ينبغي أن تكون واضحة للملك، فـ”وقت ازدواجية المواقف قد انتهى، فإما أن يكون المواطن مغربيا أو غير مغربي”، و”بروح المسؤولية، نؤكد أنه لم يعد هناك مجال للغموض أو الخداع، فإما أن يكون المواطن مغربيا أو غير مغربي، وقد انتهى وقت ازدواجية المواقف والتملص من الواجب، ودقت ساعة الوضوح وتحمل الأمانة، فإما أن يكون الشخص وطنيا أو خائنا، إذ لا توجد منزلة وسطى بين الوطنية والخيانة، ولا مجال للتمتع بحقوق المواطنة والتنكر لها، بالتآمر مع أعداء الوطن”، كما يتعين على “كافة السلطات العمومية مضاعفة جهود اليقظة والتعبئة للتصدي بقوة القانون لكل مساس بسيادة الوطن والحزم في صيانة الأمن والاستقرار والنظام العام، الضمان الحقيقي لممارسة الحريات”.. هكذا تحدث الملك محمد السادس، في وقت تتواصل فيه تلاعبات السياسيين والمقربين في الأحزاب والمؤسسات والأحداث(..).
إن المغاربة تلاقح حضاري أصيل، بين جميع مكونات الهوية المغربية، ولا فرق بين الجبلي والريفي، والصحراوي والسوسي، هكذا يتحدث الملك محمد السادس في خطبه، بينما تتواصل تلاعبات مسؤوليين وحزبين ومقربين، في السياسة والأحزاب والمؤسسات بحثا عن شهداء، غير أن المغرب لن يكون أبدا مصنعا لـ”شهداء الخيانة” (العبارة الأخيرة وردت في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى 39 للمسيرة الخضراء).
تتمة المقال تحت الإعلان
تتمة المقال تحت الإعلان



