تحليلات أسبوعية

بين السطور | مول الفز.. يقفز..

الطيب العلوي
بقلم: الطيب العلوي

يقول المثل المغربي المعروف: “مول الفز كيقفز”، لكن سرده الكامل هو: “مول الفز كيقفز.. ومول الفعلة ناض وقف وتهز.. لأنه حس براسو الهضرة عليه واستفز.. وبغا يستغل الفرصة وينتهز.. باش يغطي على مشاكيلو وقدام جمهورو يمتز”.

إذا كان المعنى الظاهر من هذه المثلة هو أن الواحد الذي يتحسس من كلام عام أو نقاش، ينتفض ويدافع عن نفسه بسرعة لأنه شعر أن الموضوع يمسه مباشرة، كاشفًا عن نقاط ضعف أو أسرار كان يحاول إخفاءها، فإن المثلة نفسها لن تنطبق من اليوم فصاعدا خير انطباق على غير الرفيق (…) عرشان.

تتمة المقال تحت الإعلان

محمود عرشان، أو الكوميسير عرشان، أعاد الجدل – حول نفسه خصوصا – في هذا الشهر الذي رافق عودته إلى الواجهة السياسية، ولو لبعض وقت (…)، بعد استقباله أولا من طرف فاتي “زد” في أمل استوزار الأولاد (…)، ثم ما أثارته مداخلته في البرلمان، بإحياء النقاش وتَبَرُّئِه من سنوات الجمر.. وكأن المغرب لم يعرف سنوات الرصاص.. وكأن “الإنصاف والمصالحة” بتقاريرها وتعويضاتها التي تساوي الملايير، وتقاريرها وأبحاثها لا تساوي شيئا (…). عاد إذن، بمحض إرادته، ليظهر بوجه باد للعيان للدفاع بـ”الألوان” عن حقبة مكتوبة بالحبر الأسود الجاف في المحاضر (…)، وليس الكوميسير عرشان سوى فكرة، والفكرة أبت أن تنتهي، لتظهر في زمن الانتخابات وكأن الهدف هو تعكير الأجواء (…) المحتقنة أصلا بقضايا أخرى أهم (…). هكذا عاد الكوميسير المعروف بجلاد “مولاي الشريف” إلى الوجود، والتحرك وهو في سن الثمانين، ليهاجم الذاكرة الحقوقية للمغاربة (…)، وقد قال الوالد لولده في القصة، عندما قال له نريد أن نحمل لقب “الشرفاء”، فقال له أبوه: “عليك أن تنتظر حتى يموت من يعرفوننا”، وفعلا مات السرفاتي، ومات بنسعيد أيت إيدر، لكن بقيت المحاضر والشهادات، والكثير من الأحياء..

تتمة المقال تحت الإعلان

إن التركيز المتزايد على مسؤولية أشخاص بعينهم يكاد يحجب السؤال: كيف تشكلت المنظومة التي منحت هؤلاء سلطة الملاحقة والاعتقال والتعذيب ؟ فالقضية في جوهرها لا ترتبط بشخص عرشان أو غيره، بل بحقبة كاملة من تاريخ المغرب الحديث وما أفرزته من آليات للحكم والصراع.

تتمة المقال تحت الإعلان

والمفارقة أن جزءً كبيرا من النقاش الدائر اليوم، يتعامل مع تلك المرحلة بمنطق الحاضر، فيسقط معايير العهد الجديد ومفاهيم حقوق الإنسان المعاصرة على سياق تاريخي مختلف دون مراعاة للشروط السياسية والفكرية التي كانت سائدة آنذاك.. فالنظر إلى تلك الحقبة بعيون اليوم، يُفضي وحده إلى قراءة مبتورة للتاريخ، تتجاهل أن المغرب كان يعيش في ظل الاستقطاب الإيديولوجي الحاد (…)، ومن ثم، فإن فهم تلك المرحلة يقتضي مساءلة البنيات والظروف التي أنتجتها، لا الاكتفاء بمحاكمة بعض وجوهها بمعزل عن سياقها التاريخي. إذن، إذا كان هذا الرجل كغيره من جلادي سنوات الرصاص قد نجا من العقاب، فلأن الدولة عملت بمنطق عفا الله عما سلف، وتوقفت عند رد الاعتبار للضحايا بتعويضهم ماديا دون مساءلة أي مسؤول، لأنها تدرك أن أوامر التعذيب كانت قادمة في السبعينات والثمانينات من أعلى مستوى.. وما كان على عرشان إلا أن يفعل بالمثل، بالاعتكاف في بيته الفاخر يأكل من قوته وينتظر الساعة (…) بكل اطمئنان، لا أن يعود ليطرطق بارود تيفلت في الرباط بعد عقود، خصوصا وأنه يعرف جيدا أن الملك محمد السادس نفسه قد سبق وتحفظ عليه، ورفض استقباله بسبب تاريخه المثقل بالانتهاكات، حيث في بداية العهد الجديد، اتصل المرحوم المريني بعرشان ودعاه للحضور إلى تواركة، للمشاركة في اجتماع مع الملك إلى جانب الكولونيل عبد الله القادري، والأمين العام لحزب الاتحاد الدستوري محمد أبيض، ليفاجأ عند وصوله إلى القصر بالمريني يسحبه إلى مكتبه ويخبره بأنه لم يعد معنيا بالاستقبال الملكي..

وعودة لمنهجية “مول الفز تيقفز”، يبقى الغريب والمثير للخوف (…)، أننا لم نسمع يوما نائبا برلمانيا واحدا شعر بالاحتقار والإهانة، و”قفز” غضبا لهذا التصنيف (…)، وقدم استقالته.. وهذا وحده يبقى واقعا “فزّ” يضرب المغرب حتى “يقفز”.. و”يا للحسرة”، فما شهدته أشغال دورة أكتوبر للمجلس الجماعي لتيفلت، من تصريحات نسبتها فيدرالية اليسار إلى نائب عرشان، اتهم فيها الراحل محمد بنسعيد أيت إيدر، أحد أبرز رموز المقاومة والحركة الوطنية واليسار المغربي، بـ”الخائن” و”العميل”، يؤكد أن القفز ما زال ينشط عندنا في اتجاه واحد فقط..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى