تحقيقات أسبوعية

تقرير | كيف تحرم الأحزاب السياسية خريجي برلمان الطفل من قبة التشريع الفعلي ؟

أطفال الأمس.. قادة مع وقف التنفيذ

تابع الرأي العام المغربي على مدى 17 يوما كاملة مخاض مفاوضات تنقيب رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري لتشكيل “حكومة سياسية قوية”، وطيلة هذه المدة تواترت الارتسامات والتوقعات بين الأمل والإحباط، وقد شهدت مرحلة اختيار الأسماء وحسم البروفايلات (مرحلة التدقيق والفرز) عدة صعوبات سياسية وتنظيمية.. وبعد مخاض عسير تم تشكيل حكومة هجينة حصدت أكبر عدد من النعوت المتناقضة.. أجمعت على “الفقر المدقع” الذي تعاني منه الأحزاب من حيث الكفاءات.. وبعيدا عن القيل والقال الجاري اليوم بهذا الخصوص، سننبش في مكان مهجور لا تريد الأحزاب الانفتاح عليه خوفا من فقدان “وسادة انعدام الكفاءة”.

مصطفى السباعي
بقلم: مصطفى السباعي

في صباح يوم الخميس 21 نونبر 2024، اهتزت قاعة الجلسات العامة بمجلس النواب المغربي على وقع مشهد استثنائي؛ وقفت الطفلة البرلمانية فرح الشاوي، وبثقة بالغة وفصاحة لافتة وجهت سؤالا استراتيجيا حارقا لوزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، سائلة إياه عن خطط الوزارة للحد من التداعيات السلبية لاعتماد التلاميذ المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي بدلا من تطوير مهاراتهم الفكرية. عجز الوزير حينها عن الرد الشفهي المباشر مكتفيا بالقول: “لم أُعدَّ لهذه الأسئلة”، ومفضلا الهروب إلى الإجابة الكتابية لاحقا. هذا المشهد الذي تابعه المغاربة بكثير من الانبهار بذكاء أطفالهم، يعري خلفه مفارقة صادمة؛ فهذا “المشتل الملكي” الذي أسسته الأميرة للا مريم عام 1999، وصنع أزيد من4300  خريج وخريجة قادرين على إفحام الوزراء، يصطدم بواقع حزبي قاحل عند بلوغ هؤلاء الأطفال سن الرشد القانوني؛ فبينما يُفترض أن يكون هؤلاء الخريجون المجرّبون النواة الصلبة لتجديد النخب بالمملكة، تحوّلوا بفعل حسابات سياسوية ضيقة إلى “قادة مع وقف التنفيذ”، فلماذا تغلق الأحزاب السياسية أبواب التزكيات في وجه كفاءات برلمان الطفل؟ وكيف تتحول طلاقة لسان الأطفال تحت قبة البرلمان إلى “فيتو” صامت تفرضه ماكينات الانتخابات التقليدية ومنطق الأعيان ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

ربع قرن من صناعة النخبة.. أرقام وحقائق موثقة

تتمة المقال تحت الإعلان

تفيد المعطيات المتوفرة على البوابة الرسمية لمجلس النواب، وبلاغات المرصد الوطني لحقوق الطفل، أنه على مدار 27 سنة من العطاء المستمر، تداول آلاف الأطفال على مقاعد برلمان الطفل عبر 14 ولاية انتدابية، وصولا إلى الولاية الحالية (الرابعة عشر) الممتدة رسميا بين 2026 و2028، وتكشف البيانات الهيكلية أن المؤسسة طورت بنيتها العددية بانتظام لمحاكاة الغرفة الأولى للبرلمان الحقيقي؛ فبينما انطلقت التجربة في مرحلتها الأولى (منذ التأسيس عام 1999 وحتى الولاية السابعة) بتركيبة قوامها 325 طفلا وطفلة لتطابق التقطيع الانتخابي القديم لمجلس النواب، شهدت المرحلة الثانية (منذ الولاية الثامنة وصولا إلى الولاية الرابعة عشر الحالية) رفع هذا العدد إلى395  طفلا وطفلة، وتتوزع هذه البنية المعاصرة بدقة بين 305 مقاعد مخصصة للدوائر المحلية بناءً على معيار التميّز الدراسي، و90 مقعدا تمنح للائحة الوطنية التي تمثل الجمعيات والبعثات الأجنبية.

تتمة المقال تحت الإعلان

الهجرة نحو التميز: مسارات ساطعة بعيدا عن “مستنقع” السياسة

أمام هذا الانغلاق الحزبي، كشفت تقارير الحصيلة التقييمية لربع قرن من التأسيس، والصادرة عن المرصد الوطني لحقوق الطفل، أن النسبة الأكبر من الخريجين اختارت بوعي تحويل طاقاتها القيادية نحو مجالات حيوية بعيدة عن معترك الانتخابات.

لقد تحول رصيد الترافع وفصاحة الخطابة ومواجهة الكاميرا التي اكتسبها الأطفال في سن مبكرة إلى وقود لنجاحات مهنية لافتة في أربعة قطاعات رئيسية: أولها: منظومة الطب والبحث العلمي عبر كليات الطب والصيدلة داخل المغرب وخارجه مدفوعين بالتميز الحقوقي والدراسي. ثانيها: السلك الحقوقي والقضاء عبر محامين وقضاة داخل المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمنظمات المستقلة تفعيلا للوعي المبكر بالاتفاقيات الأممية للطفل. ثالثها: الدبلوماسية الدولية والإعلام عبر أطر شابة في وزارة الشؤون الخارجية وهيئات الأمم المتحدة، وصحفيين ومعدي برامج حوارية في القنوات السمعية البصرية الوطنية. ورابعها: ريادة الأعمال والمجتمع المدني من خلال تكتلات الكفاءات وجمعيات تنموية كبرى رائدة، مفضلين العطاء المهني على الانتظارية داخل المقرات الحزبية.

نماذج استثنائية.. كفاءات فرضت نفسها خارج نظام “الدمج الحزبي“

رغم هذا الهروب الجماعي نحو التميز المهني، يكشف التاريخ الانتخابي المعاصر، بما فيه المحطة التشريعية الأخيرة التي جرت في23  شتنبر 2026، أن الانتقال من كراسي المحاكاة ببرلمان الطفل إلى كراسي التشريع والتدبير الحكومي الفعلي، ظل حكرا على عصاميات استثنائية فرضت وجودها الشخصي دون أن يكون ذلك نتاجا لآلية استقطاب حزبي مُمأسسة، ويبرز في مقدمة هذه الأسماء، حسب المعطيات المتوفرة، يونس السكوري، عضو الولاية التأسيسية لبرلمان الطفل لعام 1999، والنائب البرلماني السابق (2011-2016)، والوزير السابق للإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، وفي المضمار التشريعي والمحلي، تظهر تجربة نجوى ككوس، الوزيرة حاليا للأسرة والتضامن، والتي تدرجت من طفلة برلمانية مطلع الألفية (الولاية الانتدابية الأولى (1999-2001) لتنتزع مقعدها النيابي عبر اللائحة المحلية بدائرة أنفا بالدار البيضاء في اقتراع23  شتنبر 2026، ضمن لائحة حزب الأصالة والمعاصرة، متجاوزة منطق “كوطا اللائحة الجهوية” بعد مسار تدبير محلي حافل، وينطبق الأمر ذاته على ابتسام عزاوي، خريجة برلمان الطفل في ولاياته المبكرة (الولاية الانتدابية الثانية (2001-2003)، والتي شكّل ذلك التكوين دافعا لولوجها البرلمان الفعلي سابقا برسم ولاية (2016-2021) عبر اللائحة الوطنية للشباب.

“مصفاة الأحزاب”.. أين يختفي قادة الغد ؟

رغم التكوين العالي والجاهزية السياسية لهؤلاء الأطفال، إلا أن وصولهم إلى البرلمان الفعلي بعد سن الـ 18 يصطدم بـ”مصفاة قاسية” تضعها الماكينات الحزبية، ويمكن جرد معالم هذا الإقصاء في أربعة عوائق بنيوية: أولها: سطوة “أعيان الانتخابات” والتمويل المالي والروابط القبلية التي تُقصي الشباب. ثانيها: قنوات “التوريث العائلي” بدلا من الكفاءة، حيث تحولت آليات دعم الشباب الملغاة (كلائحة الشباب أو الكوطا سابقا) إلى “ريع تنظيمي” استغلته النخب النافذة والأعيان للدفع بأبنائهم وبناتهم لتأمين مساراتهم السياسية مجهضة فرص هؤلاء الخريجين. ثالثها: الصراعات الداخلية للمكاتب السياسية الحزبية التي تمنح التزكية للأقدمية التنظيمية داخل الهياكل، وتعتبر خريجي برلمان الطفل “قفزا على المراحل”. ورابعها: غياب قنوات التواصل والبحث والتنقيب عن هذه الكفاءات بعد بلوغها السن القانوني للترشح واستقطابها من طرف الأحزاب، ويترك الاستقطاب لعشوائية المبادرات الفردية المعدومة من جانب الهيئات السياسية.

قلب المعادلة: هل تحتاج هذه الكفاءات إلى الأحزاب أصلا ؟

هذا الواقع المنسد يطرح سؤالا جوهريا يقلب لغة المساءلة: هل تحتاج كفاءات خريجي برلمان الطفل، بعد بلوغها سن الرشد والنضج الأكاديمي، إلى صك غفران من الأحزاب للولوج إلى مراكز القيادة؟ فالجواب الميداني يكشف أن النخبة المتخرجة من هذا المشتل، باتت تتجاوز القنوات الحزبية التقليدية التي تعاني من أزمة جاذبية خانقة؛ فالشرعية العلمية والحقوقية والدولية التي يكتسبها هؤلاء الشباب في مساراتهم المستقلة، تمنحهم بدائل سلطة وتأثير أقوى من “ثرثرة” الهياكل الحزبية.

إن تحصيل شواهد عليا في القانون الدولي، وإدارة أوراش التنمية بالمجتمع المدني، وريادة الأعمال الرقمية، والتميز في قنوات المنظمات الدبلوماسية الدولية، يتيح لهؤلاء الشباب التأثير في السياسات العمومية وصناعة القرار من مواقع استشارية وتكنوقراطية وتنموية متقدمة. لقد أصبحت الأحزاب في الواقع هي الطرف الأكثر حاجة لهذه النخب الجاهزة لتلميع واجهاتها وفك عزلتها عن “جيل زد”، بينما يثبت الخريجون أن مراكز القيادة الحقيقية تصنعها الكفاءة الميدانية، لا التزكيات المختومة في مكاتب الأحزاب.

جرس إنذار للصُمّ: قطيعة “القبيلة والغنيمة” وأطروحة الجابري في تفكيك تنافر النخب

أفرزت محطة 23 شتنبر 2026 الانتخابية نتائج ميدانية وضعت حدا لرهانات المساحيق القانونية؛ فرغم التعديلات الجريئة التي هُندست لفتح الباب أمام لوائح الشباب والمستقلين، إلا أن المنظومة صمدت بآلياتها القديمة لتلتهم ماكينات الأعيان والتمويل المالي تلك المبادرات الفردية، وهذا الانسداد الانتخابي لا يعكس مجرد خلل عابر في قنوات التمثيل، بل يفضح واقعا أعمق من “القطيعة التامة والتنافر البنيوي” بين النخب الشابة والمطبخ الحزبي التقليدي، قطيعة يعجز معها الطرفان عن إيجاد مساحة لقاء مشتركة.

هذا التباعد السوسيولوجي يستدعي الأطروحة المركزية للمفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في تفكيكه لـ”العقل السياسي العربي”، وتحديقا في شروط “التحويل التاريخي” للمحددات البنيوية، إذ يرى الجابري أن المعضلة لا تكمن في غياب الكفاءات، بل في عجز المنظومة السياسية عن تحويل آليات “القبيلة” (التي تتجسد اليوم في العصبية الحزبية الضيقة وقنوات التوريث العائلي) إلى تنظيم مدني مؤسساتي حديث قائم على المواطنة، وعجزها التام عن تحويل منطق “الغنيمة” (الذي يتمثل في ريع التزكيات والامتيازات المصلحية للانتخابات) إلى اقتصاد سياسي منتج للأفكار والنخب.

إن هذا التحليل الفلسفي الممتد يمثل بحق “جرس إنذار” دقّه الجابري منذ عقود، لكنه رنّ في ردهات صُمّت فيها آذان الطبقة الحزبية التي تفضل العيش في جزر معزولة ومجافاة الحداثة الحقيقية لإعادة إنتاج آلياتها التقليدية المتجاوزة، وفي المقابل، يواصل قادة الغد من خريجي برلمان الطفل شق مسارات ريادتهم المستقلة في ميادين المهن الحرة والترافع الدولي والمدني دون التفات للوراء.

وإلى أن تستوعب مطابخ الأحزاب السياسية أن تجديد النخب ليس شعارا استقطابيا موسميا، بل هو “ورش تحويل بنيوي شامل”.. ستبقى تمارس العزلة والإقصاء الذاتي، وسيبقى قادة المستقبل يصنعون تأثيرهم خارج ردهات مقراتها المقفلة، كشاهد حي على منظومة حزبية تخاف المستقبل لأنها تعجز عن “هضم” كفاءاته وفسح المجال لها في صالة تدبير الشأن العام.

وكل انتخابات وأنتم على بينة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى