تحقيقات أسبوعية

للنقاش | ماذا بعد زيارة حفتر للمغرب ؟

أعادت زيارة الجنرال خالد حفتر للمغرب مؤخرا إلى الواجهة الدور الذي اضطلع به المغرب لتسوية الأزمة الليبية منذ سقوط نظام القذافي في سنة 2011، بعدما بادرت الرباط إلى جمع الأطراف الليبية المتصارعة على السلطة من خلال اجتماعات الصخيرات 2015، وما تلاها.. وهو ما يطرح الأبعاد السياسية لهذه الزيارة وما يمكن أن يستفيد منها الطرفان في المستقبل..

بقلم: جميلة حلبي

شكلت زيارة الفريق أول ركن الليبي، خالد حفتر، للمغرب ولقائه بالفريق ركن أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، وبغض النظر عن الاتفاقات ذات الطابع العسكري التي تمت بين الطرفين، مادة دسمة لمختلف وسائل الإعلام المغربية والعربية، لما لها من أهمية في المنطقة التي لم تعرف بعد الاستقرار.. ورغم أنها تهم تعزيز التعاون العسكري والأمني وتبادل الخبرات في مجالات التكوين والتدريب والتكنولوجيات العسكرية، ودعم الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، إلا أنها أعادت النقاش السياسي حول دور الوساطة التي يلعبها المغرب في مجموعة من النزاعات بين الدول أو أطراف الدولة الواحدة من أجل تسوية الخلافات القائمة حول الحكم؛ فالمغرب كان ولا زال يبحث عن تسوية شاملة للخلافات التي تضرب دول المغرب العربي، وخاصة في ليبيا، حيث يواصل نهج الانفتاح على جميع الأطراف المتنازعة دون الانحياز لهذا الطرف على حساب الآخر، وذلك منذ “اتفاق الصخيرات” سنة 2015 واتفاقات بوزنيقة، وفي هذا الإطار جاء استقبال قيادة عسكرية من شرق ليبيا.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد ظلت المملكة المغربية حريصة على التواصل مع كافة الفرقاء الليبيين من أجل إيجاد تسوية شاملة للخلافات، ومن أجل إرساء مبادئ استقرار السلطة وإنهاء سنوات من التفرقة والصراع على الحكم، وفي الجهة المقابلة، تسعى قيادة شرق ليبيا إلى توسيع قنوات تعاونها الخارجي من خلال الاستفادة من شركاء لهم وزنهم في المنطقة، ولذلك كانت الوجهة هي المملكة المغربية للاطلاع على تجارب الجيش المغربي في مجالات تأمين الحدود ومحاربة الإرهاب والتطرف على اعتبار أن شرق ليبيا مفتوح على الحدود مع السودان وتشاد، مع ما تعيشه تلك المنطقة من تداعيات الحرب السودانية ونشاط شبكات تهريب السلاح والجريمة المنظمة وتحركات الجماعات الإرهابية عبر الحدود، لذلك فإن استقرار ليبيا يشكل إحدى الركائز الأساسية للأمن المغاربي والمتوسطي والساحلي.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومن جهة أخرى، فقد يلعب هذا التعاون المغربي الليبي في المجال العسكري، دورا مهما في قضية الصحراء، ويمكن أن يشكل فرصة لإعادة بناء تفاهمات سياسية إيجابية نحو الاعتراف بمغربية الصحراء وبالحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية للمملكة، في خطوة ربما ستمهد الطريق نحو تجاوز الإرث التاريخي لمواقف الأنظمة الليبية السابقة من المغرب، بما سيضع حدا لخلافات أخرى وتوحيد المواقف بين الفرقاء الليبيين، والعودة لاتفاقات الصخيرات وبوزنيقة من أجل بناء ليبيا موحدة، وهو ما من شأنه تحقيق نوع من الاستقرار السياسي في شمال إفريقيا.

تتمة المقال تحت الإعلان

وحسب تصريح المحلل السياسي الشرقاوي الروداني، الخبير المغربي في الدراسات الجيواستراتيجية والأمنية، لموقع “العربي الجديد”، فإن “زيارة خالد حفتر للرباط تحمل دلالات سياسية وأمنية ترتبط بطبيعة التحولات التي تشهدها الأزمة الليبية، وبإعادة تشكيل التوازنات الجيوستراتيجية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، كما أنها تندرج ضمن تطور المقاربة المغربية للملف الليبي، من مواكبة مسارات التسوية السياسية إلى توسيع قنوات التواصل مع الفاعلين العسكريين المؤثرين في موازين القوى على الأرض”.

فالمغرب – كما هو معروف – حافظ على مسافة من الاصطفافات الإقليمية، وراكم رصيدا دبلوماسيا مهما منذ اتفاق الصخيرات، مرورا بحوارات بوزنيقة، خاصة اجتماعات لجنة 6+6 المتعلقة بالقوانين الانتخابية سنة 2023، فضلا عن المشاورات البرلمانية التي احتضنتها طنجة سنة 2020، والتي ساهمت في تقريب المواقف بين ممثلي المؤسسات الليبية، ويقول الروداني أن “الانفتاح على القيادة العسكرية في شرق ليبيا يعكس إدراكا لطبيعة الأزمة الليبية، التي لم تعد محصورة في التنافس على الشرعية السياسية، بل أصبحت مرتبطة بتعدد مراكز القرار العسكري والأمني، وبصعوبة إعادة بناء مؤسسات الدولة ضمن سلطة سيادية موحدة”، وهنا لا يمكن إغفال الدور الكبير الذي قام به المغرب في تقريب وجهات النظر بما يتعلق بالمادة الثامنة من اتفاق الصخيرات، والذي كان حجر الزاوية بين الأطراف في شرق ليبيا وغربها”، لذلك لا يمكن فصل زيارة حفتر للمغرب عن الإشكالية المؤسساتية التي رافقت اتفاق الصخيرات، خصوصا المادة الثامنة من أحكامه الإضافية، والمتعلقة بصلاحيات المناصب العسكرية والأمنية العليا، وكذلك المادة العاشرة، واللتين شكلتا إحدى نقاط الخلاف الأساسية بين الأطراف الليبية.

الفرقاء الليبيين
صورة من لقاءات الصخيرات بين الفرقاء الليبيين

فالمسألة العسكرية كانت ولا زالت أهم نقاط تعثر التسوية السياسية بين الفرقاء الليبيين، بسبب استمرار الصراع حول مرجعية القيادة العليا للجيش. من هنا تكتسي الزيارة دلالة تتجاوز التواصل الثنائي بين الطرفين، لتضع الأصبع على مكامن الخلل في بناء الدولة الليبية، ويتعلق الأمر بآلية التوفيق بين واقع القوة العسكرية ومقتضيات الشرعية المؤسساتية، بما يسهم في إعادة توحيد المؤسسة العسكرية ضمن سلطة سيادية وطنية واحدة، كما تبرز أهمية الدبلوماسية العسكرية الموازية باعتبارها قناة لبناء الثقة وتهيئة الشروط الأمنية لأي تسوية سياسية شاملة، وكل هذه الأمور تدور في فلك اتفاق الصخيرات باعتباره اللبنة الأولى التي لا يمكن الاستغناء عنها في بناء ليبيا موحدة، وبهذا الخصوص، يقول الشرقاوي الروداني أن “القيمة الاستراتيجية لهذه الزيارة تكمن في إمكانية توظيف التواصل العسكري لخدمة مسار توحيد المؤسسات الليبية دون المساس باستقلالية القرار الوطني الليبي أو الحل السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة”.

وليس خافيا أن المملكة المغربية تضطلع منذ سنوات طويلة بدور في مواكبة مسار محاولة تجاوز الانقسام ليس في ليبيا وحدها، وإنما سبق للمغرب أن تدخل وعرض وساطته على الأطراف المتنازعة في السودان، وفي ليبيا فإن انفتاح المغرب على سلطات شرق ليبيا، التي يقودها المشير خليفة حفتر منذ سنة 2014، يدخل في إطار التحولات الإقليمية والدبلوماسية التي تشهدها منطقة شمال إفريقيا بالخصوص، وذلك بهدف توسيع قنوات التواصل مع هذه السلطات وإدماجها في علاقاتها الإقليمية في أفق تسوية شاملة لقضية الدولة الليبية وتوحيد الأطراف حول سلطة واحدة تدير شؤون البلاد.

يبدو أن زيارة الجنرال خالد حفتر للمغرب تندرج في إطار الانفتاح على الدول الداعمة والباحثة عن حلول للاستقرار في الدول التي لا زالت تعيش الفوضى والانقسام منذ أحداث الربيع العربي، إذ سبق أن زار الفريق أول ركن صدام حفتر، وهو أحد أبناء خليفة حفتر نائب قائد القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، (زار) الإمارات العربية بتاريخ 25 شتنبر 2026، والتقى بوزير الدفاع الإماراتي، حيث تداول الطرفان في سبل التعاون وتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين، وكذا مناقشة التعاون الدفاعي والتنسيق المشترك ودعم الاستقرار الإقليمي، وهو ما يؤشر على أن سلطات شرق ليبيا تبحث جادة عن الوصول إلى تسوية الخلافات وتعزيز الدولة الليبية عسكريا وأمنيا في ظل التحديات الأمنية في القارة الإفريقية.

فقد ارتبط الدور المغربي في القضية الليبية بفكرة أن حل الأزمة لا يمكن أن يتحقق عن طريق الحسم العسكري وحده، وأن استمرار الانقسام يفرض تكاثف جلسات الحوار بين الأطراف الفاعلة في الملف، وهو ما أفرز لقاءات طنجة في نونبر 2020 والتي جمعت بين أعضاء مجلس النواب الليبي بمشاركة ممثلين عن أطراف من شرق البلاد وغربها، في محاولة لتقريب المواقف بشأن المؤسسات والاستحقاقات السياسية.. فالأزمة الليبية لم تعد محصورة في الخلاف بين سلطات الشرق والغرب، بل أضحت مرتبطة بتوازنات اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود البلاد، وكنتيجة لعدة مراحل من الحوار بين الفرقاء الليبيين، وافقت الحكومتان المتنافستان في ليبيا في 11 أبريل 2026، على ميزانية موحدة من أجل جعل حد للإجهاد الذي يتعرض له الإنفاق المزدوج من الحكومتين، وجاء هذا التفاهم نتيجة اتصالات شاركت فيها أطراف من المعسكرين، من بينها إبراهيم الدبيبة (أحد أبرز الشخصيات النافذة في المشهد السياسي والأمني بالغرب الليبي) وصدام حفتر (قائد القيادة العامة لشرق ليبيا)، وهو ما ينحو في اتجاه توافق يلوح في المستقبل حول إرساء أسس حكم مستقر في البلاد.

وهكذا، فقد كان للدبلوماسية المغربية بقيادة الملك محمد السادس، دور كبير وإيجابي في تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية المتصارعة على الحكم، إذ اعترضت مخرجات الحل منذ اتفاقات الصخيرات عدة عراقيل، منها ما يخص المعنيين، ومنها ما يفتعل من طرف دول مصلحتها في استمرار التفرقة وعدم الاستقرار في منطقة المغرب العربي بالخصوص، ومنها من تدعم الجماعات المسلحة في إفريقيا والتي تنشط بين الحدود، لذلك يحمل المغرب على عاتقه مساعدة مختلف الأطراف على إيجاد تسوية للخلافات الداخلية، وهو دوما يؤكد أن الحل لن يكون إلا من طرف الليبيين أنفسهم، كما سبق وقال بخصوص الصراعات الدائرة في السودان، وأن الموقف الدبلوماسي المغربي تجاه الأزمة السودانية يتسم بالثبات والاتزان ويرتكز على مبادئ أساسية هدفها صون سيادة السودان ووحدته الوطنية، فالحل يجب أن يكون سودانيا-سودانيا، وأن يتم التوصل إليه بإرادة سودانية خالصة بعيدا عن التدخلات الخارجية التي قد تزيد من تعقيد الأمور، بما يضمن توافق جميع الأطراف المتنازعة، كما يحرص المغرب دائما على تقديم المساعدات الإنسانية والطبية، ويعرض وساطته السلمية دون التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الصديقة، وخاصة الدول العربية، وهو ما جعل المملكة المغربية تحظى بالثقة الكبيرة من أجل إدارة لقاءات فرقاء الأزمة الليبية، وما التعاون العسكري الذي أفرزته زيارة الجنرال خالد حفتر لبلادنا واللقاء بالقيادات العسكرية المغربية، إلا نتيجة العمل الدبلوماسي الإيجابي والبناء الذي يتعامل به مع الخصوم قبل الأصدقاء، وربما يساهم إنهاء الأزمة الليبية في بلورة فكرة عودة بلدان المنطقة إلى اتحاد مغاربي من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى