مع الحدث | وعود المنصوري بين المجلس الوزاري والبرنامج الحكومي
وعدت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بالقيام بالعديد من الإصلاحات والالتزامات خلال الولاية الحكومية، عبر تنزيل العديد من الإجراءات التي تشكل الخطوط العريضة لقانون المالية 2027، وذلك في البرنامج الحكومي الذي قدمته أمام أعضاء مجلس النواب والذي يتضمن مجموعة من الوعود والأهداف المقبلة، لكن البرنامج الحكومي الذي قدمته الوزيرة المنصوري في البرلمان، لم يتطرق لمجموعة من المطالب الاجتماعية والالتزامات التي جاءت في البرنامج الانتخابي الذي تضمن 20 التزاما بغلاف مالي إجمالي قدره 350 مليار درهم خلال الخمس سنوات.
إعداد: خالد الغازي
التصريح الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، لم يتضمن الغلاف المالي الإجمالي، حيث تعهد الحزب بإحداث مليون منصب شغل صافي خلال الولاية الحكومية، وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة، لكنه اكتفى فقط ببرنامج لتكوين مائة ألف شاب سنويا، ولم يحافظ على الوعد الانتخابي المتعلق بإعفاء الأجور التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة على الدخل، مكتفيا نسبيا بإصلاح تدريجي للدخل الصافي دون تحديد النسب، وفي قطاع الصحة، التزم ببناء أربع مستشفيات جامعية جديدة، وتأهيل 90 مستشفى جهويا وإقليميا، بينما ركز التصريح فقط على تحسين العرض الصحي.

في هذا السياق، اعتبر الدكتور فؤاد مسرة، أستاذ باحث بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن البرنامج الحكومي والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 يعكسان إدراكا واضحا لأولويات المرحلة، وفي مقدمتها استعادة القدرة الشرائية، وتحسين جودة الخدمات العمومية، وإدماج الشباب، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز السيادة الاستراتيجية للمملكة، وهي أولويات تستجيب لانشغالات فعلية لدى المواطنين، وتندرج ضمن مواصلة الأوراش الإصلاحية الكبرى التي أطلقتها بلادنا تحت القيادة الملكية.
وأضاف نفس المتحدث أن ما يلفت الانتباه هو الترابط بين البعد الاجتماعي والقاعدة الاقتصادية الضرورية لاستدامته؛ فتوسيع الحماية الاجتماعية، ورفع الدعم المباشر، وتأهيل الصحة والتعليم.. تتطلب اقتصادا منتجا يخلق الثروة والشغل ويوفر موارد مالية مستدامة. وفي المقابل، فإن الاستثمار في صحة المواطن وتعليمه واستقراره الاجتماعي، يعزز قدرته على المشاركة في الإنتاج والتنمية، كما يرى أهمية خاصة في التوجه نحو إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار، لأن حماية القدرة الشرائية تحتاج لمعالجة اختلالات الإنتاج والتوزيع والتخزين والمنافسة، وتقليص كلفة الوساطة غير المبررة، بما يحقق الإنصاف للمنتج والمستهلك معا.
وأوضح المتحدث ذاته أن الاتجاه العام وجيه، وأن المرحلة المقبلة تقتضي ترجمة هذا الانسجام إلى برمجة مالية وتنفيذية دقيقة؛ فالبرنامج الحكومي يحدد التزامات الحكومة، وقانون المالية يشكل إحدى أدوات تنزيلها السنوي، بينما يظل المعيار الحاسم هو الأثر الذي يلمسه المواطن في دخله والخدمات الاجتماعية وعمله، خاصة وأن الحكومة تتوفر على مقومات مهمة لتنفيذ برنامجها بالنظر إلى الاستقرار المؤسساتي، وتراكم الإصلاحات، والبنيات التحتية، والمؤهلات الإنتاجية والاستثمارية التي راكمها المغرب، لذلك فإن الثقة في قدرتها على الإنجاز لها أسس موضوعية، شريطة تعبئة هذه المقومات ضمن أولويات واضحة وتدبير فعال، لكن ينبغي استحضار أن الحكومة ستشتغل في بيئة تتسم بتزايد المخاطر المناخية واضطراب الأسواق الدولية وارتفاع كلفة التمويل والمنافسة على الطاقة والتكنولوجيا، وهي عوامل قد تؤثر في فرضيات النمو والموارد المتاحة وكلفة بعض الالتزامات.

من جانبه، يرى أمين السعيد، أستاذ العلوم السياسية، أن أولويات البرنامج الحكومي تتمثل في تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وتعزيز الدولة الاجتماعية، وإحداث فرص الشغل، وإصلاح قطاعي الصحة والتعليم، وتقليص الفوارق المجالية، وتحفيز الاستثمار وتحقيق النمو الاقتصادي، غير أن القراءة التحليلية لهذه الأولويات تقتضي التمييز بين أهمية القضايا المطروحة ومدى قدرة الحكومة على تقديم أجوبة عملية للاختلالات الاجتماعية والاقتصادية القائمة، مضيفا أن الإشكال لا يكمن في إعادة التأكيد على ضرورة تحسين الخدمات العمومية أو توفير فرص الشغل، وإنما في مدى قدرة السياسات المقترحة على تجاوز حدود التعهدات السياسية وتحقيق نتائج ملموسة.
وأكد ذات المتحدث أن استمرار غلاء المعيشة والبطالة والتفاوت في الولوج إلى الخدمات الأساسية.. يطرح تساؤلات حول فعالية السياسات السابقة ومدى قدرتها على إحداث تحول في الأوضاع الاجتماعية، وبالتالي، فإن التحدي المطروح أمام الحكومة يتمثل في الانتقال من منطق إعلان الأولويات إلى منطق النتائج القابلة للقياس بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات ويستجيب لانتظاراتهم، حيث أن تحقيق معدلات نمو مرتفعة لا يعني بالضرورة تحسن الأوضاع الاجتماعية ما لم ينعكس على إحداث فرص شغل مستقرة، وتحسين الأجور والقدرة الشرائية، وتوزيع أكثر إنصافا لثمار النمو، ومن ثم، فإن السؤال النقدي المطروح يتعلق بطبيعة النمو الذي تستهدفه الحكومة، ومدى قدرته على إنتاج الثروة وتوسيع قاعدة المستفيدين منها، بدل الاكتفاء بمؤشرات الاستثمار والتوازنات المالية.
وحسب نفس المتحدث، فإن مستقبل البرنامج الحكومي ينبغي ربطه بسياق دولي وبيئي يتسم بتزايد الاضطرابات وعدم اليقين، إذ ستواجه السياسات العمومية خلال السنوات المقبلة احتمالات تأثرها بأزمات خارجية، مثل تقلب أسعار الطاقة والمواد الأولية، واضطراب سلاسل التوريد، والتوترات الجيوسياسية، فضلا عن التغيرات المناخية وتوالي فترات الجفاف وتراجع الموارد المائية، بما قد ينعكس على الإنتاج الفلاحي والأسعار والنمو الاقتصادي وفرص الشغل، وهذه العوامل لا تمثل مجرد إكراهات ظرفية، بل تفرض إعادة التفكير في كيفية إعداد السياسات العمومية، والانتقال من التدبير الذي يستجيب للأزمات بعد وقوعها إلى التخطيط الاستباقي القائم على توقع المخاطر وبناء القدرة على الصمود.

بدوره، قال محمد بنقدور، الرئيس المؤسس للجامعة الوطنية لجمعيات حماية المستهلك بالمغرب، أن من أولويات البرنامج الحكومي هي القدرة الشرائية، التي جاءت في برامج جميع الأحزاب المشكلة للحكومة خلال الفترة الانتخابية، والتي أصبحت إشكالية حقيقية يعيشها المواطن، حيث أن القفة الغذائية في الماضي كانت تكلف 50 درهما واليوم وصلت لـ 150 درهما على الأقل، لأن الأسعار تضاعفت ثلاث مرات، الشيء الذي يعتبر من أولويات الحكومة في المرحلة المقبلة لحل هذه المشكلة.
وأضاف نفس المتحدث أن إجراء إصلاح أسواق الجملة وخلق شركات للتوزيع هو إجراء في محله، لأن الإشكال الحقيقي يكمن في الوسطاء بين الفلاح وتاجر التقسيط، الذين يربحون 5 إلى 6 دراهم بدون موجب حق ودون قيمة مضافة، وبالتالي، إذا نظمت هذه الأسواق لوضع حد لهؤلاء المضاربين، سيكون ذلك إجراء مفيدا للحفاظ على القدرة الشرائية، حيث أنه في حالة دعم الفلاحين الصغار والمتوسطين من قبل شركات التوزيع مقابل شراء المنتجات وبيعها لتجار التقسيط بأثمنة مقبولة، ستصل إلى المستهلك بثمن مناسب، معتبرا أن هذه الإجراءات يمكن أن يكون لها أثر على المستهلك المغربي، منبها إلى ضرورة التحكيم والتوازن بين تصدير المنتجات إلى الخارج وتحقيق الاكتفاء الذاتي، مع استحضار مصلحة الفلاح والعملة الصعبة والحفاظ على القدرة الشرائية من خلال توفير منتجات أساسية، وهذا ما جاء في الخطاب الملكي خلال افتتاح الدورة البرلمانية بخصوص تحقيق السيادة في مجموعة من المواد الأساسية، وخاصة مخزون المحروقات والمواد الغذائية والأدوية، لذلك فالحكومة مطالبة بالتفاعل بكل إيجابية مع التوجيهات الملكية.
فقد تضمن المجلس الوزاري خمسة أهداف أساسية في مشروع قانون المالية لسنة 2027، أولها استعادة القدرة الشرائية وتوطيد أسس دولة اجتماعية مستدامة، عبر إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار، واتخاذ مجموعة من الإجراءات التي تتوخى دعم القدرة الشرائية للمواطنين، ومواصلة تعميم التغطية الصحية وضمان استدامة أنظمتها، ورفع قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، إضافة إلى مضاعفة جهود تأهيل المنظومتين العموميتين للصحة والتعليم، وتعزيز الولوج للسكن اللائق، عبر تنزيل برنامج الدعم المباشر للسكن.
وتناول المجلس الوزاري أهدافا كبرى، من أبرزها تنزيل الجهوية المتقدمة والجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، والتفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، وتعزيز السيادة الاستراتيجية المائية والطاقية والغذائية والرقمية، وتسريع برنامج تطوير الطاقات المتجددة، ومواصلة مشروع الهيدروجين الأخضر والبنية التحتية للغاز، وبناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الطموح الاجتماعي والسيادي، وتسريع دينامية الأوراش والمشاريع التنموية الكبرى والاستراتيجيات القطاعية في مختلف المجالات، ودعم الاستثمار، والاهتمام بالشباب عبر برنامج وطني لتسهيل ولوجه الى الشغل.
أما التصريح الحكومي الذي عرضته فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، في البرلمان، فقد تناول مجموعة من الوعود والالتزامات، من أبرزها مواصلة الحماية الاجتماعية وإصلاح الصحة والتعليم والاستثمار والدعم والسكن والماء والطاقة والبنيات الأساسية، تصحيح التعثرات في تحويل الاستثمار إلى تشغيل، وتحسين الخدمات والإنصاف، ويرتكز البرنامج على سبع أولويات منها توطيد دولة الحق والقانون؛ محاربة الفساد والريع؛ صيانة الهوية وتماسك المجتمع؛ ضمان العيش الكريم والدولة الاجتماعية؛ إدماج الشباب؛ تأمين السيادة الاستراتيجية والإشعاع الدولي؛ إصلاح مدونة الأسرة؛ تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية؛ ونهج سياسة مندمجة للطفولة والشباب والمسنين؛ العمل على ضمان حماية النساء والأطفال وحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة؛ نهج سياسة دامجة لمغاربة العالم؛ تقوية الاستثمار في البنيات الأساسية والاستراتيجيات الإنتاجية؛ تحديث الفلاحة؛ إطلاق خارطة طريق سياحية للفترة 2027-2030 لبلوغ 26 مليون سائح بحلول سنة 2030، مع تطوير التعاونيات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني واقتصاد الرياضة.
وتضمن البرنامج الحكومي كذلك مجموعة من الالتزامات التي تعتزم الحكومة القيام بها خلال ولايتها، منها استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، خـاصة تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات للحصول على امتيازات، إلى جانب وضع آليات لفحص الصفقات العمومية والتحقيق في التواطؤ في طلبات العـروض، وتخصيص 30 في المائة من قيمة صفقاتهم للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية، كما تعهدت الحكومة بإصلاح هيكلي لتنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية، وضبط صادرات السلاسل الحساسة، وتكوين القطيع الوطني من المواشي.
ومن بين الإجراءات التي جاء بها البرنامج الحكومي أيضا: إصلاح الضريبة على الدخل لرفع الدخل الصافي للأجراء؛ إصلاح شامل لأنظمة التقاعد؛ الرفع من معاشات المتقاعدين لـ 3 آلاف درهم شهريا؛ زيادة الدعم الاجتماعي لألف درهم عند نهاية الولاية؛ تمكين الأرملة من معاش كامل؛ توسيع الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل، كما يتضمن البرنامج مجموعة من الإجراءات في القطاع الصحي، تشمل تغطية الخصاص الترابي في العرض الصحي، وإصلاح استقـبال المرضى ومصالح الاستعجالات، وتعزيز الموارد البشرية، أما بالنسبة لقطاع التعليم، فتلتزم الحكومة بمواصلة تطوير وتعميم نموذج مؤسسات الريادة، ومحاربة الهدر المدرسي عبر تحقـيق هدف “صفر انقطاع عن الدراسة” في أفق 2030، وضمان توجيه كل تلميذ منقطع، سواء بإعادة الإدماج أو التكوين المهني.
وتضمن البرنامج الحكومي سياسة متكاملة للسكن من خلال دعم التملك مع زيادة عـرض السكن، وإحداث عرض وطني للسكن المخصص للكراء، والقضاء على السكن غير اللائق، وتخصيص 4 ملايين سنتيم لدعم السكن القروي، أما بالنسبة للشباب، فقد جاءت الحكومة ببرنامج وطني لتكوين 100 ألف شاب سنويا حسب حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب سنويا من أول تجربة مهنية، ومواكبة 60 ألف مقاولة لضمان تطورها واستمرارها.
فقد تحدثت المنصوري في البرلمان عن مجموعة من الإصلاحات التي تعتزم الحكومة القيام بها خلال ولايتها، لكن غالبية هذه المقترحات أو التدابير التي تسعى الحكومة الجديدة إلى تحقيقها، تدخل ضمن الأهداف والفرضيات المقرونة بالتحديات الاقتصادية والمناخية والتداعيات الدولية، من أبرزها الطاقة والقطاع الفلاحي، والزيادة في المعاشات والأجور، ودعم القدرة الشرائية، وتشغيل الشباب ومعالجة إشكالية البطالة، إذ تعتبر طموحات ونوايا في انتظار ما يخبئه الواقع والمستقبل.



