قانون | حدود الحماية الدستورية للبرلماني المغربي
من حصانة الكلمة إلى مسؤولية الفعل..

ليست الحصانة البرلمانية امتيازا شخصيا يمنح النائب حقا استثنائيا في مواجهة القانون، وليست في المقابل مجرد إجراء شكلي يمكن الاستغناء عنه باسم المساواة أمام العدالة.. إنها في جوهرها إحدى الضمانات الدستورية التي تستهدف حماية استقلال المؤسسة التشريعية، وصيانة حرية أعضائها في التعبير والتصويت والقيام بمهام الرقابة والتشريع دون خوف من المتابعة بسبب مواقفهم البرلمانية.
لكن الإشكال يبدأ حين يغيب التمييز بين الحصانة باعتبارها ضمانة وظيفية، والحصانة باعتبارها امتيازا شخصيا، عند هذه النقطة، يصبح النقاش حول الحصانة البرلمانية في المغرب أبعد من مجرد قراءة لنص دستوري، إنه نقاش حول حدود السلطة، ومفهوم المسؤولية، ومدى قدرة المؤسسات على التوفيق بين استقلال العمل البرلماني ومبدأ خضوع الجميع للقانون.

إعلامي وباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية
الفصل 64: حماية الكلمة لا إطلاق اليد
ينص الفصل 64 من دستور المملكة لسنة 2011، على عدم إمكانية متابعة عضو من أعضاء البرلمان أو البحث عنه أو إلقاء القبض عليه أو اعتقاله أو محاكمته بسبب رأي أبداه أو تصويت قام به خلال مزاولته لمهامه، مع الاستثناءات التي حددها الفصل نفسه.
وتستند هذه الحماية إلى منطق دستوري واضح: لا يمكن لنائب برلماني أن يمارس وظيفته الرقابية والتشريعية باستقلال إذا كان معرضا للمتابعة بسبب موقف اتخذه داخل إطار مهامه؛ فحرية التعبير البرلماني ليست امتيازا للنائب بقدر ما هي ضمانة للمواطن الذي انتخبه، وللمؤسسة التي يمثلها، وللتعددية السياسية التي يقوم عليها النظام التمثيلي.
غير أن نطاق هذه الحماية ليس مفتوحا بلا حدود؛ فالفصل 64 يرتبط بالرأي والتصويت في سياق ممارسة المهام البرلمانية، ولا يصح تحويله إلى قاعدة عامة تعفي النائب من المسؤولية القانونية عن كل ما يصدر عنه أو يقوم به لمجرد أنه يحمل صفة برلمانية.
وهنا يكمن جوهر المسألة: الحصانة تحمي الوظيفة لا الشخص الذي يحمل صفة برلماني.
حين تتحول الصفة إلى مصدر للالتباس
في الوعي العام، كثيرا ما تختلط الحصانة البرلمانية بفكرة الحماية من المتابعة القضائية على إطلاقها، وقد يسهم هذا الخلط في ترسيخ تصور مفاده أن الانتداب الانتخابي يمنح صاحبه وضعا قانونيا مختلفا عن بقية المواطنين.
لكن القراءة الدستورية تقتضي التمييز بين مستويين مختلفين: أولهما؛ حماية الآراء والتصويت المرتبطين بممارسة المهام البرلمانية، وثانيهما؛ المسؤولية القانونية عن الأفعال التي لا تدخل في نطاق هذه الحماية.
فالانتماء إلى مؤسسة تشريعية لا ينبغي أن يكون، في حد ذاته، سببا في إعفاء صاحبه من المسؤولية، مثلما لا ينبغي أن تكون المتابعة القضائية وسيلة للتأثير في مواقفه أو الحد من استقلاليته في أداء مهامه.
إن التوازن الدستوري المطلوب لا يتحقق بتوسيع الحصانة إلى ما يتجاوز غايتها، ولا بتقليصها على نحو يمس بحرية العمل البرلماني، وإنما باحترام حدودها القانونية وتطبيقها على أساس طبيعة الفعل وصلته بالوظيفة.
المساواة أمام القانون واستقلال المؤسسة
يثير موضوع الحصانة سؤالا أساسيا في القانون الدستوري: كيف يمكن التوفيق بين مبدأ المساواة أمام القانون والحاجة إلى توفير ضمانات خاصة لممثلي الأمة ؟ الجواب لا يكمن في اعتبار المبدأين متعارضين بالضرورة؛ فالمساواة أمام القانون لا تعني إلغاء كل ضمانة مرتبطة بممارسة وظيفة دستورية، كما أن استقلال المؤسسة التشريعية لا يعني منح أعضائها حصانة عامة من المساءلة.
إن الحماية الدستورية المقررة للبرلماني تجد مشروعيتها في الغاية التي تؤديها، أي تمكينه من ممارسة مهامه بحرية واستقلال، وكلما ابتعد تطبيقها عن هذه الغاية، اتسعت المسافة بين المبرر الدستوري للحصانة والصورة التي قد تتشكل عنها لدى الرأي العام، ومن هنا، تصبح دقة التكييف القانوني للوقائع، ضرورة مؤسساتية لا مجرد مسألة تقنية، إذ يتعين التمييز بين ما يرتبط فعلا بحرية التعبير والتصويت في إطار المهمة البرلمانية، وما يخضع لقواعد المسؤولية القانونية العامة.
الحصانة والثقة في المؤسسات
لا تقاس قوة البرلمان بعدد الضمانات التي يتمتع بها أعضاؤه فحسب، بل أيضا بقدرته على تحويل هذه الضمانات إلى شروط لتحسين جودة التشريع والرقابة والمساءلة، فالحصانة التي تحمي النائب من الضغوط غير المشروعة تساهم في استقلال المؤسسة.
أما الخلط بين الحصانة والإعفاء من المسؤولية، فيمكن أن يضعف الثقة العامة في العمل البرلماني، خصوصا حين لا يكون الفرق بين الحماية الوظيفية والمسؤولية عن الأفعال واضحا في النقاش العمومي، لهذا، فإن الدفاع عن الحصانة البرلمانية لا يقتضي الدفاع عن كل تفسير موسع لها، كما أن المطالبة بالمحاسبة لا تبرر المساس بالضمانات التي وضعها الدستور لحماية استقلال السلطة التشريعية.
فالمطلوب إذن، هو الاحتكام إلى النص الدستوري، واحترام اختصاصات المؤسسات، وضمان ألا تتحول المساءلة إلى وسيلة للضغط السياسي، وألا تتحول الصفة التمثيلية إلى ذريعة للتهرب من القواعد القانونية.
الخلاصة: ضمانة دستورية ومسؤولية مؤسساتية
إن النقاش حول الحصانة البرلمانية في المغرب ينبغي أن يتجاوز ثنائية الدفاع المطلق عنها أو المطالبة بتقليصها، لأن المسألة تتعلق أساسا بتحديد الغاية من الحماية الدستورية، وضبط نطاقها، وضمان تطبيقها بما يصون استقلال العمل البرلماني ويحترم مبدأ سيادة القانون.
فالديمقراطية لا تحتاج إلى برلمان يخشى التعبير عن مواقفه، ولا إلى برلماني ينظر إليه باعتباره فوق المساءلة.. إنها تحتاج إلى مؤسسة تشريعية قوية بضماناتها الدستورية، وبجودة أدائها، وبقدرة أعضائها على تحمل مسؤولية تمثيل المواطنين، وبالتالي، فالحصانة تحمي الكلمة حين تكون جزءً من ممارسة الوظيفة البرلمانية، أما مسؤولية الفعل، فتظل محكومة بحدود القانون، وبينهما يتحدد التوازن الدقيق بين استقلال النائب البرلماني ومبدأ المساواة أمام القانون.



