المنبر الحر | من يحمي أطفالنا من سموم منصات التواصل الاجتماعي ؟


كلما رأيت طفلا يلهو بهاتف ذكي، لا أراه مجرد طفل يتابع فيديو أو يلعب أو يتبادل الرسائل مع أصدقائه، بل مواطنا صغيرا دخل مبكرا إلى واحدة من أعقد الأسواق التي صنعها الاقتصاد الرقمي الحديث، سوق لا تباع فيه الأشياء فقط، بل يباع فيه الانتباه، وما يقلقني أكثر أن الطفل يدخل هذا العالم في الغالب قبل أن يدرك معنى الخوارزمية والبيانات الشخصية والاستهداف الإعلاني، وقبل أن يمتلك القدرة النفسية والمعرفية الكاملة على مقاومة التقنيات التي صممت لكي تجعله ينقر أكثر، ويشاهد أكثر، ويبقى متصلا مدة أطول، لذلك أعتقد أن النقاش حول الأطفال ومواقع التواصل الاجتماعي يجب ألا يبقى محصورا في سؤال: هل نسمح لأطفالنا باستعمال الهاتف أم نمنعهم؟ فالمشكلة أوسع بكثير، وتمس نموذجا اقتصاديا عالميا يحول وقت الإنسان وفضوله وسلوكه إلى قيمة تجارية، ويجد في الطفل مستخدما يمكن تشكيل عاداته منذ سنواته الأولى.
الأرقام وحدها تجعلني أتعامل مع المسألة باعتبارها قضية مجتمع لا قضية أسر متفرقة؛ فبحسب معطيات برنامج التعاون بين “اليونيسيف” والمغرب، يبلغ عدد الأطفال دون الثامنة عشر في المملكة نحو 11.5 مليون طفل من أصل حوالي 36.8 مليون نسمة، أي أننا نتحدث عما يقارب ثلث المجتمع، لا عن فئة هامشية يمكن ترك علاقتها بالعالم الرقمي تتطور بطريقة عفوية، وإذا كان ملايين الأطفال يعيشون اليوم في بيئة أصبح فيها الهاتف الذكي بوابة إلى المعرفة والترفيه والعلاقات الاجتماعية، فإن أي خلل في هذه العلاقة ستكون له نتائج تتجاوز الفرد والأسرة إلى المدرسة والثقافة والصحة النفسية ومستقبل المجتمع نفسه.
وقد أضاء المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي جانبا مهما من هذه القضية في رأيه حول بناء بيئة رقمية دامجة وآمنة للأطفال، والذي اعتمده في مارس 2024، حيث اعتبر أن الاستخدام الواسع للشبكات الاجتماعية من طرف الأطفال يوفر فرصا ولكنه يعرّضهم كذلك لمخاطر تمس صحتهم الجسدية والنفسية وتطورهم الاجتماعي والدراسي، وأتوقف هنا عند معطيات دراسة سابقة شملت 1293 طفلا وشابا مغربيا تتراوح أعمارهم بين 8 و28 سنة، وهي لذلك لا تمثل الأطفال وحدهم ولا يجوز تعميم نتائجها آليا على جميع القاصرين، لكنها تعطينا مؤشرا قويا على اتجاه السلوك الرقمي لدى الفئات الأصغر سنا والشباب؛ فقد أفادت الدراسة بأن80 % من المشاركين يستخدمون الأنترنيت بانتظام، وأن 70 % منهم يرتادون شبكات التواصل الاجتماعي، والأشد دلالة أن 43 % أبلغوا عن اضطرابات في النوم، و41.5 % أشاروا إلى تراجع في الأداء الدراسي، و35.6 % تحدثوا عن نزاعات مع الأسرة أو الأصدقاء، كما أفاد نحو الثلث بتعرضهم للتنمر الإلكتروني، بينما قال 40 % إنهم يتقاسمون بيانات شخصية مع غرباء، ونسبة مماثلة تقريبا لا تتحكم جيدا في إعدادات الخصوصية.
هذه الأرقام تجعلني أتساءل عما إذا كنا لا نضع أبناءنا أمام آلة رقمية معقدة ثم نطالبهم بضبط أنفسهم؛ فالطفل الذي يقضي ساعات على منصة للفيديوهات القصيرة لا يواجه محتوى عشوائيا بالمعنى البسيط للكلمة، بل يواجه منظومة تتعلم باستمرار من سلوكه؛ تعرف الفيديو الذي أكمله إلى النهاية، والذي تجاوزه بسرعة، والموضوع الذي جعله يتوقف، والصورة التي أعاد مشاهدتها، والوقت الذي يكون فيه أكثر قابلية للتفاعل، ثم تستخدم هذه الإشارات لتقديم مادة أخرى تجعله يستمر، وليست القضية مؤامرة سرية، بل نموذج أعمال واضح يقوم في جزء كبير منه على زيادة الاستخدام والتفاعل، وبالتالي، زيادة فرص تحقيق الإيرادات الإعلانية أو التجارية، ولهذا تصبح المعركة بين طفل لم يكتمل نضجه بعد وبين خوارزمية محسّنة باستمرار، معركة غير متكافئة منذ البداية.
لقد أصبح الطفل المغربي يعيش اليوم في بيتين؛ بيت من الإسمنت والأثاث تحاول أسرته حمايته داخله، وبيت رقمي بلا جدران تديره شركات وخوارزميات لا يُعرف غالبا من يقف خلفها، وقد يكون من العبث أن نشدد مراقبة باب البيت الأول بينما نترك أبواب البيت الثاني مشرعة لكل محتوى، ولكل غريب، ولكل معلن، ولكل خوارزمية تبحث عن ثانية إضافية من انتباهه، لذلك فإن السؤال الذي أطرحه اليوم لا يتعلق بما إذا كان المغرب سيحظر هذه المنصة أو تلك، بل بما هو أعمق بكثير: هل نقبل أن يكبر أحد عشر مليون طفل تقريبا في فضاء رقمي تحدد قواعده الشركات أساسا، أم نقرر أخيرا أن للطفولة المغربية حقوقا رقمية يجب أن تكون أقوى من منطق الأرباح ؟



