المنبر الحر | رد الاعتبار في ظل عبارة “ولو رُد اعتباره”

بقلم : محمد لعيالي
حين يقرر المشرع نظاما يسمى رد الاعتبار، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن أن الشخص الذي أدى ما عليه تجاه المجتمع، ونفذ العقوبة المحكوم بها، واستوفى الشروط التي حددها القانون، يفترض أن يستعيد وضعه القانوني وألا تظل الإدانة تطارده إلى ما لا نهاية.
فهذه هي الفلسفة التي يقوم عليها رد الاعتبار: ألا تتحول العقوبة من جزاء محدد في الزمن إلى وصمة دائمة، وألا يبقى الماضي الجنائي حاجزا أبديا أمام إعادة الاندماج، ولذلك رتب قانون المسطرة الجنائية على رد الاعتبار أثارا قانونية ترمي إلى تجاوز النتائج المستقبلية للإدانة وفتح المجال أمام المحكوم عليه للعودة إلى الحياة الاجتماعية والمهنية بصورة طبيعية، غير أن هذه الفلسفة تصطدم، عند الولوج إلى بعض الوظائف، بعبارة قصيرة لكنها ثقيلة الأثر: “ولو رد اعتباره”.
ويقدم الولوج إلى القضاء نموذجا واضحا لهذه المفارقة؛ فالمادة 7 من القانون التنظيمي رقم 106.13 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، كما تم تعديلها، تشترط في المترشح ألا يكون مدانا قضائيا أو تأديبيا بسبب ارتكابه أفعالا منافية للشرف والمروءة أو حسن السلوك، ولو رد اعتباره، ومؤدى ذلك، أن شخصا قد يرتكب فعلا في مرحلة من حياته، ويصدر في حقه حكم، ثم ينفذ العقوبة كاملة، وتمر المدة القانونية، ويثبت اندماجه وحسن سلوكه، ويستفيد بعد ذلك من رد الاعتبار وفق المسطرة التي وضعها المشرع نفسه، ومع ذلك، عندما يفكر في ولوج القضاء، يعود الحكم القديم إلى الظهور من جديد بوصفه مانعا قائما.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: إذا كان رد الاعتبار لا يستطيع أن يزيل أثر الإدانة في واحدة من أهم صور الاندماج المهني، فما القيمة العملية لهذا الرد بالنسبة لمن يوجد في هذه الوضعية ؟
قد يقال، وهو قول له وجاهته، إن القضاء ليس وظيفة عادية؛ فالقاضي مؤتمن على حقوق الناس وحرياتهم وأموالهم، وإن طبيعة هذه الرسالة تبرر اشتراط أعلى درجات المروءة والنزاهة وحسن السلوك، غير أن هذا التبرير لا يلغي الإشكال، بل ينقله إلى مستوى أعمق: هل ينبغي أن يكون أثر الإدانة أبديا؟ وهل من المنطقي أن يعترف القانون نفسه للشخص برد الاعتبار، ثم يعود في نص آخر ليعامله كما لو أن ذلك الاعتبار لم يُرد أصلا ؟
المفارقة هنا ليست في حق المشرع في تشديد شروط الولوج إلى القضاء، فهذا أمر مفهوم بالنظر إلى حساسية الوظيفة القضائية، وإنما في مدى انسجام استمرار المنع الأبدي مع الفلسفة التي يقوم عليها رد الاعتبار؛ فإذا كان السلوك اللاحق للفرد، ومرور الزمن، وتنفيذ العقوبة، وإعادة الإدماج.. كلها غير كافية لإعادة النظر في أثر الإدانة، فإن رد الاعتبار يصبح، في هذه الحالة، ناقصا من حيث أثاره.
ولعل الإشكال يزداد وضوحا عندما نتساءل عن طبيعة الأفعال المشمولة بالمنع؛ فعبارات من قبيل “الأفعال المنافية للشرف والمروءة أو حسن السلوك” تفتح بدورها نقاشا حول نطاقها وحدودها، وحول ما إذا كان من الأفضل ربط المنع بطبيعة الجريمة وخطورتها ومدى صلتها المباشرة بالوظيفة القضائية، بدل ترتيب أثر دائم على كل وضعية تدخل ضمن هذه الأوصاف.
إن حماية هيبة القضاء ونزاهته ضرورة لا نقاش فيها، لكن حماية هذه الهيبة لا ينبغي أن تمنعنا من مساءلة منطق التشريع نفسه: هل الغاية من رد الاعتبار هي فعلا إعادة إدماج الشخص وفتح صفحة جديدة، أم مجرد محو محدود لبعض أثار الحكم مع الإبقاء على أثاره الأكثر حساسية ؟
لهذا تبقى عبارة “ولو رد اعتباره” أكثر من مجرد شرط قانوني للولوج إلى القضاء؛ إنها عبارة تعيد فتح النقاش كله حول مفهوم العقوبة، وحدودها الزمنية، وحق الفرد في بداية جديدة.
فإذا كان القانون قد قرر أن الاعتبار يمكن أن يُرد، فمن المشروع أن نسأل: متى يصبح هذا الرد حقيقيا إذا كان الماضي يظل قادرا على إغلاق أبواب المستقبل ؟



