المنبر الحر | الحملة الانتخابية تكشف عن هشاشة التأطير داخل الأحزاب

بقلم : عثمان محمود
التأطير المقصود هنا ليس ذاك الذي يخص التوعية والإرشاد والاطلاع على مستجدات القضايا الوطنية، وأخذ أفكار عنها من منظور الحزب؛ ولا ذلك التأطير الذي يخص تكوين وإعداد المناضلين والمناضلات الذين سيشكلون القواعد الثابتة للحزب في الحاضر والمستقبل، ومنها النخب التي تدخل غمار الانتخابات عن جدارة واستحقاق لتمثيل الحزب خير تمثيل في تحمل المسؤولية على الصعيد المحلي أو الوطني، فما أعنيه حقيقة هو الإعداد الجيد لأولئك الذين تعهد إليهم مهمة التعريف بالمرشحين والمرشحات على مدار الحملة الانتخابية، بحيث يكونون في مستوى ذلك التعريف الذي يقنع الناخبين والناخبات على ضوء ما يتطلعون إلى تحقيقه من أهداف، وما يسعون إلى تثبيته من مستحقات، وكل ذلك في أجواء يسودها النظام والانضباط لا الفوضى، والانسجام والتفاهم لا التشتت والفرقة والعنف، خصوصا عند الالتقاء بمن يمثلون الأحزاب المنافسة.
حقا إن الحملة الانتخابية التي سبقت اقتراع الثالث والعشرين من شتنبر المنصرم أظهرت بالمحسوس والملموس أن لا شيء تغير في هذا الباب؛ فالتجمعات الخطابية طبعتها العشوائية والضوضاء، والخطب الملقاة من فوق المنصات ارتجالية وفاقدة لما من شأنه أن يشد الاهتمام، كما أن مضامينها قد ألفت الآذان سماعها في ما سبق من الحملات الانتخابية على مدار الأعوام السالفة، والشعارات بدورها مكررة بحيث لا تحمل أدنى إبداع يشد العقول، ويحفز على الاقتناع بما يتم الترويج له من برامج انتخابية، وعن الولائم التي واكبت تلك المهرجانات الخطابية، فعليك بغض البصر؛ إذ عنوانها الأبرز الشره والتبذير الشبيه بذاك الذي يحضر في مواسم الفروسية في العديد من المناطق شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، أما عند حلول ما يسمى بالصمت الانتخابي، أو ما قبله بقليل؛ فقد ختم المروجون للوائح الأحزاب تحركاتهم بإلقاء الأوراق على اختلاف أحجامها وأشكالها في الشوارع والأزقة والحدائق، في صورة صادمة تشعر المرء بالمكانة التي تحتلها البيئة داخل المبادئ العامة للأحزاب، ونصيبها الأوفر ضمن برامجها الانتخابية.
أليس من واجب أحزابنا إذن، أن تضع من الآن فصاعدا أمر أجواء الحملة الانتخابية في الاعتبار، وتستعد لها الاستعداد الجيد، فتؤطر الساهرين والساهرات عليها بحيث يكون في مقدورهم الوصول إلى الناخبين والناخبات بالطرق الميسرة التي يميزها الشعار الأحسن والمدروس، والصورة الدقيقة، والتواصل الناجح واقعيا وافتراضيا، فتقطع بذلك نهائيا مع العهد الذي كانت تحشد فيه الحافلات والسيارات بالنساء والرجال، لتكتظ بهم ساحات المهرجانات الخطابية التي تعقبها الموائد التي تخاطب البطون، وما الصور التي وثقتها الهواتف بالصوت والصورة خلال الحملة الانتخابية الأخيرة إلا دليلا قاطعا على ما واكبها من مواقف تستدعي الخجل والأسف البالغ على أولئك الرجال والنساء الذين وجدوا أنفسهم في أجواء لا يعرفون عنها شيئا، وإن حملوا الشعارات ولوحوا بالصور.
أشهر قليلة باتت تفصلنا عن الانتخابات المحلية؛ فهل من وقفة متأنية أيتها الأحزاب لأخذ الدروس والعبر مما عاشته الحملة الانتخابية من مشاهد ومواقف مضحكة مبكية.. أم أنه لا طعم للانتخابات في غياب مثل هذه المواقف وما يشبهها ؟


