بين السطور | الذكاء الاصطناعي في زمن الغباء البشري

ردّا على موجة السخرية والانتقادات التي رافقت الإعلان عن قرار إحداث قطاع حكومي مخصص للذكاء الاصطناعي، دافعت فاطمة الزهراء المنصوري عن الفكرة، مؤكدة أن هذا المجال بات رافعة استراتيجية للنمو الاقتصادي والابتكار التكنولوجي، وفي إشارة إلى السي رحو، أوضحت فاتي “زد”.. أن اختيار المسؤول عن هذه الوزارة لم يكن محكوما بمنطق المحاصصة الحزبية، بل استنادا إلى معيار الكفاءة والخبرة، باعتباره إطارًا تكنوقراطيا بمؤهلات لازمة لقيادة هذا الورش.
طيب.. إلّا أن السي رحو يجب أن يضع في الحسبان، قبل انبهارنا ببريق التقدم التكنولوجي.. أن مغربنا أصبح يهيمن عليه الغباء البشري بدرجة أكبر كثيرا من خضوعه للذكاء الاصطناعي، ويضيف لمعادلته أن قضايا كثيرة لا زالت مختلة بدرجة كبيرة، ما دمنا في بلد ما زالت فيه حتى صفحات المواقع الإلكترونية الرسمية للعديد من الوزارات بدون تحديث، أشبه بمتاحف رقمية مهجورة، والخدمات تتعطل، والأخطاء التقنية تتحول إلى جزء من هوية الإدارة.. قررنا القفز مباشرة إلى وزارة للذكاء الاصطناعي، ولا أحد يسأل، بطبيعة الحال، ماذا حل بمشاريع الرقمنة السابقة، ولا من يتذكر اليوم مصير “المغرب الرقمي 2013” الذي وُعدنا به كمدخل إلى الحداثة قبل أن يختفي في دهاليز النسيان..
المهم عندنا.. ليس بناء إدارة ذكية، بل الإعلان عن عنوان ذكي، فنحن في زمن تُصنع فيه الواجهات قبل البنيات، وتُرفع الشعارات قبل إنجاز الحد الأدنى من الإصلاح.. والأجمل، أن هذه المشاريع الضخمة لا تُقاس بنتائجها بقدر ما تُقاس بقدرتها على اجتذاب القروض والاستثمارات وإغراء المانحين.. تماماً كما تحوّل النقاش حول بعض الاستراتيجيات القطاعية إلى احتفاء بالأرقام المرصودة لا بالأهداف المحققة.. والمفهوم مرة أخرى أن الأهم هو حجم الأموال التي ستدور حول “الذكاء الاصطناعي” لا مقدار الذكاء الذي سيصل فعلاً إلى الإدارة والمواطن. إنها لعبة سحر متقنة: ينشغل الجميع بالأصبع الذي يشير إلى القمر، إلى أن يختفي القمر نفسه في الظلام (…)، لكن لا بأس؛ فالعصر عصر العروض البراقة، والتصفيق فيها غالباً أعلى من صوت الأسئلة.
المغرب ربما كان عليه أن يخلق قطاعا خاصا بإصلاح الغباء، أو بعبارة جادة، إصلاح المنظومة البشرية، ترافق قطاع الذكاء الاصطناعي، إن لم يكن قبله (…)، ولقد سبقني الحسن الثاني رحمه الله إلى الحديث عن الغباء والأغبياء (…)؛ فقد كان سنة 1987 يتحدث إلى صحفي من المجلة الإيطالية “كلاس”، وقال له: ((إن المهنة ليست غبية، وإنما الناس هم الأغبياء.. فليست المهمة قبيحة، ولكن الناس قبيحون، وقيمة الحرفة في قيمة من يحترفها)).



