تحليلات أسبوعية

تحليل إخباري | الاتحاد الاشتراكي.. حزب الانتخابات الذي خسر الجماهير الشعبية

إدريس لشكر.. الوافد القديم

عاش حزب الأصالة والمعاصرة مخاضا طويلا مليئا بالإشكالات والمنعطفات(..) قبل أن يتمكن بعد 18 سنة من مخاض الولادة، من تحقيق هدفه المنشود، وهو الوصول لصدارة الانتخابات، غير أنه اضطر للتضحية بعدد كبير من أعضائه ومؤسسيه قبل وصول المجموعة الأخيرة لخط النهاية، ومع أنه لا يمكن إغفال حقيقة حزب الأصالة والمعاصرة، المنبثق عن “تفكير” مجموعة “حركة لكل الديمقراطيين”، إلا أنه لا يمكن كذلك إغفال هذا التسابق المحموم نحو عضوية الحكومة التي يقودها، خاصة من لدن حزب الاتحاد الاشتراكي على سبيل المثال، هذا الأخير كان زعيمه إدريس لشكر أكبر “خصوم الهمة” وسماه “الوافد الجديد” في بلاغ حزبي شهير، ولكنه اليوم رجع إلى فيلم “الرسالة” ليؤكد شرعية المشاركة مع الأغلبية، بحديثه عن “المشركين الذين انتقلوا من معاداة الرسول إلى أشد أنصاره”..

إعداد: سعيد الريحاني

تتمة المقال تحت الإعلان

هذا “الحديث غير الشريف” لإدريس لشكر، لكونه لا ينطبق مع الخط السياسي لحزبه (..)، ولا يمت بأي صلة لمقررات مؤتمرات الاتحاد الاشتراكي، بما فيها المقررات التي كان يقف خلفها إدريس لشكر نفسه، عندما كان بمثابة العقل المفكر و”اللسان السليط” لحزب القوات الشعبية، وقد كان خصومه يشهدون له قبل أصدقائه بأنه رجل التنظيم(..) قبل أن يتحول إلى قائد يسير على حبل التناقضات.

تتمة المقال تحت الإعلان

اليوم، يحاول إدريس لشكر إيجاد كل المبررات لدخول حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، ولمعرفة حجم التناقض بين الأمس واليوم، لا يكفي الوقوف عند كون إدريس لشكر أحد خصوم “حركة لكل الديمقراطيين”، قبل مكافأته بالوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان، وهي الوزارة التي ساهمت في إخراس صوت لشكر طيلة سنوات الانتفاضات الشعبية التي سميت بالربيع.. ولكم أن تتصوروا موقع إدريس لشكر لو لم يكن الاتحاد الاشتراكي مشاركا في حكومة عباس الفاسي آنذاك (..).

تتمة المقال تحت الإعلان

للرجوع إلى مطالب حزب الاتحاد الاشتراكي ومقارنتها مع مبررات دخول الحكومة اليوم، يمكن الرجوع إلى بعض فقرات البيان التاريخي للمؤتمر الوطني الثامن للحزب، والذي انعقد سنة 2008 أيام الكاتب الأول عبد الواحد الراضي (ممثل القصر في الحزب)، وقد كان هذا المؤتمر هو الذي مهد لـ”البيعة الأولى” لإدريس لشكر فيما بعد (..).

الاتحاديون قالوا ما يلي:

((- إن المؤتمر الوطني الثامن يعتبر أن تجاوز اختناقات المشهد السياسي تقتضي القيام بإصلاح دستوري ومؤسسي كمدخل ضروري لتجاوز المعيقات التي تواجه مسار الانتقال الديمقراطي، وذلك بالتوجه نحو إقرار ملكية برلمانية يتحقق في إطارها مبدأ فصل وتوازن السلط، بما يحفظ للمؤسسات كلها أدوارها ومكانتها، ويدقق صلاحياتها ويؤهلها للاضطلاع بمهامها في هيكلة الحقل السياسي وتأهيله؛

– إقرار سياسة واضحة وشمولية لمحاربة الفساد والرشوة في المجالات الاقتصادية والسياسية على السواء، وذلك بمحاربة اقتصاد الريع والامتيازات، وتقليص مجال الاقتصاد غير المنظم، ووضع سياسة شفافة وموضوعية قائمة على الاستحقاق والكفاءة في الاضطلاع بالمسؤوليات التمثيلية والتدبيرية وربطها بإعلان واضح عن الممتلكات قبل وبعد تحمل المسؤولية؛

– إعمال إرادة سياسية واضحة في محاربة الفساد الانتخابي وفي إعادة النظر في نمط الاقتراع بشكل يحافظ على وجود الأحزاب ونجاعتها، ويخرج المجال السياسي من هيمنة الأعيان ومراكز النفوذ، ويعطي للمؤسسات المنتخبة مضمونا مرتبطا بقيم الديمقراطية والحداثة، وبشروط الحكامة الجيدة؛

– يؤكد المؤتمر الثامن دعمه المطلق لنضال الشعب الفلسطيني، وتمسكه بحقه في الحرية والكرامة وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، ويعبر المؤتمر الثامن كذلك عن تضامنه مع الشعب العراقي في كفاحه من أجل وحدة كيانه الوطني وإجلاء قوات الاحتلال الأجنبي عن أرضه، وتفعيل مقومات التعايش السلمي بين كل مكوناته؛

– نؤكد لهم جميعا تشبثنا بقيم الاتحاد وبرصيده النضالي، رصيد المهدي بنبركة وعمر بنجلون وعبد الرحيم بوعبيد، فإننا نعبر لهم عن التزامنا باتخاذ مبادرات جدية مباشرة بعد انتهاء أشغال مؤتمرنا الثامن من أجل توحيد صفوف اليسار الاشتراكي حول برنامج سياسي لصالح التغيير والإصلاح.. كما نعبر عن التزامنا بالعمل في إطار تحالف أوسع من أجل توحيد جهودنا الهادفة إلى ترسيخ الدولة الديمقراطية الحديثة في بلادنا، وإلى تكريس قيم التضامن والمواطنة وتحرير طاقات مجتمعنا في الحاضر والمستقبل)) (المصدر: بلاغ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية/ المؤتمر الوطني الثامن).

اليوم لا يتحدث إدريس لشكر عن فلسطين، ولا يتحدث عن توحيد اليسار، وهو نفسه الذي صرح بأن أحزاب الكتلة انتهت، عاد ليقول إن الكتلة موجودة، بل إن حزب المهدي لم يعد يتحدث عن المهدي، ولم يعد يبحث عن الحقيقة في هذا الملف(..)، وأكثر من ذلك، لن يجرؤ حزب عبد الرحيم بوعبيد، الذي عارض الاستفتاء في الصحراء، على أن يقول أي كلمة في قضية الصحراء (..).

إدريس هو إدريس، لكن الاتحاد الاشتراكي الذي يدخل الحكومة اليوم، ليس هو نفسه، وقد افتخر الكاتب الأول بدخوله للحكومة، وبمناوراته الأخيرة رغم أن هذا النوع من المناورات لا يخدم في النهاية الديمقراطية، والتاريخ لا يحترم سوى المواقف، وانظروا إلى ما خلفه الراحل عبد الرحمان اليوسفي، الذي عارض عدم احترام المنهجية الديمقراطية، فتحالف ضده الراغبون في المشاركة، فاستفادوا من الوزارات وقتلوا الحزب، قبل أن ينتقلوا إلى القتال فيما بينهم، عبر معركة امتدت لسنوات انتصر فيها إدريس لشكر تنظيميا وخسرها شعبيا..

إن الحديث عن تجربة الاتحاد الاشتراكي في الحكومة، لا يمكن عزلها عما وقع بالأمس، وحكاية الأمس (للعبرة) كما رواها الراحل عبد الرحمان اليوسفي، وهو للإشارة رجل حظي باحترام كبير من لدن الملك الراحل الحسن الثاني والملك الحالي محمد السادس.. يقول اليوسفي: ((عمد القصر سنة 1965، بعد الانفجار الشعبي الذي عرفته مدينة الدار البيضاء، إلى اجراء مشاورات قصد تشكيل حكومة جديدة يشارك فيها الاتحاد الاشتراكي، وفي هذا السياق، حدث اتصال بقائدنا المهدي بنبركة، الذي كان يقيم بالخارج مضطرا، وكان مناضلا داخل المنظمات الدولية غير الحكومية المساندة لحركات التحرر، حدث ذلك الاتصال من طرف القصر الملكي في أفق عودته إلى البلاد واحتمال المشاركة في الحكومة، وفي الوقت الذي كان يستعد فيه للدخول، بعد مؤتمر القارات الثلاث بهافانا، امتدت إليه أياد مجرمة واختطفته من قلب مدينة باريس يوم 92 أكتوبر 1965، لتعمل على اغتياله دون أن نعرف إلى اليوم ظروف هذا الاغتيال ومكان دفن جثته؟ فيما بعد، عرف المغرب في سنة 1971 و1972 محاولتين انقلابيتين تم إجهاضهما بفضل العناية الإلهية، وبعد سنة أعلنت إسبانيا عن رغبتها في إعطاء استقلال مزعوم لمواطني المناطق الصحراوية المغربية التي كانت تحتلها.

ويضيف اليوسفي: أمام هذا التهديد الخطير الذي يتهدد السيادة الوطنية، اتصل المرحوم الملك الحسن الثاني برفيقنا عبد الرحيم بوعبيد، واستشار مع باقي الأحزاب السياسية بهدف تحقيق الإجماع الوطني حول قضية الصحراء من جهة، وسعيا إلى العودة إلى مشروع التناوب من جهة أخرى، وذلك في أفق تدشين مسلسل ديمقراطي حقيقي؟ ومرة أخرى يقرر حزبنا خوض تجربة أخرى بالمشاركة في الانتخابات المحلية (1976) والتشريعية (1977)، غير أن أشكال التزوير المألوفة أجهضت المشروع، ومنذئذ دخلت العلاقة بين القصر الملكي والاتحاد الاشتراكي مرحلة مد وجزر ولكن دون قطيعة، وعندما توفي عبد الرحيم بوعبيد سنة 1992، انتخبت خلفا له على رأس الاتحاد الاشتراكي واستمرت “شعرة معاوية” بين القصر والاتحاد في تماوج إلى أن تأكدت إصابة الملك الراحل بالمرض، وعندها قرر المرحوم تدشين مرحلة جديدة من التناوب وكان مفهوما أنها ستكون من خلال حكومة يكون وزيرها الأول هو الكاتب الأول لحزبنا، لم ذلك يكن سهلا بالنسبة لحزبنا، وأن الذي أوضحنا علاقاته مع القصر بأن يقبل بفكرة التناوب كما طرحها الحسن الثاني في سنة 1997، لكن بالرغم من ذلك، خاطرنا بقبولها وبتحمل المسؤولية في إنجازها..

لقد وجدنا أنفسنا أمام خيارين لا ثالث لهما: الأول تمليه المصلحة الوطنية والثاني يميل إلى الاعتبارات السياسية والحزبية، فكان علينا إذن، أن نختار بين المشاركة في الحكومة في الوقت الذي كنا فيه نعرف أن الحالة الصحية لعاهلنا مثيرة للقلق وأن المغرب من جراء ذلك سيواجه موعدا عصيبا، أو ننتظر تولي عاهلنا الجديد العرش من أجل التفاوض معه حول إجراءات وطرائق مشاركتنا، فاخترنا تحمل مسؤوليتنا الوطنية وفضلنا مصلحة البلاد من أجل المشاركة في انتقال هادئ والتجاوب في نهاية الأمر مع نداء ملكنا الذي كان يدعونا – نحن المغاربة قاطبة -إلى إنقاذ البلاد من السكتة القلبية التي تتهددها بالنظر إلى الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة)) (المصدر: رسالة بروكسيل/ محاضرة اليوسفي سنة 2003).

اليوسفي حكى حكاية دخول الاتحاد الاشتراكي للعمل داخل المؤسسات قبل الانقلاب عليه(..)، وهي حكاية كان فيها الحوار السياسي يتمحور حول المطالب الشعبية، والحوار مع القصر، لكن إدريس لشكر الكاتب الأول حاليا، يدافع عن المشاركة في الحكومة دون عمق تاريخي.. وكأن الزمن لم يعد يحتاج فقط إلا إلى حرباء في السياسة أمام ضعف المنافسين، وغياب الشرعية والمشروعية لدى كثير منهم (..).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى