للنقاش | صندوق محمد السادس للاستثمار.. رافعة قانونية ومالية لإنقاذ أموال التقاعد

بمناسبة التصريحات التي تصدر عن عدد من الفاعلين الحزبيين بشأن إصلاح نظام التقاعد، في إطار التنافس الجاري تحضيرا للانتخابات التشريعية يوم 23 شتنبر الجاري، وفي إطار التفاعل مع الخطاب الرسمي حول “المغرب الصاعد” باعتباره مفهوما يعبر عن رؤية استراتيجية متكاملة أطلقها الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان أكتوبر 2025، لدفع عجلة التنمية وتجاوز مرحلة البناء القاعدي نحو التموقع الدولي والتكامل الاقتصادي والاجتماعي، ولأجل استفادة “مقطورة التنمية الاجتماعية” من سرعة “قاطرة الاستثمارات الكبرى”، وحيث تعتبر منظومة التقاعد “مقطورة مهترئة”، فيما يعتبر صندوق محمد السادس للاستثمار قاطرة من الجيل الأخير، نحاول في هذا المقال تقديم رؤية مختلفة لإصلاح منظومة التقاعد، بالبحث في الإمكانات التي تقدمها الآليات المبتكرة للتمويل والاستثمار التي يعتمدها صندوق محمد السادس للاستثمار، وقد استثمرنا المعطيات والمعلومات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي.. نرجو أن نكون قد اجتهدنا وأصبنا، ونرجو أكثر أن يفكر المعنيون بالأمر من خارج الصندوق، والتطلع إلى الأفق الرحب الذي يوفره مناخ الاستثمار بالبلاد.

صناديق التقاعد
بناءً على التقارير المالية والتحليلات الرسمية الأخيرة لأنظمة التقاعد الأساسية في المغرب، يبلغ العدد الإجمالي للمنخرطين المساهمين النشيطين في الصناديق الثلاثة الرئيسية، حوالي 5.3 ملايين منخرط، وتتوزع هذه الكتلة البشرية من المساهمين بنهاية عام 2024 وبدايات 2026 على الصناديق الثلاثة وفق ما يلي:
• الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي: يضم الحصة الأكبر والمهيمنة بأزيد من 4 ملايين منخرط نشط، ويمثل الأجراء والموظفين في القطاع الخاص، بالإضافة إلى الفئات الجديدة المدمجة ضمن ورش الحماية الاجتماعية (العمال غير الأجراء).
• الصندوق المغربي للتقاعد: يضم ما يقارب 850.000 إلى 960.000 منخرط نشط، وهم موظفو القطاع العمومي المدنيون والعسكريون.
• النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد: يضم حوالي 300.000 إلى 350.000 منخرط نشط، ويشمل مستخدمي المؤسسات العمومية (مثل المكاتب الوطنية والوكالات المستقلة) والأعوان غير الرسميين في الإدارات.
وفقا لأحدث نسخة من تقرير الاستقرار المالي الصادر عن بنك المغرب وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي لسنة 2024، تم التأكيد رسميا على المؤشرات الماكرواقتصادية لأنظمة التقاعد، والتي ترصد حجم المساهمات المستخلصة والتي بلغت حوالي 66.8 مليار درهم، أما بالنسبة لسنتي 2025 و2026، فإن الأرقام الرسمية المتوفرة حاليا في وثائق وزارة الاقتصاد والمالية وقانون المالية، هي توقعات ميزانياتية تقريبية تشير إلى تجاوز الاشتراكات حاجز 73 مليار درهم، وذلك بسبب دمج فئات جديدة من العمال غير الأجراء وزيادة الأجور الناتجة عن الحوار الاجتماعي.
صندوق محمد السادس للاستثمار
تم إحداث صندوق محمد السادس للاستثمار سنة 2021 تنفيذا للتوجيهات الملكية كركيزة أساسية لخطة الإنعاش الاقتصادي، ويعمل الصندوق كشركة مساهمة مملوكة بالكامل للدولة برأسمال أولي يبلغ15 مليار درهم، من أجل تحفيز الاستثمار المنتج، وتعبئة رؤوس الأموال الوطنية والدولية، ودعم المشاريع الكبرى المشتركة بين القطاعين العام والخاص، لتعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي.
يعتمد صندوق محمد السادس للاستثمار على نموذج تمويلي مرن وهندسة مالية متطورة تعرف بـ”مضاعفة الأثر المالي”؛ فهو لا يكتفي برأسماله العمومي، بل يستخدمه كرافعة مالية لاستقطاب رساميل ضخمة.
تتوزع مصادر تمويل الصندوق ومشاريع الاستثمار التابعة له على4 مصادر رئيسية هي: الرأسمال الأولي والتمويل الحكومي المباشر، الشراكات مع المؤسسات المالية الدولية والعربية، والقطاع الخاص والمستثمرون المؤسساتيون (مبدأ الرافعة)، ثم المستثمرون المؤسساتيون المحليون، ويعتمد حلولا وآليات تمويلية مبتكرة (الديون الثانوية)، حيث أطلق الصندوق أدوات تمويل مبتكرة لتوسيع المحفظة المالية للمشاريع، ومن أهمها، صندوق “كاب أكسيس”، وهو منتج تمويلي مبتكر مخصص للشركات المغربية، يرتكز على تعبئة4 ملايير درهم لتقديم “ديون ثانوية”، يتم دمجها مع القروض البنكية الكلاسيكية، مما يسهل الشمول المالي ويمول المشاريع الاستثمارية دون إرهاق ميزانيات المقاولات.
وتستهدف هذه الهندسة المالية تحويل الـ 15 مليار درهم الأصلية إلى القدرة على مواكبة وإنجاز مشاريع استثمارية كبرى تتجاوز قيمتها الإجمالية 120 إلى 150 مليار درهم على المدى المتوسط، ليكون الصندوق محركا للسيادة التنموية والتنافسية بالمملكة.
صندوق محمد السادس للاستثمار.. صناديق التقاعد و”معجزة دونكيرك”
استعرنا هنا “معجزة دونكيرك” باعتبارها مثالا مشهورا على الإنقاذ المستحيل، رغم أن إنقاذ صناديق التقاعد ليس في مستوى استحالة إنقاذ أكثر من 400 ألف جندي من قوات التحالف محاصرين بشواطئ مدينة دونكيرك الفرنسية، كما استعرنا هذا المثال للتدليل على أن الرواية الحكومية بشأن استحالة إصلاح منظومة التقاعد دون المساس بأموال المتقاعدين، غير مؤسسة، وإنما تفتقر للذكاء السياسي والدهاء التقني، وأن الحل المقياسي الذي ينعت بـ”الثالوث المشؤوم”، ليس هو الحل الوحيد.
ذلك أنه يمكن لصندوق محمد السادس للاستثمار أن يشكل رافعة قانونية ومالية لإنقاذ أموال التقاعد من تدني عوائد سندات الخزينة، عبر الانتقال من منطق “إقراض الدولة بكلفة منخفضة” إلى منطق “الشراكة الاستثمارية ذات العوائد المرتفعة”، وتتحقق هذه الآلية البديلة من خلال الخطوات الهيكلية والقانونية التالية:
1) إحداث “صندوق فرعي موضوعاتي” مشترك: من الناحية القانونية، يتيح القانون رقم 76.20 المحدث لصندوق محمد السادس، إنشاء صناديق فرعية متخصصة تساهم فيها مؤسسات ومستثمرون مؤسساتيون، ومن حيث التطبيق، يمكن إحداث صندوق فرعي خاص تحت اسم “صندوق استثمار أموال التقاعد”، تضخ فيه الصناديق (مثل CMR) جزء من احتياطياتها الموجهة تاريخيا للسندات، أي الخزينة العامة، لتوظيفها في مشاريع البنية التحتية الكبرى والشركات النامية.
2) تنويع الأصول والرفع من معدل المردودية: في الوضع الحالي، تمنح سندات الخزينة عوائد متدنية تتراوح بين 2.5 و3.5 %، وهي عوائد يلتهمها التضخم ولا تغطي العجز التقني، في حين يقترح البديل الاستثماري أن يوجه صندوق محمد السادس الاستثمارات نحو قطاعات إنتاجية واعدة (مثل مصانع بطاريات السيارات الكهربائية، الهيدروجين الأخضر، تحلية المياه، والموانئ)، وتحقق هذه الاستثمارات عوائد رأسمالية تفوق 7 إلى 9 % سنويا، مما يساهم مباشرة في سد الفجوة المالية للصناديق.
3) تقليل المخاطر عبر آليات الضمان السيادي: تتمثل العقبة التاريخية في حظر القوانين على صناديق التقاعد المغامرة بأموال الموظفين في مشاريع ذات مخاطر عالية، بينما يتمثل الحل القانوني المقترح في أن يلعب صندوق محمد السادس دور “المستثمر المرجعي”؛ حيث يتحمل الشريحة الأولى من المخاطر ويقدم ضمانات مؤسساتية مدعومة من الدولة، وهذه الآلية تمنح الحماية القانونية والأمان المالي اللازم الذي تحتاجه اللجان الاستثمارية لصناديق التقاعد، للاستثمار بطمأنينة.
4) صيغ التمويل المبتكر والتوريق المالي: يمكن لصندوق محمد السادس تحويل مشاريع البنية التحتية الجاهزة والمدرة للدخل (مثل الطرق السيارة أو محطات الطاقة الشمسية) إلى أوراق مالية وأسهم قابلة للتداول (توريق)، ويمكن ضمان العائد المستمر بأن تشتري صناديق التقاعد هذه الأسهم لتستفيد من تدفقات نقدية مستمرة ومستقرة طويلة الأجل (خالية من المخاطر تقريبا لأنها أصول سيادية)، مما يشكل بديلا مثاليا ومتطورا عن سندات الخزينة التقليدية.
5) تعديل المرسوم المنظم لتوظيفات أموال الصناديق: يتمثل العائق التشريعي الراهن في كون وزارة المالية تفرض نسبا دنيا صارمة للاستثمار في سندات الخزينة لحماية تمويل عجز الميزانية، فيما تقترح المبادرة القانونية المطلوبة اتخاذ قرار حكومي مرن لتعديل النصوص التنظيمية، بهدف رفع السقف المسموح به لصناديق التقاعد للاستثمار في الصناديق السيادية والتنموية، واعتبار المساهمة في صندوق محمد السادس للاستثمار بمثابة “توظيف آمن ومكافئ” للسندات السيادية.
الخطة البسيطة والذكية للإنقاذ
لإنقاذ الـ 400 ألف جندي المحاصرين بشواطئ دونكيرك، أطلقت بريطانيا “عملية دينامو”؛ فبدلا من الاعتماد على السفن الحربية الكبيرة فقط، استجابت سفن وقوارب مدنية صغيرة (قوارب صيد، يخوت شخصية، سفن نقل ركاب صغيرة)، وقاد هذه القوارب مواطنون عاديون عبروا بحر المانش تحت القصف لإنقاذ الجنود، وبالفعل نجحت العملية في إنقاذ 338 ألف جندي في غضون أيام قليلة، وهو ما فاق التوقعات بعشرة أضعاف.
أجل، نظريا وعمليا، يمكن للحل الاستثماري البديل المقترح عبر صندوق محمد السادس للاستثمار، أن يشكل المخرج الوحيد لتفادي أو على الأقل التخفيف من حدة “السيناريو المرعب” المتمثل في “الثالوث المشؤوم” للإصلاح المقياسي (رفع السن إلى 65 سنة، زيادة الاقتطاعات، وتخفيض المعاشات). فإذا تم تفعيل هذا الحل بنجاح، فإنه سيعيد صياغة معادلة التقاعد بناءً على المعطيات التالية:
1) قلب المعادلة.. من “جيب الموظف” إلى “عوائد الإنتاج”: الإصلاح المزعوم الذي تروج له الحكومات يقضي بأن يتحمل الموظف النشيط والمتقاعد كلفة العجز بالكامل، من خلال دفع الاشتراكات واقتطاع أجزاء من المعاش وتمديد سنوات العمل، وهو حل حسابي جاف لا يبتكر أي ثروة جديدة.
أما البديل المقترح عبر صندوق محمد السادس، فيتيح رفع مردودية الاستثمارات من 3 % (سندات الخزينة) إلى 8 أو 9 %، ما يعني ضخ أموال طائلة وجديدة في شرايين الصندوق. هذه الأرباح الرأسمالية يمكنها أن تعوض العجز التقني دون الحاجة للمس بالحقوق المكتسبة للموظفين والمتقاعدين.
2) محاكاة حسابية لأثر رفع المردودية: إذا كانت احتياطيات الصندوق المغربي للتقاعد، الموجهة للاستثمار، تُقدر مثلا بـ 70 مليار درهم سنويا، فإنه في الوضع الحالي، تدر سندات الخزينة بنسبة 3 %، حوالي 2.1 مليار درهم سنويا، بينما في البديل الاستثماري ستدر مشاريع استراتيجية بنسبة 8 %، حوالي 5.6 ملايير درهم سنويا. والنتيجة المنطقية لهذا الاستثمار ستمكن من توفير 3.5 ملايير درهم كسيولة إضافية سنويا، وهو مبلغ كافٍ لتغطية جزء ضخم من العجز السنوي الحالي، مما يسقط المبرر الحكومي لفرض اقتطاعات إضافية أو خفض المعاشات.
3) تحويل التقاعد إلى شريك في “السيادة الاقتصادية”: بدل أن ينظر المجتمع إلى المتقاعدين كـ”عبء ديمغرافي”، يتحولون عبر هذا الحل إلى ممولين للبنية التحتية والمشاريع التي تدر أرباحا، حيث ستمول أموال التقاعد محطات تحلية المياه، ومصانع بطاريات السيارات الكهربائية، وأنابيب الغاز.. والمستهلك المحلي والدولي هو من سيدفع مقابل هذه الخدمات، والأرباح تعود مباشرة لتأمين معاشات المغاربة، وهو ما يُعرف بـ”الدورة الاقتصادية المغلقة والآمنة”.
نقلة الشطرنج الجريئة “Brilliant“
إذا كان هذا الحل عبقريا ويحمي السلم الاجتماعي، فلماذا لا تطبقه الحكومة وتصر على “الإصلاح المرعب”؟ والسبب يعود إلى تبعية الدولة لأموال التقاعد، فالخزينة العامة بحاجة يومية لاقتراض أموال الصندوق عبر “سندات الخزينة” لتمويل عجز الميزانية العامة وأداء أجور الموظفين أنفسهم (انظر التفاصيل في الأسبوع عدد 4 شتنبر 2026)، وتحرير أموال التقاعد وتوجيهها للمشاريع الاستثمارية سيعني حرمان الخزينة من مصدر تمويل داخلي سهل ومنخفض الكلفة، مما سيضطر الدولة للاقتراض الخارجي بكلفة أكبر وشروط أصعب من صندوق النقد الدولي.
باختصار؛ الحل الاستثماري ممكن وقادر قانونيا وتقنيا على إلغاء السيناريو المرعب، لكنه يتطلب إرادة سياسية ودهاء تقنيا، كما أشرنا إلى ذلك، أي إلى نقلة الشطرنج الجريئة “Brilliant”، لفك الارتباط بين ميزانية الدولة واحتياطيات الموظفين، والبحث عن مصادر تمويل بديلة للخزينة العامة.
نقلات شطرنج جريئة “Brilliant” مقارِنة
تقدم النماذج الدولية الناجحة أدلة قاطعة على أن الاعتماد على الاستثمار الصناعي والاستراتيجي هو البديل الكفيل بإنقاذ المعاشات دون تحميل الموظف/المتقاعد كلفة الإصلاحات المقياسية القاسية.
ولننظر كيف نجحت كندا وماليزيا، على سبيل المثال، في تطبيق هذا النموذج بدقة ونقل أموال الموظفين من “سندات الخزينة الضعيفة” إلى أصول سيادية تدر عوائد استثنائية:
1) النموذج الكندي وثورة “القيقب”: يُصنّف مجلس استثمار خطة المعاشات التقاعدية الكندية كأحد أنجح النماذج في العالم، حيث انتقل من حافة الإفلاس في التسعينات إلى فائض مالي مريح يضمن المعاشات لـ 75 سنة القادمة. ترى كيف تم ذلك ؟
• تأسيس الصندوق السيادي المستقل (1997): قامت كندا بإنشاء ذراع استثماري مستقل تماما عن الحكومة، يعمل بقوانين القطاع الخاص ويسعى خلف تعظيم المردودية التجارية فقط، دون الخضوع لضغط ميزانية الدولة (متناظر صندوق محمد السادس للاستثمار)؛
• الخروج من سندات الخزينة: تم تفكيك الصيغة القديمة التي كانت تجبر الصندوق على إقراض المقاطعات الكندية بكلفة منخفضة، وتوجيه الأموال نحو البنية التحتية، العقارات التجارية، والشركات التكنولوجية الكبرى في الداخل والخارج؛
• المردودية الخيالية: يحقق الصندوق الكندي اليوم متوسط عائد سنوي صافٍ يفوق 9 %، وهو ما جعل الصندوق ينمو ليقارب 600 مليار دولار كندي، مما ألغى تماما أي خطط حكومية لخفض المعاشات أو فرض زيادات مجحفة في الاشتراكات.
2) النموذج الماليزي (صندوق الادخار للموظفين): يركز على التنمية الوطنية كرافعة للمعاشات، ويمثل نموذجا جيو-اقتصاديا قريبا جدا من تطلعات وصلاحيات صندوق محمد السادس للاستثمار، ولذلك يركز على:
• الاستثمار في السيادة الاقتصادية: بدلا من إقراض الخزينة العامة بشكل أعمى، دخل الصندوق الماليزي كشريك تجاري وممول رئيسي للبنية التحتية الوطنية (مثل الطرق السيارة الكبرى، والمطارات، والموانئ، ومشاريع الطاقة الشمسية)؛
• آلية التوريق والأرباح المستمرة: يمتلك الصندوق أصولا عينية تدر أرباحا دورية ناتجة عن رسوم عبور السلع والمواطنين، وهي تدفقات نقدية مستقرة لا تتأثر بتقلبات التضخم وتفوق دائما نسبة 6.5 % سنويا؛
• توزيع أرباح سنوية: بفضل هذا النموذج، لا يكتفي الصندوق بتأمين المعاشات، بل يوزع سنويا “أرباحا تراكمية” على حسابات الموظفين النشيطين لرفع قيمتها الاستثمارية قبل بلوغهم سن التقاعد.
كيف يسقط هذا النموذج على الواقع المغربي ؟
يتطلب استنساخ هذه النماذج عبر صندوق محمد السادس للاستثمار، خطوتين حاسمتين:
• الجرأة الدبلوماسية والمالية: تتمثل هذه الجرأة/ الآلية في تحويل أموال التقاعد المغربية إلى مساهم في رؤوس أموال المشاريع التي يديرها الشركاء الصينيون، على سبيل المثال، في طنجة والجديدة (كالبطاريات والفوسفاط الكيماوي)، بدلا من تركها رهينة لسندات الخزينة.
• صناعة القرار المستقل: عبر مأسسة لجان الاستثمار داخل صناديق التقاعد لحمايتها من التوظيف السياسي المباشر، وجعل هدفها الأسمى هو حماية القدرة الشرائية للمتقاعد والموظف.
ولبدء هذا التحول الجذري ونقل أموال التقاعد من منطق “الدعم الجامد للخزينة” إلى منطق “الاستثمار الاستراتيجي عالي المردودية”، لا تحتاج الحكومة لشعارات سياسية، بل إلى حزمة قرارات ومراسيم تطبيقية وتعديلات تشريعية فورية وملموسة، وتتلخص أولى الخطوات العملية الصارمة في:
1) تعديل المنشور الوزاري المشترك الخاص بـ”توظيفات أموال صناديق التقاعد”: يتمثل الإجراء الفوري في إصدار مرسوم موقع من رئيس الحكومة ووزيرة الاقتصاد والمالية، يقضي بتعديل النصوص التنظيمية المؤطرة لتوظيفات الصندوق المغربي للتقاعد، وذلك بهدف خفض النسبة الدنيا المفروضة إلزاميا للاستثمار في سندات الخزينة (تقارب حاليا 70 %)، ورفع السقف القانوني المسموح به للاستثمار في الصناديق السيادية وأدوات التمويل المبتكر إلى 35 % أو 40 %.
2) تفعيل المادة القانونية لإحداث “صندوق فرعي موضوعاتي للتقاعد”: يتمثل الإجراء الفوري في إعلان مجلس إدارة صندوق محمد السادس للاستثمار (بناء على الصلاحيات الممنوحة له في القانون رقم 76.20) عن إحداث صندوق فرعي متخصص يحمل اسم “الصندوق الوطني لاستثمار أموال التقاعد”، وذلك بهدف تشكيل الوعاء القانوني والمالي الآمن الذي يستقبل احتياطيات الصندوق المغربي للتقاعد، لتوظيفها مباشرة كشريك مرجعي في المشاريع الكبرى (البطاريات الكهربائية، الهيدروجين الأخضر، والموانئ الأطلسية).
3) إصدار “مرسوم الضمان السيادي المتبادل”: يتمثل الإجراء الفوري في مصادقة مجلس الحكومة على مرسوم يقضي بمنح ضمانة الدولة السيادية للشريحة الأولى من الاستثمارات التي تضخها صناديق التقاعد داخل صندوق محمد السادس، وذلك بهدف توفير الحماية القانونية التامة لأعضاء اللجنة الاستثمارية للصندوق، وتجريدهم من أي مسؤولية جنائية أو إدارية في حال تقلبات الأسواق، باعتبار أن الدولة تضمن أصل رأس المال المستثمر.
4) وضع مخطط زمني حكومي لـ”الفطام المالي بالتدرج” لوزارة المالية: يتمثل الإجراء الفوري في اتخاذ قرار من مديرية الخزينة العامة والمالية الخارجية بوقف الاعتماد الكلي على سيولة المتقاعدين لتمويل عجز الميزانية السنوية، واستبدالها بآليات تمويلية أخرى (مثل السندات الخضراء الموجّهة للمستثمرين الأجانب أو الشراكات الدولية)، ويهدف هذا الإجراء إلى تحرير السيولة النقدية للصندوق المغربي للتقاعد تدريجيا لتوجه فورا نحو المشاريع المنتجة للعوائد المرتفعة.
5) تعديل مرسوم حكامة الصندوق المغربي للتقاعد: يتمثل الإجراء الفوري في إعادة هيكلة “لجنة التوظيفات المالية” داخل الصندوق عبر مرسوم حكومي، لتقليص نفوذ ممثلي وزارة المالية وتوسيع المقاعد لصالح خبراء استثماريين مستقلين وممثلين عن الشركاء الاجتماعيين (النقابات)، ويهدف الإجراء إلى ضمان أن تُتخذ قرارات الاستثمار بناء على معايير الجدوى التجارية والمردودية المالية المحضة، بعيدا عن أي توظيف سياسي لسيولة الأجراء.
هذه الترسانة القانونية والتنظيمية هي المفتاح العملي الوحيد الذي يملك رئيس الحكومة صلاحية تفعيله فورا لإنقاذ جيوب الموظفين، وإسقاط مشروع “الرفع القسري لسن التقاعد إلى 65 سنة”.
وكل إصلاح وأنتم على بينة..



