تحليلات أسبوعية

ملف الأسبوع | هل نجحت إسبانيا في إبعاد المغرب عن اتفاقية تشبه سبتة بجبل طارق ؟

وقعت خلال العطلة الصيفية أحداث مهمة وكبيرة، تخص المغرب بالدرجة الأولى، منها ما هو داخلي، يتعلق بالاستعداد للاستحقاقات الانتخابية القادمة وما رافقها من صراع بين حزبي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، ومن ناحية ثانية، هناك أزمة كبيرة بين المغرب وإسبانيا، بسبب الثغرين المغربيين سبتة ومليلية اللذين تحتلهما إسبانيا، حيث هجم الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين ليلة عيد العرش المجيد على ثغر سبتة المحتلة، ما خلق أزمة دبلوماسية جديدة بين البلدين، لكن الإشكال الكبير هو أنه لا أحد يعلم الخلفيات الحقيقية لهذا التوتر والأسباب التي جعلت هذا الملف يظهر من جديد يوم عيد العرش المجيد، حتى أن رئيس وزراء إسبانيا صرح في آخر خروج إعلامي له بوجود نشاط إسرائيلي-روسي أدى إلى ما حصل. ويحاول هذا الملف الإحاطة بمعطيات جديدة تجاهلتها معظم التحليلات المقدمة لحدود الساعة حول أسباب التوتر الحالي.

أعد الملف: سعد الحمري

تتمة المقال تحت الإعلان

تبريرات غير مقنعة..

تتمة المقال تحت الإعلان

هناك عدة تحليلات قدمت من أجل تفسير أسباب عودة ملف مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين إلى الواجهة بهذه الحدة وفي هذه اللحظة، منها تفسير يقول بأن هناك خلافا قانونيا عميقا بين الرباط ومدريد حول تدبير ملف مكافحة الهجرة، حيث ترى الرباط أن قرار المحكمة العليا الإسبانية بعدم اعتبار الهجرة عبر البحر موجبة لإعادة المهاجرين يشكل ذريعة لتشجيع الهجرة غير النظامية، وتحويل المغرب إلى قبلة للمهاجرين من كل الدول، بما يعني أن قرار المحكمة العليا الإسبانية يخلق مشكلة أمن قومي للمغرب، فضلا عن مشكلات تتعلق بعدم القدرة البشرية واللوجستية والمالية على مواجهة تداعيات هذا القرار، خاصة وأن الدعم المقدم من الاتحاد الأوروبي للمغرب لمكافحة الهجرة، يبقى محدودا، وهذا التحليل قدم كتبرير رسمي من طرف الرباط.

تتمة المقال تحت الإعلان

تحليل آخر سياسي، يقول بأن ما يقع ما هو إلا رد مغربي على محاولة تقارب إسباني-جزائري يستهدف مصالح المغرب، تمت صناعته خلال زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الأخيرة إلى الجزائر، رغم أن المؤشرات الظاهرة لهذا السيناريو محدودة، والبعض يتحدث عن إقدام مدريد على تخفيض مستوى ضخ الغاز من إسبانيا إلى المغرب، وهناك تفسيرا آخر يربط أسباب عودة الملف بهذه القوة، بغضب غير معلن من الرباط حول القانون الإسباني الخاص بمنح الصحراويين الجنسية الإسبانية.

لكن يبدو أن المشكل الحالي لا يتعلق برد فعل مغربي على تغير في الموقف الإسباني من بعض الاتفاقيات أو إخلال إسباني بمسألة قانونية، حيث إن طرفي الأزمة ذهبا بعيدا؛ فمن جهة إسبانيا، تم عقد اجتماع استثنائي لمجلس الأمن القومي الإسباني، الذي رتب الأرضية لاتخاذ قرار لا يبدو أنه عادي، وهو إصدار الحكومة الإسبانية مرسوما يقضي برفع درجة التأهب الأمني في سبتة، واعتبارها منطقة ذات أهمية للأمن القومي، وتفعيل قيادة موحدة لتنسيق الأمن والإغاثة وإعادة المهاجرين.

أما الموقف المغربي، فقد تكلف وزير العدل عبد اللطيف وهبي بتصريفه، عندما دعا الجانب الإسباني إلى فتح حوار سياسي حول وضعية مدينة سبتة المحتلة، إضافة لما هو أهم من ذلك، وهو حديث وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية خلال ليلة الاحتفال بعيد المولد النبوي أمام الملك محمد السادس، عن سبتة المحتلة وجهود العلماء لتحريرها، مع العلم أن الجانب الإسباني بما في ذلك الأمنيون منهم والعسكريون، فضلا عن مسؤولي قطاعي العدل والخارجية، لم يصرحوا بأي شيء يدين المغرب، بل على العكس من ذلك، فقد أشادوا به، ولم يثر من مخرجات مجلس الأمن القومي الإسباني ما يعارض هذا الخطاب، على الأقل فيما هو معلن، فلا يزال الخطاب الإسباني الرسمي يعتبر التعاون مع المغرب مفتاحا أساسيا في تدبير أزمات الهجرة وإعادة المهاجرين.

تزامن التقرير الأمريكي والاتفاقية الإسبانية- البريطانية حول جبل طارق.. هل يمكن أن يكونا السبب ؟

لكن هناك جانب آخر لم يأخذ حقه، ويمكن اعتباره سببا مباشرا للأزمة الحالية، ويتعلق الأمر بعدة تغيرات دولية حصلت منذ بداية السنة الحالية تهم سبتة ومليلية، منها تقرير صادر عن لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأمريكي خلال شهر ماي الماضي، يحمل إشارات إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين باعتبارهما “مدينتين تديرهما إسبانيا وتقعان في أراضٍ مغربية”، مع الدعوة إلى تعزيز الانخراط الدبلوماسي بين المغرب وإسبانيا بشأن مستقبلهما، كما أشار التقرير إلى “التحالف التاريخي” بين الولايات المتحدة والمغرب، مبرزا أن المدينتين تظلان موضوع مطالبة مغربية مستمرة، وأوصى التقرير وزارة الخارجية الأمريكية بتشجيع الحوار بين الرباط ومدريد حول الوضع المستقبلي لسبتة ومليلية في إطار العلاقات الثنائية بين البلدين، دون أن يعني ذلك تغييرا رسميا في موقف واشنطن.

وبعد هذا التقرير، حصل مستجد آخر، وهو توقيع إسبانيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، في منتصف شهر يوليوز الماضي، على اتفاقية تاريخية تخص ملف جبل طارق، تُنهي رسميا عقبات الحدود وتزيل السياج الحدودي الفاصل بين الإقليم وإسبانيا، وجاء في تفاصيل الاتفاقية التاريخية “إزالة الحدود”، حيث تم هدم وإزالة السياج الحدودي الفاصل بين إسبانيا وجبل طارق والذي وُضع عام 1908، ليكون نهاية لآخر حاجز بري في القارة الأوروبية، كما تضمنت الاتفاقية “ضمان حرية حركة الأفراد والبضائع دون أي تفتيش جمركي روتيني للمقيمين والسياح وآلاف العمال الذين يعبرون الحدود يوميا”، ومن أهم البنود دمج جبل طارق عمليا في منطقة “شينغن”، مع تولي إسبانيا مسؤولية المراقبة في مطار وميناء الإقليم.

إن الحدثين المذكورين أعلاه يمكن أن يكونا السبب المباشر في عودة ملف سبتة ومليلية إلى الواجهة من جديد، حيث أن الحدثين يمكن اعتبارهما مرتبطين ببعضهما على اعتبار أن المفاوضات البريطانية الأوروبية حول جبل طارق دامت أربع سنوات كاملة، وعندما تم الإعلان عن قرب اتفاق تاريخي، صدر التقرير الأمريكي في ماي 2026، والذي أوصى بفتح نقاش بين المغرب وإسبانيا حول وضعية سبتة ومليلية المحتلتين، ولا يمكن أن يكون ذلك من قبيل الصدفة، حيث أن أمريكا تعلم جيدا كل المعادلات التي يمكن أن تقلبها بعض الاتفاقيات، فسبتة وجبل طارق خصوصا، لا يمكن اعتبارها قضية مغربية-إسبانية، بل هي قضية دولية بامتياز، على اعتبار أن المدينتين تعتبران بمثابة مضيق للبحر الأبيض المتوسط.

لا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تسمح لدولة واحدة بأن تراقب وتتحكم في مضيق مهم على الصعيد الدولي كمضيق جبل طارق، على اعتبار أن أهم أزمة يمر منها العالم حاليا هي أزمة مضيق هرمز، بسبب إصرار إيران على مراقبة المضيق لوحدها، وعلى هذا الأساس دعت قبل الاتفاق التاريخي بين إسبانيا وبريطانيا حول جبل طارق، إلى اتفاق بين المغرب وإسبانيا بشأن وضعية سبتة، وكأنها تقول بأن مضيق جبل طارق لا يمكن أن تراقبه دولة واحدة.

هل نجحت إسبانيا في دفع المغرب نحو عدم المطالبة باتفاقية شبيهة للاتفاقية مع بريطانيا بخصوص جبل طارق ؟

يبقى السؤال الأهم هو لماذا أثيرت هذه القضية من جديد ليلة عيد العرش المجيد؟ أو إن صح التعبير، بعد أسبوعين فقط من الاتفاقية البريطانية-الإسبانية-الأوروبية حول جبل طارق؟ ولماذا خلال مرحلة شهر العسل المغربي-الإسباني، وخلال المفاوضات البريطانية-الإسبانية حول جبل طارق ذهبت إسبانيا في اتجاه إقرار قانون يقضي بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين؟ ولماذا لم يبادر المغرب بمطالبة إسبانيا باتفاقية مماثلة لتلك التي وقعتها مع بريطانيا ؟

كل هذا يجعلنا نميل إلى القول بأن كل الأحداث والبهرجة الإعلامية التي خلقها الإعلام الإسباني، كانت من أجل أمر واحد، وهو جر المغرب نحو عدم المطالبة باتفاقية مع إسبانيا تهم سبتة ومليلية شبيهة بالاتفاقية الإسبانية-البريطانية حول جبل طارق، كما أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي، كان صريحا في خرجته الإعلامية عندما طالب بفتح حوار مع إسبانيا حول وضعية الثغرين السليبين، ومن جهة أخرى، يبدو من المنطقي أن يطالب المغرب بوضعية لسبتة ومليلية شبيهة بوضعية جبل طارق الجديدة، فلماذا لحد الساعة لم يطالب بها؟ هل ابتلع الطعم الذي نصبته له إسبانيا عندما نجحت في إبعاده عن إثارة الموضوع وفق هذه المعادلة والشروط الجديدة، أم أن هناك أمورا أخرى تطبخ في الخفاء.. من ضمنها ما أصبح واضحا للعيان، وهو وجود صراع واضح بين اليسار الإسباني الذي يقود الحكومة واليمين الذي هب للدفاع عن سبتة والتأكيد على أنها إسبانية ولا يمكن المساس بها؟ فهذا الأمر الذي يعطي الانطباع بوجود صراع داخل الدولة الإسبانية العميقة، معلن وواضح؛ طرف يذهب في اتجاه منح سبتة وضعية كوضعية جبل طارق الجديدة، وفريق يرفض الأمر رفضا باتا، حيث أن رئيس الوزراء الإسباني صرح بأن من خلق الأزمة هو شبكات مرتبطة بروسيا وإسرائيل واليمين الإسباني، وفي حينه خرج أحد زعماء اليمين ليطالب بإلغاء معاهدة الصداقة بين المغرب وإسبانيا، معتبرا من جديد أن سبتة خط أحمر.

وبالرجوع إلى تاريخ الصراع المغربي-الإسباني حول وضعية سبتة ومليلية، نجد أن الملك الحسن الثاني لجأ إلى استراتيجية جديدة في التعامل مع هذا الملف سنة 1975، وهي ربط مستقبل سبتة ومليلية بمستقبل جبل طارق، الذي كانت إسبانيا تحاصره وتضغط بشدة لاسترجاعه من الحكومة البريطانية؛ فقد كانت أول مناسبة عبر خلالها المغرب عن نهجه لهذه الاستراتيجية، خلال ندوة صحفية عقدها الحسن الثاني بالرباط يوم 25 نونبر 1975، وعندما سأله أحد الصحفيين عن آخر التطورات بخصوص قضية سبتة ومليلية، أكد الملك أنه خلال المؤتمر الدولي الأخير لقانون البحار، والذي انعقد خلال نفس السنة، طرح مشكل جبل طارق، وأشار إلى أنه لم يكن في المستطاع طرح المشكل لولا التعاون المباشر بين المغرب وإسبانيا، بما في ذلك مشاكل جبل طارق وسبتة ومليلية.

وأبدى الملك الحسن الثاني لأول مرة النهج الجديد الذي ستتبعه الحكومة المغربية في هذا الصدد، حيث صرح بالتالي: ((نحن نتصور أنه في اليوم الذي تسترجع فيه إسبانيا جبل طارق يسترجع المغرب حتما سبتة ومليلية، فليست هناك قوى تستطيع أن تسمح لإسبانيا بامتلاك واجهتي مضيق واحد. إذن، كما قلت للإسبانيين، فالمشكل ليس قضية إسبانية ولا هو قضية مغربية، بل إن جبل طارق وسبتة ومليلية يجب أن تكون قضية إسبانية-مغربية، وأعتقد أنه في هذا الإطار، يجب أن ينظر الآن إلى هذه القضية، لأنه إذا ما استرجعوا قريبا جبل طارق، فنحن نسترجع مباشرة وأتوماتيكيا سبتة ومليلية، ومن هنا ترون أن الحواجز ستختفي والطريق سيتضح، وسنتجه في طريق السلام والطمأنينة)).

ومن جهة أخرى، صرح العاهل الإسباني في مذكراته بما يلي: ((كانت التوترات بين حكومتينا لا تؤثر في الود الذي كان يجمعنا.. أحيانا كنت أتصل بالملك الحسن الثاني مباشرة لمحاولة تلطيف أو نزع فتيل بعض المشاكل، وكان المغرب شريكنا الاقتصادي الرئيسي، وبخصوص سبتة ومليلية، كان يقول لي دائما: سيتعين على الجيل القادم أن يحل هذه القضية)).

فهل نضجت الظروف لحل هذه القضية؟ يبدو ذلك، حيث إن إسبانيا عمليا استرجعت جبل طارق، وهو ما يحتم أن يسترجع المغرب سبتة ومليلية ولو بالطريقة التي استرجعت بها إسبانيا جبل طارق، كإزالة السياج الحدودي، ومراقبة المغرب لبعض النقط الحساسة كما فعلت إسبانيا في جبل طارق، إذ أصبحت تراقب المطار والنقط الحدودية، وإذا لم يحصل ذلك، هل ستقبل القوى الكبرى بأن تستمر إسبانيا في مراقبة مضيق جبل طارق لوحدها ؟

أزمة حضر فيها كل شيء واختفى المغاربة المتخصصون في الشؤون الإسبانية، رغم أن المغرب يتوفر على معهد للدراسات الإسبانية والبرتغالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى