الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | كيف حاول الفرنسيون إلحاق تافيلالت بالتراب الجزائري..

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 175"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
مصطفى العلوي
بقلم: مصطفى العلوي

كانت المعارك التي عرفتها منطقة تافيلالت وغربها في اتجاه الأطلس الكبير، كثيرة ومتعددة.. لدرجة أن الوثائق الفرنسية لم تجتمع في تقييمها لتلك المعارك، ولا كانت حريصة على التزام الأمانة في نقلها.

تتمة المقال تحت الإعلان

وكما سبقت الاستعانة في معارك أخرى بشهادات بعض الأطراف المغربية، نورد هنا وصفا غامض المصدر نشر عن معركة تاردة في غشت 1930، حينما أرادت فرقة فرنسية أن تتحرك من قصر السوق لمهاجمة مجاهدي أيت مرغاد وأيت حمو، وإن كان المصدر لا يتحدث عن يوم المعركة بالضبط، فإنه يوجز ظروف المعركة التي خاضها المجاهد أوسكونتي، والتي قتل فيها ذات يوم من شهر غشت 1930 ضابط من درجة ليوتنان، لم يذكر اسمه. وهكذا نرى عدم الالتزام بالدقة في هذا السرد الذي ننقله عن الكاتب عبد الله بوراس في جريدة “لوماتان الصحراء” بتاريخ 25 مايو 1987.

إلا أنه كان لا بد من الإشارة إلى هذه المعركة في خضم معارك تافيلالت التي توسعنا فيها، حيث أن الكاتب يتحدث عن سقوط سبعين جنديا ومجندا فرنسيا في تاردة، وخاصة في منحدر وينيوواليون، الذي أصبحت منطقة كلميمة وتودغا تسمى عام 1930 باسمها.

ملاحم موحى نفورتي في سجلماسة

لقد كان الفرنسيون بحكم قرب منطقة تافيلالت من الحدود الجزائرية، يتوقون إلى إلحاق هذه المناطق بالتراب الجزائري، إذن، بالنفوذ الفرنسي.

وكان سكان تافيلالت يعرفون حق المعرفة ما حكى لهم اللاجئون من توات والساورة وتيدكلت، الذين طردوا من ديارهم، وألحق وطنهم بالتراب الجزائري، ويعرفون أن الفرنسيين لا يقيمون وزنا لأهمية هذه المنطقة التي انطلق منها إشعاع الفتح الإسلامي، وتتواجد بها أضرحة حفدة الرسول عليه السلام، هناك في الريصاني، فتزداد حميتهم للجهاد.

وهكذا نجد المعارك التي خاضها الفيلاليون جنوب شرق المنطقة التي رأينا كيف جاهد سكانها، ورغم أن تافيلالت منطقة واحدة يجمع أهلها الوفاء للجهاد والقناعة، ويستلهمون الصمود من أرواح دفناء أراضيها، ومن ماضي سجلماسة التي كانت مهد الحضارة الإسلامية، فإن القيادة الفرنسية فرقتها إلى أطراف، وأسندت قيادات عسكرها إلى جنرالات مختلفين، بينما كانت القبائل المجاهدة لا تعرف حدودا؛ فقد رأينا كيف كانت أيت حديدو، وأيت عطا، تضرب في كل ركن من أركان المغرب..

وهكذا.. ورغم القرب الجغرافي لمدينة قصر السوق من مدينة أرفود والريصاني، فإن الفرنسيين سجلوا معارك كل منطقة معزولة عن المنطقة الأخرى تصغيرا لضخامة تلك المعارك، وإلا فإنها في الواقع كانت معارك واحدة في منطقة واحدة.

أرفود التي لا تبعد كثيرا عن قصر السوق، كانت مرتعا لمعارك كبرى سجلها تاريخ الجهاد بمداد الفخر، كمعركة المعاضيد في نونبر 1916، ومعركة الكوز في غشت 1918، ومعركة تيغمارت في شتنبر 1918، ومعركة الجيهاني في أكتوبر 1929، ومعركة الصفصاف في أبريل 1930، ومعركة حاسي المرداني في مايو 1930، ومعركة الكمكيميا الفوقانية في يوليوز 1930، ومعركة مرزوقة في فبراير 1931، ومعركة مايدير في مارس 1931، ومعركة تافيلالت في يناير 1932، ومعركة تاريانخو في يناير 1933، ومعركة تيسمدومين في يناير 1933، ومعركة أيت الغازي في يناير 1933.

الفيلاليون أيضا حاربوا دخول الجيوش الفرنسية اثنين وعشرين عاما بعد إمضاء عقد الحماية، وثلاثين عاما بعد دخول الجيوش الفرنسية للمغرب.

حرب الثلاثين عاما إذن، كانت في المغرب أيضا؛ فقد تجمع الشرفاء في منطقة الرتب ليتداولوا خبر احتلال قصر السوق سنة 1916: إن الكفار قادمون من الغرب بعد أن قدموا من الشرق.. العدو إذن، من أمامكم والعدو من ورائكم.. وليس لكم والله إلا الجهاد.. وأثناء مداولاتهم، كانت المدافع الفرنسية قد بدأت في قصف مداشرهم وقصورهم، وقصباتهم، وفي تافيلالت لا تعني القصور الفخمة وإنما تعني القرى المحاطة بالأسوار الحامية – وتنطق بجزم القاف، وتنطق القاف ڭاف – وبالمناسبة، وما دمنا في تافيلالت، يجب التذكير بأن الفيلاليين جميعا ينطقون اللام نونا.

واختار الفرنسيون المجندين السينغاليين لمهاجمة قصبات أرفود، والجبل المهيمن عليها، لكن المجاهدين السينغاليين هرعوا إليهم وإلى القوات الفرنسية المتراصة خلفهم، وكان اشتباك 16 نونبر 1916 قد حول جبل أرفود إلى مقبرة للجنود الفرنسيين، حيث كان أول القتلى الليوتنان كرانجان والليوتنان روستان، وعدد كبير من القتلى.. فاستخلص الجيش الفرنسي الدروس وعاد من حيث أتى، إلى بوذنيب.

وأشاع الفرنسيون، بوسائلهم الخاصة، خبر استسلام عدة قبائل وعدة زعامات، فكانت فرصة للمجاهدين ليستسلموا بطريقتهم.

في يوم 3 جوان 1918، جاءت مجموعة منهم لتستسلم في مكتب الحاكم العسكري في إحدى الثكنات، القبطان أوستري، وكانت غلطته أن صدق الدعايات التي كان يطلقها هو نفسه، وعندما دخلوا عليه ذبحوه في مكتبه هو وأعوانه، وهي طريقة أخرى للاستسلام..

وكانت قوات المجاهدين في أرفود قد اختارت أحد أبطالها، موحى نفورتي، رئيسا لها، بدأ في تنظيم شؤون الجهاد للمتطوعين، وشعر الفرنسيون بأن السكان أبعد ما يكونون عن الاستسلام.

وهاجمت قوات موحى نفورتي الفرنسيين في السفالات يوم 5 غشت 1918، حيث كانت قوات فرنسية تتحرك نحو سجلماسة، واستمر الاشتباك إلى يوم 7 غشت، وكانت النتائج مرعبة للفرنسيين الذين كتبوا: ((كانت المعارك بالسلاح الأبيض، وكانت بالنسبة لنا خسارة دموية كبرى.. فاضطرت جيوشنا للانسحاب)).

وكانت تلك القوات بقيادة الكومندان بوشيلو، الذي هرب في اتجاه الكوز، فاعترضته قوات الزعيم حمو، وكانت معركة عاشر غشت 1918 كارثة على الجيش الفرنسي.

لقد قتل الكومندان رئيس الفرقة بوشيلو، وقتل القبطان هوي، وقتل القبطان كيرفيل، وقتل القبطان روكس، وقتل الليوتنان مارتي، والليوتنان تريكار، والليوتنان كوليني، والليوتنان جوريل، والليوتنان موندوليني، والليوتنان كالوم، والليوتنان دوباي، فكم قتل مع حشد الضباط هذا من جنود؟ لقد سكتت الوثائق الفرنسية عن الجواب.

إنها كارثة تفوق في فظاعتها بالنسبة للفرنسيين كل ما يخطر ببالهم.

وهرب ما بقي من الجنود الفرنسيين في اتجاه بوذنيب. هنا بدأ المجاهدون الفيلاليون يقدرون قوتهم حق قدرها، ويلمسون انتصار الدين الإسلامي على فلول الكفار، فاكتسحت الإقليم موجة من الأفراح، والشكر لله على ما أعطى، كما بدأت تصفية الخونة المتعاونين مع الاستعمار الفرنسي.

ولا ننسى أن هذه المعارك كانت في بدايتها سنة 1918، وفي منطقة كانت هي أيضا تابعة لقيادة الجنرال بويميرو، الذي نجده هنا قبل أن يصل إلى قصر السوق، التي جرح فيها سنة 1919.

وإذا كان الجنرال بويميرو قد أصيب بجروح بليغة سنة 1919، فلأنه ارتكب في منطقة أرفود أعمالا بعيدة عن الأساليب العسكرية، فنجده في شهر أكتوبر 1918 وأمام عنف الضربات الموجهة إلى الجيوش الفرنسية في أرفود، يختار طريقة جهنمية للانتقام من السكان في أعز ما عندهم، وهو الماء، فأمر مدافعه بقصف السد الذي كانت تتجمع فيه المياه التي يشرب منها الإقليم كله، وهكذا محى من خريطة تافيلالت سد “عنبورك” الذي كان يجمع مياه واد زيز جنوب أرفود.

واستمرت القنابل، بعد قصف السد، في قصف المداشر والقصبات على سكانها بواسطة المدافع والطائرات – هكذا روت الوثائق الفرنسية حرفيا وبكل افتخار – وهبّ السكان للدفاع عن أنفسهم فاشتبكوا مع قوات الجنرال بويميرو في منطقة أولاد اعنابو، فقتلوا له ثمانية جنود وجرحوا أربعة وأربعين يوم 8 أكتوبر 1918، ومنعه المجاهدون من التحرك في اتجاه تيغمارت، فاستنجد مرة أخرى بالطائرات التي كانت تفني كل الفرق المتحركة المكشوفة من المجاهدين، وهكذا تمكن الجيش الفرنسي من التمركز في دار بيضا، على أشلاء حوالي أربعمائة شهيد، وقتل للجيش الفرنسي عند مدخل مركز دار بيضا ثمانية جنود وجرح خمسة وعشرون يوم 15 أكتوبر.

وانتقل المجاهد موحى نفورتي إلى بوعام، حيث حاصر في طريقه المركز الفرنسي في تيزمي، واضطر الفرنسيون للجلاء عنه.

وكانت الحرب العالمية الأولى قد توقفت، فصدرت الأوامر لقوات كبيرة أنهت الحرب في أوروبا لتتوجه إلى المغرب، وعندما وصلت الإمدادات الفرنسية الجديدة، كان المجاهدون قد وسعوا ميدان المعركة شاسعا جدا، إذ امتد من أرفود إلى واد درعة إلى الأطلس المتوسط، بينما تزايد عدد المتطوعين في صفوف الجهاد بشكل أذهل استخبارات الجيش الفرنسي.

فقد هاجمت قوات المجاهدين المركز الفرنسي الحصين في المعاضيد، يوم 3 دجنبر 1918، وطردت منه الفرنسيين، وفي 11 دجنبر، طردوا الفرنسيين من أرفود، وفي يوم 24 دجنبر طردوا الفرنسيين من قصر السوق، والطرد هو إجلاء القوات الفرنسية، باعتراف وثائقها.

إنها الهزيمة الكبرى للفرنسيين.. وباعترافهم.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى