الرأي

الرأي | ميلاد الوجودية الثانية

نور الدين الرياحي
بقلم: نور الدين الرياحي

لا أدري كلما حل الصيف وحلت عطلته إلا أجد نفسي أبحث عن كتب أنيس منصور التي أعيد قراءتها مرات و مرات دون ملل، و لا أعلم إذا كانت فكرة هذا الكاتب و الصحفي و المفكر في إخراج مجموعة من كتبه على شكل متوسط سهل الحمل و تقاوم أوراقه لأشعة الشمس خصوصا في الصيف و أغلفتها رمال الشواطئ، دون أن تذبلها الأيادي كزهرة خيال الشاعر صالح جودت، أم هي فكرة دور النشر ؟

وفي كلتا الحالتين يبقى إخراج هذه المجموعات من الكتب على الشكل الذي أخرجت به عملا إبداعيا يشبه إلى حد كبير ما سماه الفرنسيون كتاب الجيب أو le livre de poche.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأرجع كعادة قراء هذا الكاتب إلى الفلسفات التي أهبطها من برج أصحابها العاجي و بسطها لنا لنفهمها و نستدل بها في كتاباتنا.

تتمة المقال تحت الإعلان

فقد لعب الكاتب والصحفي المصري أنيس منصور، دوراً استثنائياً في تاريخ الثقافة العربية؛ فهو لم يكن مجرد ناقل للفلسفة، بل كان “الجسر” الذي عبرت عليه أعقد الأفكار الغربية لتصل إلى المقاهي والبيوت العربية و الجرائد و إلينا جميعا بأسلوب سلس ورشيق و في كتب صغيرة و جميلة نحملها في عطلنا و أسفارنا عبر الطائرات و البواخر و القطارات و إلى المنتجعات.

تتمة المقال تحت الإعلان

لم تكن الوجودية بالنسبة لأنيس منصور مجرد نظريات يقرأ عنها في الكتب، بل كانت تجربة حية وعلاقات شخصية.،

فمعروف على هذا الكاتب انه سافر إلى كل أنحاء العالم و مناطق البراكين التي كان يهواها و أطلال ألمانيا و عدة مدن التي كادت تمحيها قنابل الحرب العالمية الثانية و ذهب إلى أوروبا والتقى بأقطاب الوجودية وجهاً لوجه، مثل جان بول سارتر، وسيمون دي بوفوار، والكاتب الإنجليزي كولن ولسون (صاحب كتاب “اللامنتمي”).

وتمكن بهذه اللقاءات من استيعاب “نفسية” الفيلسوف الوجودي، وليس فقط لكتبه.

فقامت كتاباته على التبسيط لا التسطيح مستخدما خلفيته الصحفية لإنزال الفلسفة من أبراج الأكاديميين العاجية إلى الشارع.

لقد نزع عن الوجودية مصطلحاتها المعقدة وقدمها لنا كـ “أسلوب حياة”، مستخدماً السخرية والقصص الواقعية المضحكة أحيانا مما جعل كتابه “الوجودية” من أكثر الكتب مبيعاً وتأثيراً في أجيال من الشباب العرب و كنا جزءا منهم .

لم تدخل الوجودية إلى العالم العربي من فراغ، بل وجدت “تربة خصبة” جاهزة لاستقبالها في فترة الأربعينيات والخمسينيات، وذلك لعدة أسباب .

فمعلوم أنه بعد الحرب العالمية الثانية، وبداية حركات التحرر من الاستعمار، ثم وقوع “نقطة التحول” الكبرى (نكبة فلسطين 1948)، أُصيب المثقف العربي بخيبة أمل كبرى في الأنظمة والمجتمعات والخطابات التقليدية .

وذهب يبحث عن الخلاص الفردي أمام انهيار المشاريع القومية الكبرى، فوجد الشباب العربي في الوجودية ملاذاً.

لقد قالت لهم الوجودية: “إذا كان العالم من حولكم عبثياً ومحطماً، فأنتم أحرار في بناء أنفسكم من الصفر”

ولعبت حركة الترجمة والنشر في بيروت والقاهرة دوراً محورياً في ترجمة روائع الأدب الوجودي (مسرحيات سارتر، وروايات ألبير كامو) لتصبح في متناول القارئ.

فإذا كان أنيس منصور هو “المروج الصحفي” للوجودية، فهناك من حمل رايتهاأكاديمياً وأدبياًكالدكتور عبد الرحمن بدوي الذي يُعتبر المؤسس الحقيقي للفلسفة الوجودية العربية عندما صاغ نسخته الخاصة التي دمجت بين الفكر الغربي والتصوف الإسلامي. ( و من أشهر كتبه: “الزمان الوجودي”).

والروائي اللبناني سهيل إدريس مؤسس مجلة “الآداب” العريقة الذي تأثر بشدة بسارتر، واستخدم مجلته لتكون المنبر الأول للأدب الوجودي الملتزم في العالم العربي .

و منهم من أدخل نجيب محفوظ في هذا التيار رغم أنه ليس وجودياً بالمعنى الحرفي، إلا أن مرحلته الفلسفية في الستينيات (في روايات مثل “الشحاذ”، “ثرثرة فوق النيل”، و”اللص والكلاب”) طفحت بتيمات الوجودية: العبث، الاغتراب، البحث عن المعنى، والتمرد على القوالب.

فالإنسان في الفكر الوجودي محكوم عليه بالحرية؛ لأنه لم يخلق نفسه، ومع ذلك فهوحر، لأنه بمجرد إلقائه في العالم يصبح مسؤولاً عن كل ما يفعله.” كما قال جان بول سارتر مؤكدا على عبء المسؤولية).

و هو كذلك صاحب فكرة الجحيم هو الآخرون.” مشيراً إلى كيف يحد حكم المجتمع من حريتنا).

أما ألبير كامو فيقول “لا يوجد مصير لا يمكن التغلب عليه بالاحتقار.” في حديثه عن تمرد الإنان على عبثية الحياة.

وفيما يخص شرح الوجودية عند مؤسسها في العالم العربي عبد الرحمان بدوي فهي ليست سوى محاولة لاستخلاص كل النتائج المترتبة على موقف إلحادي أو موقف متمرد.” كما ذكر في سياق تكييفه للفلسفة مع الفكر العربي) .

ويرجع أنيس منصور ليذكر لنا أنه “لا شيء حقيقي سوى تمرد الإنسان على واقعه.” في تلخيصه للموقف الوجودي من الحياة.

لقد نجح أنيس في أن يجعل من كلمة “وجودي” مصطلحاً متداولاً في المقاهي الثقافية العربية، معبراً عن الشاب المتمرد، القلق، الذي يبحث عن معنى وسط عالم يعج بالتناقضات.

إن ما نراه اليوم في تناقضات الشباب و قلقهم و أرائهم و نظرياتهم و توترهم يخيل للإنسان معه أن أجيال القرن الواحد و العشرين محتاجة إلى قمم فكرية من أمثال سارتر و سيمون دو بوفور و نجيب محفوظ و كامو و البدوي من أجل تأطير بعض التصرفات تأطيرا فكريا يوحي بانبعاث وجودية ثانية بصدد النشوء بعد قيام الوجودية الأولى!

الفرق أن الأولى جاءت بعد حربين عالميتين و الثانية بعد حروب إقليمية و نكبات اقتصادية و أوبئة و ثورات الذكاء الاصطناعي و الأنترنيت و أدت إلى ما أدت إليه من نتائج يعرفها الجميع و يكاد يجهل كل الجهل أسبابها!

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى