

لم يعد الأمن الغذائي مجرد ملف فلاحي تقني أو قطاعي، بل تحول إلى تحدٍ سيادي وحضاري، وفقا لما تؤكده التقارير الدولية الحديثة، وعلى رأسها التقرير السنوي: “حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم”، الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة وشركائها، وتقرير “المخاطر العالمية” للمنتدى الاقتصادي العالمي، والتقرير العالمي للسياسات الغذائية الصادر عن المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، وتجمع هذه التقارير على أن أزمة الغذاء باتت تشكل تهديدا وجوديا للاستقرار السياسي والاجتماعي لكل الدول، وخاصة منها النامية والصاعدة.
فلم يعد التحدي الكبير اليوم يتعلق بمعضلة “الوفرة” لضمان إطعام الجميع، بل انتقل إلى “جودة الغذاء”، أو ما يصطلح عليه بـ”الغذاء الصحي” الذي يُحرم منه ثلث سكان العالم تقريبا، وتكشف المؤشرات الصادمة في هذه التقارير حجم المعضلة وتداعياتها، نوجز أهمها في ثلاثة أرقام معبرة:
– ارتفاع تكلفة الغذاء: شهدت تكلفة الغذاء عالميا ارتفاعا مهولا وصل إلى 25 %، مما يضع ميزانيات الأسر تحت ضغط حاد يؤثر على ترتيب أولوياتها، خاصة في مجالي الصحة والتعليم.
– عجز القدرة الشرائية: يبلغ متوسط تكلفة تأمين غذاء صحي يومي للفرد 4.28 دولارات، وهو رقم يتجاوز القدرة الشرائية لملايين المواطنين في كل بلد.
– اتساع دائرة الحرمان: أدى هذا الارتفاع إلى حرمان حوالي ثلث سكان العالم من حقهم الأساسي في الغذاء الصحي.
هذه المؤشرات ليست مجرد أرقام، بل هي “جرس إنذار” يكشف أننا أمام أزمة “ولوج” أو “يسر” للحصول على الغذاء الصحي، وهي أزمة تصيب أغلب الدول وتهدد مستقبلها.
ويمثل تأمين الغذاء، ليس فقط من حيث الوفرة، بل من حيث “الجودة والسيادة”، قضية حضارية بامتياز، فالدولة التي لا تضمن سلامة ما يستهلكه مواطنوها، تتخلى عن أحد أهم ضمانات سيادتها الصحية والسياسية؛ فالغذاء ليس مجرد سلعة عابرة خاضعة لمنطق السوق، بل هو “قوة ناعمة” ومؤشر على قوة الدولة ويقظتها.
وتؤكد التقارير المرجعية، أن هذه الأزمة العالمية هي نتيجة تراكمات هيكلية ومعطيات دولية ومحلية تتظافر لتضخيم الفاتورة الغذائية، ونوجزها في ما يلي:
– اختلال الأولويات الاستراتيجية (التصدير مقابل السوق الداخلي): تعاني السياسات الغذائية من انحياز في الأولويات، حيث يتم تفضيل المحاصيل الموجهة للأسواق الخارجية (سعيا وراء العملة الصعبة) على حساب تلبية احتياجات السوق المحلية، مما يخلق ندرة مصطنعة ويؤدي إلى ضغط تضخمي على القدرة الشرائية للمواطنين.
– ضعف تثمين الموارد والأراضي: يبرز خلل بنيوي في استغلال الأراضي الفلاحية والثروات الطبيعية؛ فهناك طاقات إنتاجية هائلة لا تزال غير مستغلة، أو تدار بأساليب تقليدية لا ترقى لمستوى التطور التكنولوجي.
– اختلالات المسار بين الإنتاج والاستهلاك: يساهم تعدد الوسطاء والمضاربين في تضخيم الأسعار بشكل غير مبرر، حيث يتم استنزاف هوامش ربح المنتج وتضخيم الكلفة النهائية على المستهلك عبر حلقات وسيطة غير منتجة، هذا بالإضافة إلى تردي طرق وأماكن العرض مما يضعف جودة المنتوج.
– العوامل المناخية: أصبحت هذه العوامل “مضخمات للأزمات”، إذ تعطل القدرات الإنتاجية وسلاسل تموين الأسواق، وتؤدي إلى رفع الأسعار وتهميش أسواق الدول الضعيفة وحتى الصاعدة، أو تزويدها بمنتجات أقل جودة.
وتوصي التقارير المذكورة، ويعززها تحليل الخبراء، بضرورة اعتماد حكامة غذائية متكاملة لتمكين استدامة النظام الإنتاجي وتحقيق الوفرة وضمان الجودة وتيسير تموين الأسر، وتتجاوز هذه الحكامة التدبير التقني والإداري لتشمل المنظومة الغذائية برمتها، وأهم أركانها: الحكامة السيادية والرقابية؛ دبلوماسية الشراكات والتحوط، إدارة السيادة الغذائية بمنطق “الدبلوماسية الزراعية”، عبر بناء شراكات إنتاجية عابرة للحدود؛ حكامة المدخلات واللوجستيك (لا أمن غذائي بدون “جودة المنبع”)؛ الابتكار واقتصاد “الغذاء الوظيفي؛ توطين سلاسل القيم، تأهيل الرأسمال البشري؛ ترشيد ثقافة الاستهلاك: تعزيز وعي المجتمع بضرورة الاستهلاك الراشد، والترويج للمنتجات الأقل كلفة والأفضل جودة، وترسيخ ممارسة التضامن الغذائي، ومحاربة الهدر كجزء لا يتجزأ من الممارسة الوطنية السيادية.
إن ما سبق من عرض لأهم التحديات والتوصيات الواردة في التقارير الدولية، والتي تعززها خلاصات المخططات والدراسات والتقييمات على الصعيد الوطني، يؤكد صوابية النقاش الوطني حول السيادة الغذائية، كما يفرض ضرورة توجيه بوصلة المخططين – سواء في “الجيل الأخضر”، أو “أليوتيس”، أو العقد البرنامج في قطاع الصناعات الغذائية، وبرنامج تثمين النباتات – نحو تحقيق السيادة الغذائية، وفرة وجودة.
فتعديل البوصلة يفرض ضرورة التقييم والتقويم بمنطق الاعتدال في المقاربة، بتثمين الإنجازات ومعالجة الإخفاقات من أجل الالتزام الصارم بالأولويات السيادية.



