الرأي | أهمية العطلة السنوية..


ألم نتساءل يوما ما، ونحن في العطلة الصيفية المرتبطة بالراحة والاستجمام وتغيير الأجواء الروتينية اليومية بعد مرور سنة من العمل الشاق بالنسبة للعاملين والدراسة بالنسبة للطلبة والتلاميذ، وتحصيل منتوج بالنسبة للفلاحين، وتغطية مصاريف شهر كامل بالنسبة للمأجورين من طرف المستثمرين، عن تاريخ هذه العطلة وجذورها، وعلى دورها اليوم في التنمية بعدما فرضت نفسها كصناعة قائمة بذاتها؟ ألم نتساءل عن سر اعتبار هذا الكسل المحمود ضرورة طبية، ثم كيف كانت ولا زالت العطل في عيون الأدباء والمفكرين، وكيف عبر عنها الشعراء الهائمون ؟
ففي العصور القديمة، وحتى بدايات العصر الحديث، كان إغلاق المدارس صيفا ضروريا، ليتمكن الأطفال من مساعدة عائلاتهم في مواسم الحصاد وجني المحاصيل.
وقد كان جيلنا يفرح عندما نحج إلى البوادي لمشاركة أهلنا هناك مواسم الاحتفال بالحصاد صيفا وفي عطلة مارس ربيعا.. وكم كنا في سمر ليالي مراكش الجميلة نستلقي على قفانا من الضحك عندما كان النقيب إبراهيم صدوق يحكي لنا لما كان في فترة دراسته يصطحب معه أحد أصدقائه عند والده المرحوم الطاهر السرغيني إلى هذه المنطقة الجميلة، ودأب صديقه في وجبة الإفطار على تهييئ الشاي بتلك الطريقة التقليدية للأب وأصدقائه في ذلك المنزل الريفي، ويوم حان موعد الرجوع للمدينة سأله والده كم يتقاضى صاحبه شهريا، فأفاده بذلك ثم سأل الفلاح ولده: ألا يقبل صديقك المكوث معنا في البادية وأخصص له نفس الشهرية مقابل تهييئ الشاي لنا.. إنه يقيمه بطريقة وطقوس خاصة! ؟
كما يحكي لنا عن ذلك الطالب الآخر الذي أرسل له رسالة خطية يوم لم يكن لا “واتساب” ولا أنترنيت.. كان الأصدقاء يشاركون أصدقاءهم لحظات رحلة الصيف، وحمل له ساعي البريد رسالة خطية من صديق آخر مفادها تصوير سقوط أحد العمال الزراعيين من إحدى الجرارات الفلاحية مستعينا بوصف قرآني لوصف شدة الإصابة قائلا: “وتركه صلدا”، وبقي يستعمل النقيب بحس فكاهي ملكات صديقه في الوصف إلى يومنا هذا.
لقد كان عدد كبير من الفلاحين أمثال أب النقيب، ينتظرون أبناءهم لإعانتهم على الحصاد الذي كان يستمر شهورا في غياب المكننة التي قصرت من حياته، ويقول البعض إنها ذهبت ببركات المنتوجات..
فقديما كانت النخب الرومانية تغادر روما الحارة إلى الفيلات الريفية الباردة، وفي القرن التاسع عشر كانت البرجوازية الأوروبية تفر من المدن المكتظة لتجنب الأوبئة الصيفية (مثل الكوليرا) نحو الجبال والسواحل، ولما حلّت الثورة الصناعية والإرهاق العمالي، بدأت المطالبات بتقليص ساعات العمل.
ويُعد عام 1936 محطة مفصلية، حين أقرت فرنسا قانون “العطل المأجورة” (Congés payés)، مما حوّل السفر والراحة صيفا من امتياز بورجوازي إلى حق شعبي مكفول بحكم القانون.
فأصبحت العطل اليوم تُقضى بأشكال متعددة تتراوح بين السياحة الساحلية (وهي الأكثر شعبية صيفا)، والسياحة الجبلية، والثقافية، والبيئية.. وأصبحت تلعب دورا محوريا في التنمية من خلال خلق فرص العمل؛ فالسياحة من أكبر القطاعات المشغلة لليد العاملة عالميا، وجلب العملة الصعبة، مما يدعم ميزان المدفوعات للدول المستقبلة وتطوير البنية التحتية المتجسدة في تحفيز بناء المطارات، والطرق، والفنادق التي يستفيد منها السكان المحليون أيضا.
وقد حقق المغرب قفزات تاريخية رسخت مكانته كوجهة سياحية رائدة، إذ تم استقبال حوالي 19.8 مليون سائح سنة 2025، ليصبح بذلك البلد الأكثر زيارة في القارة الإفريقية، وبلغت المداخيل والعائدات في نفس السنة حوالي 14.8 مليار دولار، وبهذا الرقم، احتل المغرب المرتبة الثالثة عربيا في عائدات السياحة، خلف السعودية ومصر، مسجلا أعلى نسبة نمو سنوي (29 %) بين كبار الوجهات في المنطقة.
وهكذا أصبح تطوير السياحة: بين الجغرافيا، والثقافة، والترحاب، يفرض نفسه في رسم السياسة السياحية بين البلدان المتسابقة، لأن السباق في هذا المجال فيه استفادة ظاهرة واستفادة باطنة؛ فالأولى تقدم البلد كوجهة ذات معطيات جديرة بالزيارة، والثانية تمكن الاستثمارات نفعا بطريقة غير مباشرة لساكنته، من بناء طرق ومطارات وموانئ وفنادق جاهزة لمؤتمرات وطنية ودولية، وتظاهرات رياضية كما هو الشأن في بلادنا بالنسبة للتحضير لمونديال 2030، وبالتالي، فهذه الاستثمارات ستصب حتما في إنجاح هذه السياسة التنموية اقتصاديا.
وإذا تركنا الجانب الاقتصادي والتنوع الجغرافي وصناعة الضيافة والبنية التحتية والرقمنة كاستراتيجيات لتعظيم الاستفادة، فإن الحاجة للراحة عند الأطباء والنفسانيين أصبحت معتبرة كسلا محمودا وضرورة بيولوجية؛ فمن المنظور الطبي (علم الأعصاب): يؤكد أطباء الدماغ أن الدماغ البشري يحث على فترات من “اللاعمل” لتفعيل ما يُسمى “شبكة الوضع الافتراضي” (Default Mode Network). هذه الشبكة لا تنشط إلا عندما نتوقف عن التركيز في المهام اليومية، وهي المسؤولة عن الابتكار، وحل المشكلات المعقدة، وتجديد الخلايا العصبية.
ومن المنظور النفسي: يحذر أطباء علم النفس المهني من متلازمة الاحتراق النفسي (Burnout)، فالعطلة تعمل كفاصل (ديتوكس) يعيد ضبط الجهاز العصبي الودي، ويخفض مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر).
كما يرى الفلاسفة أن “أوقات الفراغ” هي أصل الحضارة.
فالكاتب الفرنسي أونوريه دي بلزاك كان يدرك تماما أن الإبداع يحتاج للحظات من التأمل الهادئ بعيدا عن صخب الحياة المنتجة، والطبيب والفيلسوف ابن سينا أشار في مخطوطاته الطبية إلى أن توازن الجسد يعتمد على الموازنة الدقيقة بين الحركة والسكون، وأن الإفراط في الجهد دون استراحة يُعجل بهرم الجسد.
أما عظيم فرنسا فيكتور هوغو، فكان يرى في السفر وتأمل الطبيعة وسيلة لغسل الروح من شقاء العالم، ويقول في أحد نصوصه ما معناه: “الراحة الحقيقية ليست في خلو الجسد من العمل، بل في امتلاء الروح بالسكينة”.



