الرأي

الرأي | تبون وزمن “زنقة زنقة”..

بقلم: عبد الرفيع حمضي

قبل أيام، التقيت في الرباط بصديق تونسي يقيم في باريس، لكنه يتردد باستمرار على بلده، وكما يحدث كلما اجتمع مغاربيان، انتهى بنا الحديث إلى السياسة، ثم إلى تونس، وسألته بصراحة: “من أين يستمد الرئيس قيس سعيد كل هذه القوة؟ هل من المؤسسة الأمنية، أم من الجيش، أم من قوة أخرى لا يراها الناس؟ وكيف يستطيع أن يستمر في مواجهة كل هذا الاحتقان السياسي والاجتماعي؟” فابتسم، ثم قال: “اسأل أي تونسي وستسمع الجواب نفسه؛ فسر القوة ليس في هذا ولا ذاك، بل غرب الحدود”.

سواء كان هذا الاعتقاد مطلقا أو نسبيا، فإن مجرد انتشاره يكشف أزمة ثقة عميقة في النظام؛ فعندما يقتنع جزء من المواطنين بأن مستقبل السلطة في بلدهم لم يعد يصنع داخل حدوده وحدها، فإن ذلك وحده كاف لطرح أسئلة مقلقة حول طبيعة السلطة ومصادر قوتها.

تتمة المقال تحت الإعلان

عادت هذه الحكاية إلى ذهني وأنا أتابع التصريح الأخير للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن الاحتجاجات التي تعرفها تونس، حين قال باللهجة الجزائرية: “واللي يهدد تونس نخليوه خيمة تاع والديه”.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالذي يجري في تونس ليس عدوانا أجنبيا، ولا اجتياحا عسكريا.. إنها احتجاجات اجتماعية وسياسية يقودها شباب تونسي داخل وطنهم، احتجاجا على أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما يحدث في دول كثيرة.. فأين هو الخطر الذي قد يبرر مثل هذا الخطاب ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

والأكثر إثارة للاستغراب هو الصمت الرسمي التونسي تجاه خطاب الوصاية؛ فالدول التي تحترم نفسها لا تكتفي بالمطالبة باحترام سيادتها في المحافل الدولية، بل تدافع عنها أيضا عندما يصدر المساس بها من أقرب الحلفاء، أما الصمت، فإنه يفتح الباب أمام تأويلات لا تخدم صورة الدولة ولا استقلال قرارها.

ولم يكن مستغربا أن تعيدني تلك الكلمات إلى عبارة أخرى دخلت التاريخ، عندما خرج العقيد معمر القذافي مهددا الليبيين بعبارته الشهيرة: “زنقة زنقة”؛ فليست المقارنة هنا بين الرجلين، وإنما بين نمطين من الخطاب: خطاب يعتقد أن الانفعال ورفع الصوت يمنحان صاحبه قوة وهيبة، بينما تثبت التجارب أن قوة الدولة تقاس برصانة مؤسساتها لا بخشونة مفرداتها.

إن أخطر ما في تصريح الرئيس الجزائري ليس مضمونه السياسي فحسب، بل اللغة التي استعملها، فالكلمات ليست مجرد وعاء للأفكار، بل هي جزء من هيبة الدولة نفسها، وعبارات من قبيل: “واللي يهدد تونس نخليوه خيمة تاع والديه” قد تسمع في مشادة في الشارع، أو في سوق أسبوعي، أو في مقهى، أو في أي فضاء يغلب عليه الانفعال، أما أن تصدر عن رئيس دولة، وأمام وسائل الإعلام، فذلك يسيء، قبل أي شيء، إلى صاحبه، وإلى المؤسسة التي يمثلها.

فالسياسة ليست مواقف فقط، بل هي أيضا لغة، وهيبة الدولة تبدأ من هيبة الكلمة، وحين يهبط الخطاب الرسمي إلى مستوى التهديدات الشعبية، فإنه لا ينتقص من صورة الدولة الأخرى فحسب، بل ينتقص أيضا من صورة الدولة التي يتحدث باسمها.

لقد بقي من خطاب الراحل معمر القذافي في ذاكرة الناس “زنقة زنقة” أكثر مما بقي “الكتاب الأخضر”، وأكثر مما بقي مشروع “النهر الصناعي العظيم”؛ فالتاريخ لا يحتفظ دائما بأهم ما يقوله الرؤساء، بل يحتفظ أحيانا بأسوأ ما يقولونه.

وبين ما يقال وما لا يقال.. ليست المشكلة في أن زمن “زنقة زنقة” عاد، بل إن بعضهم لم يغادره أصلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى