الحقيقة الضائعة | معارك بوذنيب وحروب الخديعة بين المقاومين والغزاة
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 172"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان

شهدت سنة 1908 معارك ضارية بين المقاومين المسلحين بأسلحة عتيقة، كـ”بوشفر” و”بوحفرة”، والغزاة الذين كان هدفهم الرئيسي هو احتلال بوذنيب. إذن، حول بوذنيب بدأت المعارك في 10 مايو 1908، وكانت قبيلة بني وزين للفرنسيين بالمرصاد، حيث قتل لهم ثلاثة عشر جنديا، وزاد من فداحة خسارتهم مقتل مجموعة من الضباط؛ فقد قتل القبطان كلافيل، وقتل الليوتنان بوكيني، وقتل الليوتنان جيكلي، وقتل الليوتنان بلوندو، ولم تتمكن خطة الجنرال فيجي من تنفيذ مخططها واقتحام بوذنيب رغم أربعة أيام من المعارك استخدم فيها الفرنسيون المدافع لهدم بوذنيب، والرشاشات البعيدة، وجرت يوم 4 مايو معارك طاحنة في واحات النخيل المحيطة بالمدينة.
واكتفى الفرنسيون بهدم بوذنيب على سكانها ومجاهديها، ولكنهم، أي الفرنسيين، انسحبوا تحسبا للسقوط في مصيدة محتملة، وشرعوا في بناء مخبأ كبير على أحد المرتفعات للاحتماء فيه انتظارا للمفاجئات..
وتجمع المجاهدون في تولال، ونظموا شؤونهم وأصبحوا في حالة استعداد لاستئناف القتال في شهر جوان 1908، ولكن قوات مولاي أحمد والحسن لم تتحرك للإحاطة بحصن الفرنسيين إلا في شهر غشت، حيث تم تجميع المجاهدين وبدأت هجمات القوات المغربية على المركز الفرنسي متوالية، وقرر الفرنسيون أن يخبروا قيادتهم في الجزائر، وسارعت هذه بإرسال قوات جديدة بقيادة الكولونيل أليكس، وقفت في الطريق بين بوذنيب وبشار لتمنع كل هجوم على المركز الفرنسي.
وهنا كانت مفاجأة القيادة الفرنسية كبيرة.. فقد توصل قائد الحصن الفرنسي، الكومندان فيش، برسالة من زعيم المجاهدين يطالبهم فيها بالخروج إلى الميدان للقتال، وإلا فإن المجاهدين المغاربة سيضطرون لمهاجمتهم في حصنهم.
و((طبعا استصغرت القيادة الفرنسية هذا التهديد، فكان الهجوم المغربي يوم فاتح شتنبر على شكل دائري، وكانت مدافع الحصن الفرنسي ورشاشاته تحصد كل الرجال المحيطين بالحصن وهم يتقدمون غير مبالين، ولكن ظلام الليل قلب الأوضاع، وأصبح مأساة بالنسبة للفرنسيين)) كما تقول الوثائق الفرنسية.
ودامت المعركة يومين، قال الفرنسيون أنهم خسروا فيها قتيلا واحدا وخمسة عشر جريحا.
وتحركت قوات الكولونيل أليكس من خلف ظهر المجاهدين لتنقذ المحاصرين في الحصن الفرنسي، ووجد المجاهدون أنفسهم بين نارين؛ فالمدافع تقصفهم من الحصن، ومن الخلف، وهم في البطاح الفاصلة بين بوذنيب وجرف الخليفي، هدفا للمدافع، وذلك هو الجهاد، يوم لنا ويوم علينا، وهي حرب الخداع.
واستمرت المناوشات إلى سنة 1909، وكان مولاي أحمد لا زال يرسل الدعوات إلى الجهاد في كل أنحاء تافيلالت..
و((استغل الفرنسيون هذا الانشغال للاستقرار وبناء المراكز والحصون، بل إنهم أبرقوا للجنرال ليوطي بأن المغاربة استسلموا، فجاء الجنرال ليوطي من قيادته في عين الصفراء ليزور المناطق الجديدة التي زادها في قيادته، ووصل إلى بوذنيب يوم 20 يناير 1910، وهناك رقّى الكولونيل أليكس إلى رتبة جنرال، وجاءت قوات من بشار بقيادة الكولونيل لاكير، لممارسة مهمة المراقبة، ليتفرغ الجنرال أليكس لمهام اكتساح المناطق الأخرى، كما جاءت قوات أخرى بقيادة الكولونيل ستراسيل، كانت مهمتها محاربة قبيلة بوشاون، التي دخلت في حرب غير معلنة منذ سنة 1908)) كما ورد في الوثائق الفرنسية.
وبدأ الكولونيل ستراسيل بقصف أراضي القبيلة وإحراق مواشيها في واد قدو، وهو الأسلوب الذي ظهرت نجاعته في المنطقة وسهلت انتشار القوات الفرنسية حتى إلى واد زيز، ومركز كراندو والريش.
لقد فوجئ المجاهدون الفيلاليون بعنصر المدفعية الذي يجعلهم، وهم مكشوفون في بطاح تافيلالت، معرضين لقصفها.
وكان عليهم أن ينكمشوا في انتظار تنظيم صفوفهم واختيار المواقع التي تسمح لهم بخوض معارك متكافئة، وهم بطبعهم رجال أشداء في المعارك وجها لوجه، ولا حول لهم ولا قوة لخوض معارك ضد فوهات المدافع المنصبة بعيدة المدى.
كان عليهم إذن، أن يتنقلوا إلى المواقع المناسبة، وكذلك فعلوا، فاتجهوا شمالا نحو الأطلس، باحثين عن فرصة لمواجهة الفرنسيين، وكانت أقرب المناطق إلى الأطلس، في ميدلت وفي إيتزر.
وكان الفرنسيون في هذه الأثناء يتحركون في اتجاه تافيلالت انطلاقا من ناحية مكناس بقيادة الجنرال بويميرو في سنة 1917.
وكان أول اشتباك للمجاهدين المغاربة سنة 1918 يوم 17 جوان، في تارزيفت غير بعيد عن تيمحضيت، قتل فيها ثلاثة جنود فرنسيين وجرح تسعة، وكانت تجمعات المجاهدين في هذه المنطقة كثيفة، فاتجهت إليها قوات فرنسية كبيرة بقيادة الجنرال بويميرو شخصيا، وجرت معركة أخرى في 19 جوان بالرماح قتل فيها ثلاثة جنود فرنسيين وجرح عشرة.
وفتحت واجهة أخرى للجهاد غير بعيد من الريش في 26 فبراير 1919، ومعركة أخرى في ميدلت يوم 6 مارس، ومعركة في إيتزر يوم 8 مارس، وقرر الجنرال ليوطي، وكان قد أصبح صاحب الأمر والنهي في المغرب، إرسال قوات جديدة إلى المنطقة بقيادة الجنرال بيرتران.
ووصلت مئات الفرق الفرنسية، وعشرات الكولونيلات على رأس قوات مسلحة بالمدافع لتحتل المنطقة، ولكن كل تحركاتها كانت تجري تحت عيون الثوار الذين كانوا يتحينون الفرص، حسب ما ذكرته الوثائق الفرنسية.
وجرت معارك لم ينص عليها المؤرخون العسكريون، كمعركة دامت من 3 إلى 16 أكتوبر 1921 في تارزيفت، وهي المنطقة التي حصلت فيها معارك 1918 وقتل في أكتوبر 1921 القبطان بيتو وتسعة جنود.
وفي ميدلت، شن المجاهدون هجوما آخر في المسيد، يوم 22 نونبر 1921، قتل فيه القبطان كيلو.
معركة تاحيانت..
إن قلة المعارك وندرة الاشتباكات في منطقة تافيلالت منذ وصول جحافل القوات الفرنسية سنة 1908، لا تعني استسلام هذا الإقليم أو تهاونه، ولكن الواقع هو أن القوات الفرنسية التي كانت تكتسح إقليم تافيلالت، كانت كلها تأتي من الجزائر، وبها عشرات المئات من المجندين الجزائريين “الصبايحية” الذين كانت التقارير الفرنسية حريصة على دفن خسائرهم في طي النسيان، لهذا نرى في الفقرة السابقة أن “الوثائق الفرنسية” تحدثت عن معركة 22 نونبر 1921 في المسيد، لكنها لم تعلن إلا عن موت القبطان كيلو وحده وكأنه مات بالزكام.
وقد رأينا معركة كبرى يموت فيها الضابط رئيس الجيش وحده؟ كما أن الاشتباكات المذكورة، والتي بدأت سنة 1908 واستمرت إلى سنة 1921، تؤكد أن المجاهدين في إقليم تافيلالت لم يكونوا واقفين مكتوفي الأيدي، ولا مستسلمين منذ المعركة الأولى؛ ففي سنة 1921 ظهرت زعامة أخرى في إقليم تافيلالت، متمثلة في شخص المجاهد بلقاسم النكادي، الذي أطلق هجماته من السفوح الشرقية للأطلس المتوسط وعلى ضفاف واد زيز، وأصبح يشغل القيادة منذ هجماته الأولى في شتنبر 1921، حيث احتل أطرافا شاسعة في المنطقة طرد منها الفرنسيين.
يقول فوانو في مذكراته: ((إن كل قواتنا الفرنسية تجمعت في الريش، لتتحرك كلها يوم 11 شتنبر لمهاجمة النكادي)). بلقاسم النكادي هذا، ويسمى “بلارج”، ينتمي لعائلة مجاهدة في إقليم تازة سيأتي الحديث عنها في الفقرات المخصصة لزاوية أزروال.
وكان التواجد الفرنسي في المنطقة قد مهد لممارسة المناورات السياسية، وخلق الحزازات والعداوات بين بعض القبائل المسالمة، مثل أيت زدك، والقبائل المجاهدة، مثل أيت حديدو وأيت مرغاد الذين قرأنا عن جهادهم في مناطق الأطلس المتوسط والكبير.
وانضمت إلى هاتين القبيلتين في طريق الجهاد، قبيلة أيت حمو التي كبدت الفرنسيين خسائر فادحة في معركة استمرت يومي 16 و17 مايو 1928، هاجمت فيها المراكز الفرنسية في مزيزل، واستمرت في ضربها للفرنسيين طوال ستة شهور متوالية.
وهكذا نجد أنفسنا أمام حرب مستمرة لمدة عشرين عاما في منطقة تافيلالت.
بل إن هذه الحرب زادت من حدتها سنة 1929 حينما هاجمت المدافع الفرنسية قصور وقصبات أيت يعقوب في 28 أبريل 1929، فجاءت قبائل أيت يحيى من منطقة تازارين لنجدة المجاهدين، وقتل في معركة أنفركان جنديان فرنسيان وجرح جنديان.
ونظم المجاهدون هجوما كبيرا على المركز الفرنسي في قصر إيكلي يوم 9 مايو 1929، ومن هناك فتح المجاهدون الطريق إلى البرج، ودخلوه بالقوة يوم 10 ماي، حيث استعمل المجاهدون خداع الحرب بدورهم، فحملوا علما أبيض فهم منه الفرنسيون أنهم مستسلمون، وعندما اقترب الفرنسيون وأوقفوا قصف المدافع، أنزل المجاهدون العلم الأبيض ووجهوا إلى العدو فوهات بنادقهم، فاستنجد القبطان الفرنسي موراس بالطائرات التي جاءت لتطلق رشاشاتها على المجاهدين، ورغم ذلك قتل ثلاثة جنود فرنسيين وجرح تسعة.



